كثيرة هي القضايا التي يعاني منها بعض أفراد المجتمع، خاصة القضايا التي تمس الجسد، مثل المرض النفسي، والاغتصاب، والأطفال الذين يتعرضون للاعتداء او التحرش الجنسي، هذه القضايا وغيرها، ظل المجتمع الخليجي متحفظا عليها، ويرفض طرحها أو حتى مناقشتها لاعتبارات كثيرة، كونها تندرج تحت باب الحياء وخدش مشاعر الأسرة، أو الشخص نفسه الذي ربما تعرض لحادثة مثل هذه، ومع تزايد هذه الحالات.
خاصة التحرش الجنسي بالأطفال، وبلوغها مستوى عالياً من الإجرام يصل إلى حد القتل خرج المجتمع عن صمته، وبدأت الأصوات تتعالى محذرة من انتشار هذه الظاهرة ومدى خطورتها على المجتمع، وهناك من أقام الندوات وبرامج التوعية، إلى جانب تحذير الجهات الأمنية وضرورة رقابة الأسرة على أبنائها، إلا إننا مازلنا نقرأ وبشكل يومي، عن وقوع مثل هذه الجرائم الإنسانية، التي لا تصيب الطفل في جسده فقط.
وإنما في مشاعره وآدميته، ومما يؤسف له انه لا يوجد إحصاء رسمي، للذين تعرضوا لأي شكل من أشكال الاعتداء الجنسي في طفولتهم، فالأطفال والكبار على حد سواء، يمتنعون عن الإفادة بتعرضهم للاعتداء الجنسي، ولأسباب عديدة أبرزها السرية التقليدية النابعة عن الشعور بالخزي والحياء، أو صلة القرابة التي قد تربط المعتدي جنسيا بالضحية.
ومن ثم الرغبة في حمايته من الملاحقة القضائية أو الفضيحة التي قد تتبع الإفادة بجرمه، ويعتقد الاختصاصيون أن الاعتداء الجنسي، خاصة التحرش بالأطفال، هو من أبرز القضايا التي لا يحب المجتمع الخليجي الحديث عنها.
باستثناء القلة الذين وجدوا ان الصمت عن هذه الجرائم، لا يجوز، بل وجدوا أن السكوت على هذه الجرائم تساعد ضعفاء النفوس على الاستمرار في أفعالهم، طالما هناك من لا يريد معاقبتهم، بسبب حياء وامتناع بعض الأفراد والأسر عن التبليغ.
هنا نتناول هذه الظاهرة من كافة أبوابها وأسبابها، كما نتطرق عبر اختصاصيين إلى آثارها والطرق الوقائية لحماية الطفل، والحماية القانونية للضحية، في انتظار رد من القيادة العامة لشرطة دبي، ونأمل أن يحمل لنا أرقاما إحصائية، وجنسيات من قاموا بأعمال إجرامية، في التحرش بالأطفال والمس بآدميتهم.
دعم الأسرة
بداية قالت عفراء البسطي المدير التنفيذي لمؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال: معظم الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة الخطيرة، أظهرت ان معظم الضحايا هم من الأطفال، الذين يمتنعون عن الحديث متى تعرضوا إلى الاعتداء الجنسي، وإذا تحدث البعض فانه لا شك يكون في وضع محرج.
ونفس الأسباب التي تجعل الأطفال يخفون نكبتهم، هي نفسها التي تجعل معظم الأسر لا تسعى للحصول على دعم خارجي لحل المشكلة، وحتى عندما تفعل فإنها، قد تواجه بدورها مصاعب أخرى في الحصول على الدعم الملائم.
لذلك غالباً ما نركز على الدور العام للأسرة، في المساعدة على منع حدوث مثل هذا الأمر، لأثره الأكبر في توفيرا لأمان النفسي للطفل، والذي يمثل الوقاية الأولى له، لتأتي بعدها خطوة هامة وهي تعليم الأطفال، وتشجيعهم على الحديث عن أية سلوكيات مشبوهة قد يتعرضوا لها، مما يمكن له أن يقي من حدوث الإيذاء قبل وقوعه.
التخفي والصمت
وتقول الدكتورة أزهار أبو علي اختصاصية نفسية ومدير إدارة الرعاية والتأهيل: يوجد في الحياة الكثير من المخاطر التي تستحق منا التفكير، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بأطفالنا، ويزداد الأمر تعقيدا إذا كانت هذه المخاطر، تحمل في طياتها قضايا يتحتم فيها عند كثير من الناس الكتمان والصمت، لأسباب الحياء وتقاليد المجتمع التي تمنع الحديث في قضايا متعلقة بالجنس.
