يكتسب مؤتمر «الإيثار أعمال العطاء» الذي احتضنته كليات التقنية العليا بالشارقة أخيرا ضمن فعاليات الموزاييك السنوية لكليات الشارقة 2010، والذي يأتي هذا العام تحت شعار «روح العطاء»، يكتسب أهميته وتفرده من استقلالية مضمونه واتكائه على فكرة إنسانية محضة هي إيثار الغير، ويتأكد من خلال استضافة نخبة من الشخصيات المجتمعية الهامة تسيد الإيثار والأصالة باعتبارهما العنوان الأكبر للنجاح.
العطاء المهني
المشاركون في المؤتمر سلطوا الضوء على رؤية الشركات الكبرى المعاصرة تجاه جدلية فكرة العطاء المهني، وهل هي مجرد أداة تسويقية ؟ أم إرادة حقيقية لرد العطاء للمجتمع الدولي عامة، ويرتكز محور المؤتمر على فكرة الإيثار وروح العطاء.
من هذا المنطلق صعدت إلى منبر الحديث معالي الشيخة لبنى القاسمي، وزيرة التجارة الخارجية التي تحدثت بتلقائية شديدة كانت اقرب إلى حديث روح منه إلى خطاب رسمي، حكاية تروي إرادة الإنسان والمكان.
وخاطبت الحضور قائلة: «الإيثار لا يتعلق بالمال كما قد يعتقد البعض»، وضربت مثالا في سيرة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله الذي كان رمزا للإيثار والتضحية، مطالبة الحضور أن يكونوا ممتنين لله على النعم التي بين أيديهم مقارنة بآخرين يعيشون ظروفا حياتية صعبة، كما قالت إن الإيثار لا يعرف جنسا او دينا او عرقا فالحياة هي مسؤوليتنا ويجب أن نكون حريصين على مستقبل الأجيال المقبلة.
وأضافت انه من المهم جدا أن تقوم مؤسساتنا في الدولة سواء التعليمية ككليات التقنية العليا أو وزارة التجارة الخارجية بدورها لتوعية شرائح المجتمع وفئاته بأهمية العطاء، ورفع مستوى هذا الوعي لدى طلاب وطالبات الكليات والجامعات، الذين يعتبرون الشريحة الأهم لتوجيههم نحو التطوع وفهم القيمة الحقيقية له بما يساهم في نجاح وتقدم مجتمعاتهم ودولهم بشكل أكبر.
الشريك الأول
وحول دور وزارة التجارة الخارجية في هذا المجال أوضحت الوزيرة أن الإمارات تعد من أكثر الدول التي تقوم بالعمل الإنساني والتطوع .. وقالت: «نحن في الوزارة نعد الشريك الأول للمجتمع، وبالتالي نقوم بأدوار في التوجه نحو التوسع التجاري محليا وإقليميا وعالميا، إضافة لعمل الكثير لنساعد على خلق فرص عمل، وتوسيع تصدير المعرفة من دولة الإمارات إلي خارجها».
وتحدث طلال أبو غزالة رئيس الائتلاف العالمي لبعثة المعلومات والاتصالات والتنمية التابعة للأمم المتحدة، رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لمجموعة طلال أبو غزالة، والتي ينضوي تحت لوائها قرابة 2000 موظف من مختلف التخصصات والمهارات، يعملون في حوالي 70 مكتبا تتوزع في منطقة الشرق الأوسط و شمال افريقيا و آسيا وشمال أميركا، تحدث عن تجربته الخاصة متطرقا إلى سيرته الشخصية وان حياته تغيرت بفضل إيثار زميل له.
دوافع أخلاقية
وقال: السبب الحقيقي وراء وجودي هنا اليوم والتحدث إليكم، هو أنني كنت دائماً أؤمن بأن على الشركات الناجحة بسبب قوتها ورأسمالها وتأثيرها التزاما أخلاقيا لعمل الخير في العالم. ولذلك فإن رسالة مجموعة شركاتي، مؤسسة طلال أبو غزاله، كانت دائماً المساهمة في التنمية الاجتماعية الاقتصادية للعالم العربي.
كما أود أن أنوه أيضا إلى أن الواجب الأخلاقي لا يعني دائماً التضحية. لقد حققت شركتي نجاحاً أثناء سعيها الدؤوب لتحقيق رسالتنا.
وفي حالة مماثلة، فإن الشركات التي تلتزم بحماية البيئة في أنشطتها او حماية موظفيها او موظفي مقاوليها من سوء المعاملة، تجد أن السلوك الجيد غالباً ما يؤتي ثماره حتى لو لم يكن ذلك واضحاً دائماً في بنود الحسابات، ويكون الإنسان أخلاقيا فقط عندما يطيع نزعته إلى المساعدة في نواحي الحياة حيثما يكون قادراً على المساعدة، ويبتعد عن إيذاء أي شيء حي.
