لا تكتمل ذكريات الطفولة ومشاعر الماضي القديم إلا بصورة من صور الألعاب الشعبية التي كانت تثير حركة الأطفال في الفريج، وترسم البهجة على وجوههم، فالألعاب الشعبية القديمة إحدى أجمل المراحل الجميلة التي عاشها آباؤنا في الماضي.

وهي من النشاطات التي كانت تنطق سحرا وعفوية وبراءة، وتعد الأكثر حضورا في الذاكرة لارتباطها بالرفقة والمرح والمغامرة التي لم نعد نشعر بها في أيامنا الحالية بسبب التكنولوجيا.

وتعد الألعاب الشعبية إحدى الموروثات الشعبية الجميلة التي تمارس بأسلوب وطريقة معينة تعكس الجو النفسي لمحيط اللعب، وكانت تمارس في الماضي بدافع من المتعة والتسلية بعيدا عن المنافسة والتحدي، بهدف قضاء أوقات الفراغ بصورة جماعية وتعاونية، تعكس الجانب الإيجابي للحياة الاجتماعية.

أدوات اللعب

ولم تتجاوز أدوات اللعب قديما إمكانيات البيئة المحيطة، فقد كان الأطفال يلعبون بأدوات بسيطة صنعوها يدوياً من سعف النخل والخوص والمعدن والحبال والخيطان والأخشاب، وينادون المارّة من زملائهم ليشاركوهم اللعب، فطفولة الماضي جميلة ببساطتها وبطبيعتها الجماعية، إذ كانت تربي الأطفال وتحمل لهم في طياتها قيما اجتماعية ساعدت في تنشئتهم بصورة اجتماعية صحيحة.

وتنحصر الألعاب الشعبية الإماراتية في 25 لعبة تقريبا، اشتهرت منها العاب معينة، فيما تباينت في أنواعها بين أهل المدن والقرى والجبال والبادية على اعتبار أن كل بيئة أنتجت انواعاً مختلفةً من الألعاب الشعبية حسب طبيعة البيئة والمواد التي وفرتها لهم.

إلا أنها اشتركت في عمومها في الأوقات التي كانت تمارس فيها تلك الألعاب، فغالباً ما كان بعد العصر هو الوقت المحبب للعب في أرجاء الفريج سواء للكبار أو للصغار.

ألعاب متنوعة

فالبيئة أو المنطقة الجغرافية لها دور مهم في تنوع المأثور الشعبي لدولة الإمارات، خصوصا فيما يتعلق باللهجة المتداولة والأهازيج التي رافقت ألعاب الصغار، وتميزت ألعاب البيئة الريفية كونها أكثر تعبيراً ومحاكاة للبيئة والحياة الاجتماعية والعادات والتقاليد والمعتقدات السائدة بالبساطة والحركة.

إذ كان الأطفال في تلك المناطق يعتمدون على مخلفات أشجار النخيل والسمر وغيرها لصنع ألعابهم التي يأتي من بينها الصقلة، القفة، أم البيت، الكونة، المجلاع، الهبة، الهول، الحرب، التبة والكثير غيرها.

في حين اعتمد أهل الساحل على البحر الذي كان يمثل للصبية أهمية كبيرة ومحيطاً خصباً لممارسة ألعابهم المفضلة مثل لعبة الديك والدجاجة وهي للصبيان، اليغيرة وصاقف لاقف وهي للفتيات. أما الكبار فقد لعبوا الجحيف والحبل وغيرها مثل كرة السيطان، «وسيب حي لو حيت».

واستخداموا القواقع والصدف وبعض الأسماك، إضافة إلى ممارسة السباحة، بالإضافة إلى ألعاب الغوص التي تنمي قدرات الأطفال على حبس أنفاسهم لمدة أطول تحت الماء.

لعب وغناء

يرافق أداء بعض الألعاب الشعبية ترديد بعض الأغاني والأهازيج الموسيقية، ولا سيما ألعاب البنات، إذ يستمتعن بترديدها في أثناء ممارسة الالعاب الخاصة بهن. مثل «شيبة شيبة وين ساير؟.. ساير حلتي وبلادي.. بنسير وياك.. بتاكلكم العواوي».

كما أن للألعاب المتعلقة بالخوص والمواد المستخرجة من شجرة النخيل أهازيج خاصة مثل «ياجرادة طيري طيري والحقي العصفور.. يا ويل من له ياعده.. والذيب غيل في الغنم.. ولا بي عسر من دين.. بي من باطن حشايه..

ما تلحقه اليدين.، وخوصه.. بوصه، يالنبوصه، كلاج الدود من حمدون، مرينا على عقارب، يا كلون سحتين محتين، قال يا عبد الرحمن، عطونا سحه بلاقي بها، من سلطان لين سلطان، لا دغتنه عقروبيه، شقروبيه».

وهي أهزوجة جميلة اشتهرت بترديدها الفتيات الصغيرات في اللعب، فضلا عن لعبة «طاق طاق طاقية أو الثعلب فات» التي تجمع أطفال الحي على أرض بصورة دائرية ويتولى أحدهم الجري حولهم في حين يرددون البقية الأغنية الشعبية بصوت صداح يعلن عن أوقات المرح.

وتعد الأهازيج الشعبية التي حفظها الأطفال عن ظهر قلب من الأمور المهمة التي تعزز الارتباط الاجتماعي بينهم وتنمي قوة الشخصية لديهم لما تفرضه عليهم تلك العملية من أداء أدوار قيادية أو ترديد أغنيات خاصة باللعبة تنسي الطفل ارتباكه خلال حماس اللعب فتجعله يندمج مع أقرانه.

كرنفالات شعبية

وحظيت بعض الألعاب الشعبية لأهل الإمارات في الماضي بشعبية كبيرة مثل لعبة الكرابي.. وهي من الأنواع التي كانت تقام من أجلها السباقات والمسابقات التي تأخذ الطابع المهرجاني أو الاحتفالي، وكانت مقتصرة على الفتيات، ولكن في أحيان كثيرة مارسها الصبية.

ومن أهم تقاليد هذه اللعبة أن يتقابل اللاعبان وجهاً لوجه في الحلبة.. ويقوم أحدهما برفع ساقه ومن ثم يقفز عليها.. وكذلك يفعل اللاعب الثاني..

وفي هذه الأثناء يجري حواري أشبه بالأهزوجة الشعبية فيقول الأول أثناء حركته: العب كرابي واقول.. فيرد عليه الثاني بقوله: واشرب من عين الحاقول ويقصد بالحاقول (السمكة من نوع الحاقول). الفوز أو الخسارة في هذه اللعبة يتوقف على قدرة تحمل اللاعب في رفع ساقه والقفز عليه لأطول مدة ممكنة دون أن يقع (يطيح) أرضاً.

في حين تلعبها الفتيات بصورة مختلفة نوعا ما تشترط وقوفهن على إحدى الخطين المتوازيين اللذين يرسمان على أرض فسيحة بفارق مسافة تقدر بخمسة أمتار، لتكون البنات في خط مواجهة اللعبة في الخط الآخر والتي تقوم بالقفز نحو الخط الأخر مرددةً: (ألعب كرابي وأقول، أقول شيخه)..

لتصل إلى خط المواجهة وتعود وهي تقفز دون السقوط لتفوز مع محاولة الأخريات عرقلة طريقها.

ويرافق تلك الكرنفالات الاحتفالية إجراء المنافسات وسباقات الجري بين الصبية والكبار في أجواء من المرح تجذب كل أهالي القرية أو الفريج.

ابتسام الشاعر