وخاصة فيما يتعلق بقضية مثل التحرش الجنسي بالأطفال، هذه الظاهرة تعد إحدى المعضلات النفسية التي يعاني منها الطفل، فهي تمس بعمق صحته النفسية، وإذا ما تجاوزنا الأسباب الجوهرية لقيام العض بالتحرش بالأطفال، والتي منها الإغراءات بالمال او الشيكولاتة، فانه علينا أولا أن نفتح هذا النقاش مع الآباء والأمهات والمربين، ليأخذوا بيد أبنائهم للعبور بهم إلى بر الأمان.
من خلال مناقشة ألاالعواقب والآثار النفسية والاجتماعية التي يعاني منها الطفل، والماضي وما يحمله من ذكريات مؤلمة لأطفال صاروا شبابا، والجاني حينما يدرك اغتياله للبراءة، وأخيرا الوقاية من أجل إزالة مخاوف الأهل.
وفتح النقاش من أهم وابرز جوانب التوعية، فنحن عندما نعاني من قضية او جرائم ترتكب بحق أطفالنا، علينا ألا ندفن رؤوسنا في الرمال ونقول لا هذا شيء معيب ومخز، النقاش والحوار من العلاجات الرئيسية، فتح الحوار بين الأطفال والآباء والأمهات، يعني أن الأب والام يغرسان الثقة في نفوس أبنائهم، وبالتالي يكون الطفل قادر على مصارحة الأب أو الأم متى واجهته مشكلة.
مثل التحرش الجنسي من قبل شخص غريب او قريب، كذلك أرى أن المجتمع بدأ يتفاعل مع طرح قضايا مثل هذه وبدل من التخفي والصمت، نرى اليوم تفهما كبيرا من خلال طرح ومناقشة هذه القضايا، والتي تحدث في مجتمعنا بسبب هذا العدد الكبير من الجنسيات الوافدة، التي تعيش بيننا ونسبة عالية منهم من شرائح العزاب، ولديهم اضطرابات مريضة وجنسية.
ويستغلون الفرص للتحرش بالأطفال، في غياب رقابة الأسرة أو ترك الأبناء لساعات طويلة دون أن تسأل عنهم أو تعرف أين ذهبوا، وأكرر على أهمية فتح النقاش بين الأسرة الواحدة، وهو الطريق الذي يقرب بينها ويقوي من الثقة بين أفرادها.
وللأسر التي يتعرض أبناؤها للتحرش الجنسي أو الاعتداء أو أي من القضايا الاجتماعية، ونحن ومن خلال الخط الساخن(800111) نتقبل الشكاوى ونساعد الأسرة على المعالجة النفسية والصحية للضحية، ونعمل على إيجاد الحلول المناسبة لها.
التغير الاجتماعي
وتحدثنا بدرية الفارسي مدير الخدمات الاجتماعية عن الآثار الاجتماعية والطرق الوقائية، وتقول في هذا الصدد: الآثار هي مجموعة متداخلة فيما بينها، فهناك الآثار لاجتماعية والنفسية، مثلألاانعدام الثقة بين أفراد المجتمع، العزلة، عدم التفاعل الاجتماعي، وعزل الطفل وأسرته اجتماعيا، مما يؤثر على مستقبل الطفل وأسرته، والطرق الوقائية.
المتمثلة في بناء لغة الحوار، والرقابة الدائمة على الطفل بشكل مباشر وغير مباشر، وإرساء الترابط والتعاون بين المؤسسات المجتمعية المختلفة الراعية للطفل، والمعنية مباشرة ( الأسرة، المدرسة، الأندية الثقافية والرياضية والاجتماعية، وسائل الإعلام).
وهذه عليها تعزيز وتوثيق القيم الأخلاقية، والدينية، والثقافية للطفل، إذن جميع هذه العناصر تلعب دورا كبيرا في الحماية والوقاية، أما عن أسباب ظهور ظاهرة التحرش الجنسي بالأطفال.
فيكفي أن نقول انه نظرا للتغيير الاجتماعي الذي طرأ على المجتمع الإماراتي زاد من حدة المشكلة، حيث كان في السابق نتعامل مع المشكلة بالتستر والتكتم والهروب عن طرح القضية في العلن او حتى مناقشتها، ولكن مع زيادة الوعي الثقافي في المجتمع.
بدأت الجرأة من قبل أفراد المجتمع في طرح مثل هذه المواضيع، وهذه خطوة جيدة تدفعنا في المستقبل لان نطرح قضايا أكثر جرأة وأكثر حساسية، مثل التعرض والتحرش الجنسي بالأطفال من قبل الأقارب، ونحن عندما نتحدث في مثل هذه القضايا المباشرة بالعاملين النفسي والصحي للضحية، علينا أن نضع في اعتبارنا، ان الإمارات تستضيف أناس من مختلف الجنسيات، ومنها من نقل معه عاداته وتقاليده السيئة والمريضة.
الحماية القانونية
يقول المستشار القانوني يوسف الشريف عن الحماية القانونية لضحايا التحرش الجنسي: يعد التحرش الجنسي بالأطفال جريمة غاية في القسوة، وتصطدم بالفطرة الطبيعية السليمة للإنسان، إذ لا يتوقف أثر هذه الجريمة على مجرد الاعتداء على جسد الطفل.
بل يصل الأمر إلى التأثير على نفسيته وإصابته بعقد متعددة تلازمه طوال حياته، كما يتعدى أثر هذه الجريمة إلى ذوي الطفل وإصابتهم بالأسى والحسرة والقهر على ما لحق بطفلهم، من اعتداء وحشي بلا شفقة أو رحمة أو تقدير لبراءته وحداثة سنه، ومن هنا تصدى المشرع الإماراتي لمثل هذه الجريمة، إذ أقر لها عقوبة مشددة تصل إلى الإعدام إذا وصل الأمر إلى حد المواقعة.
وكان المتعدى عليه تقل سنه عن أربعة عشر عاماً وقت ارتكاب الجريمة، كما أفرد القانون نصاً عقابياً لمجرد التحرش، حتى ولو لم يصل الأمر إلى حد الاعتداء الجنسي، وهو ما اصطلح عليه في قانون العقوبات بجريمة هتك العرض، والمعاقب عليها بالسجن المؤقت أي خمسة عشر عاماً.
إذا كان سن الطفل تقل عن أربعة عشر سنة، وقد تم تحديد سن الرابعة عشرة كسن معينة مقصودها فقدان الطفل فيها لرضاه، واعتبار قبوله إكراهً كونه يتأثر بالمغريات أحياناً، أو يسترهب النظرة أو التهديد المفزع ما بين أقرانه، فما بالك لو كان التهديد ممن هو أكبر منه سناً، وفي جميع الأحوال فلا أحسب أن هذه الجريمة ظاهرة، إذ أنها حالات فردية تزداد أحياناً وتنقص أحياناً أخرى.
بسبب عوامل وظروف مجتمعية توعز أسباب تواجدها إلى انتشار العزوبية، وتحول المجتمع إلى مجتمع ذكوري في ظل توافد واستقطاب العمال مختلفي الثقافة والديانة والأخلاق، عن مجتمعاتنا المحافظة الملتزمة، وكذا يمكن الإيعاز إلى استغناء الكثير من الموظفين والعاملين من الوافدين عن أسرهم بإرجاعهم إلى بلدهم الأم.
واضطرارهم لذلك بسبب غلاء الأسعار والزيادة الفاحشة في الإيجارات، ومن ثم العيش في مساكن مشتركة دون أسرهم ،ولتصبح هذه المجتمعات شبه ذكورية وأثر العواقب المترتبة على ذلك والتي لا تخفى على مطلع فطن.
وقاية
توعية الطفل من مسؤوليات الأسرة
الاستغلال الجنسي، يقصد به الاتصال الجنسي بين طفل وشخص بالغ، من أجل إرضاء رغبات جنسية عند الأخير، مستخدما القوة والسيطرة عليه، والتحرش هو عملية أشمل وأوسع، من مجرد الاغتصاب والممارسة الجنسية، ويقصد بهذا النوع من الاستغلال، كشف الأعضاء التناسلية، إزالة الملابس والثياب عن الطفل، ملامسة أو ملاطفة جسدية خاصة، التلصص على طفل، تعريضه لصور فاضحة، أو أفلام خليعة.
لذلك وضعت محاذير على الطفل ان يعرفها، ويعرف معنى الاعتداء الجسدي، الاعتداء الجنسي، الاعتداء العاطفي، والاهم من ذلك أن يعرف ان جسده شيء خاص به، فإذا طلب منه أحد أو تحايل عليه، بأن يلمس أو يرى أو يصور أجزاء من جسده.
فذلك يعني اعتداء، وإذا طلب منه أحد أن يلمس أو يرى هذه الأجزاء أو صورها فهذا أيضا يعني أنه اعتداء جنسيا، وفي هذه الحالة عليه أن يبلغ أباه أو أمه في نفس اللحظة التي يتعرض فيها لمثل هذا الموقف، وأن عليه ألا يقبل هدية من أي إنسان غريب، ويخبرك بها إن كان يريد مثلها، وعلى الأب او الأم شرائها له.
إحصائيات
شهادة الطفل ليست دليلاً كافياً
بين تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) أن التحرش بالأطفال والمراهقين هو أحد التحديات الرئيسة، والأرقام والحقائق المستقاة من عدة دراسات وبرامج دولية، حول هذه القضية تشير إلى نتائج مفزعة، أغلب الأطفال الذين تعرضوا لاعتداءات جنسية.
تتراوح أعمارهم بين 8 إلى 12 سنة، و30 إلى 40% من الضحايا، كانت من قبل أحد الأقرباء، و50% من الأطفال الذين تعرضوا لاعتداءات جنسية، من قبل أشخاص من خارج محيط الأسرة وكانوا محل ثقة، وأكثر من 30% من الضحايا لم يفصحوا لأحد عما تعرضوا له من اعتداء، بسبب عدم اعتقادهم بأن ما تعرضوا له هو اعتداء جنسي، أما عن إثبات الجريمة بحد ذاتها.
إذا ما وقعت على الطفل، فهناك صعوبات كثيرة تواجه المحقق وعضو النيابة لإثبات صحة وقوع الجريمة، وأقوال الطفل في هذه الحالة تكون على سبيل الاستئناس ولا تعد دليلاً دامغاً في الإثبات، وفي بعض الأحيان يكون الإبلاغ من قبل الأهل له أهداف أخرى كمحاولة إلصاق التهم جزافاً بمن اعتدى عليهم بالقول مثلاً، وهو أمر يرجع إلى ثقافة الأسرة وسمعتها.
تحرش
حكايات واقعية ضحاياها أطفال
من حالات التحرش الجنسي بالأطفال، روى البعض حكايات حصلت في المجتمع، منها مر عليها سنين طويلة، وبعضها حدثت مؤخرا، ومما قاله لنا احد الأشخاص حول قضية حدثت منذ أكثر من 20 عاما.
عندما تعرض طفل لتحرش جنسي من قبل أحد جيرانه، وظل طيلة هذه السنين، وهو يشعر بمدى الاهانة التي تعرض لها في صغره من قبل جاره، وعندما كبر هذا الطفل وأصبح شابا قويا، أراد الانتقام لنفسه، فارتكب الزنا بزوجة وبنات الرجل، ومارس ذلك أمام الشخص نفسه، إلى جانب انه كان يقوم بضربه ضربا مبرحا، وكل ذلك انتقاما لما حدث له في صغره.
وحادثة أخرى وقعت لطفلة لم تتجاوز ال12 عاماً من عمرها، كتبت رسالة إلى والدتها، تطلب منها طرد رجل يعمل لدى الأسرة، وعندما استفسرت الأم من ابنتها، أخبرتها بأنه كان يتحرش بها جنسيا أكثر من مرة، فلم تتمالك الأم نفسها، وأسرعت بإبلاغ الشرطة، وقصة أخرى حيث اقترب بائع من طفلة وأخذ يتحسس أجزاءً من جسدها، وعند الوصول إلى المنزل كانت الطفلة ترتعد من الخوف، فصارحت والدتها بما حدث، وتم بالتالي إبلاغ الشرطة بالواقعة.
تشريع
يقول المحامي والمستشار القانوني يوسف الشريف: من وجهة نظري من الصعب اكتشاف جرائم التحرش بسهولة وذلك بسبب خوف الطفل من البوح بما حدث معه لأسرته، إذ يكون الاعتداء عادة مصحوباً بتهديد يخشى فيه الطفل على نفسه أو على أحد أفراد أسرته.
لذلك كان افتراض المشرع سن الرابعة عشرة كحد لاستيعاب الطفل مثل هذه الجريمة لوقوعه السهل تحت تأثير الإكراه بأنواعه أو الإغراء بأشكاله أو تردد الأسرة في الإبلاغ عما حدث لابنها خوفاً على سمعتها، لذلك يتعين علينا التصدي لتلك الجريمة، ومقاومتها بطرق عدة.
من أهمها نشر الوعي لدى الأطفال من مخاطرها لتجنبها، وعدم الاستسلام لمقترفيها وكذلك علاج الخلل الحادث في التركيبة السكانية، وتسهيل الحصول على سكن للعاملين بإيجارات معقولة ومقبولة.
حتى يتسنى للوافدين استقدام ذويهم لبناء مجتمع أسري متوازن، وكذلك يتعين الفصل بين مساكن مجتمع العمال وجعلها في أماكن بعيدة عن المناطق السكنية للأسر والعائلات.
دبي - جميل محسن