ولكن هناك تحذير تطرق إليه أبو غزاله قائلا: لا اعتقد أن المسؤولية الاجتماعية المؤسسية هي الحل لمشاكل عالمنا الاجتماعية والاقتصادية، بل إنها مجرد طريقة واحدة محدودة، إذا كانت إيجابية، لمعالجة هذه المشاكل.
كما أنها خطوة على الطريق نحو فهم جديد لدور المؤسسات في المجتمع، وهي طريقة تقود بلطف أولئك المؤيدين القدامى لاستقلالية المؤسسات عن المجتمع إلى فهم جديد وكامل لدور المؤسسات في المجتمع. وهذا في الحقيقة عملية جدلية للتصنيفات، أو التطور التركيبي بين النماذج الاقتصادية الشرقية والغربية.
حل المشاكل
ونقل أبو غزالة عن أبراهام لنكولن قوله: «عندما أقوم بعمل جيد، أشعر بالارتياح، وعندما أقوم بعملٍ سيء، أشعر بالاستياء، هذا هو ديني». لذلك فإن المسؤولية الاجتماعية الإيثارية للمؤسسات تشمل جميع الفلسفات والسياسات والإجراءات والأفعال التي تهدف إلى تعزيز رفاهية المجتمع وتحسين نوعية الحياة، وتتطلب ربط الكفاءات الأساسية لدى المؤسسات بالاحتياجات الاجتماعية واحتياجات المجتمع.
ولذلك فإن المسؤولية الاجتماعية الإيثارية تتجاوز الأخلاقيات إلى السعي لجعل العالم مكاناً أفضل للعيش عن طريق المساعدة في حل المشاكل الاجتماعية.
وبخلاف المسؤولية الاجتماعية الإستراتيجية حيث يُعتقد أن الأموال التي تبذل في أعمال الخير سوف تثمر عائداً على الاستثمار لمؤسسة الأعمال، ليس هذا هو الدافع في حالة المسؤولية الاجتماعية الإيثارية «رغم أن الشركة قد تحقق مكاسب جانبية».
وفي هذا الوقت، يجوز اعتبار الكثير من تلك الشركات التي تتبنى المسؤولية الاجتماعية بأنها تتصرف بإيثارية، وذلك بسبب أن المسؤولية الاجتماعية ليست مطلباً قانونياً، بل هي فكرة فلسفية والتزام اجتماعي ليس مطلوباً قانوناً.
ويشير بعض المنتقدين إلى أن عدداً قليلاً جداً من الشركات التي توقع على مبادرات المسؤولية الاجتماعية مثل الاتفاق العالمي للأمم المتحدة تتصرف بإيثارية حقيقية، وأنها تسعى فقط إلى استغلال مبادرات المسؤولية الاجتماعية لتحقيق أهداف تسويقية وعلاقات عامة ايجابية.
وقال أبو غزالة إن المسؤولية الاجتماعية اليوم، في رأيي، هي مسعى إيثاري لأنها شيء تطوعي غير إلزامي، وهي شيء يعترف بالصواب الأخلاقي للاهتمام برفاهية الآخرين في مجتمعاتنا والمجتمع العالمي ككل.
وأنني شخصياً اعتبر الإيثار لدى المؤسسات واجباً ومسؤولية، واعتقد أن الأنشطة التي تعكس المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص هي شكل من المواطنة الفاعلة. واستناداً إلى خبرتي كعضو نشط في مجتمع الأعمال أعتقد أن جهود المسؤولية الاجتماعية الإيثارية من المؤسسات قادرة على إحداث تغييرات نوعية فعالة في العالم العربي.
رد العطاء
وفي مقارنة لماريا سلبانا، مؤسسة ومديرة شركة سوستينا بلتي الاستشارية بين الشرق و الغرب ذكرت أن الشركات في الغرب تقوم بدورها الاجتماعي طواعيةً عدا أنه في الشرق تتبع الشركات المفاهيم الإسلامية الأصيلة إلا أنها لا تقدم الكثير للمجتمع.
وأوضحت أن الأمور آيلة للتغيير فعلى سبيل المثال الشركات المحلية بدولة الإمارات قامت بنشر تقارير حول المسؤولية الاجتماعية للشركات لمناقشة أنشطتها الخيرية لتطوير إستراتجيتها على ضوء التقارير المنشورة.
وأكدت أن هناك شواهد ملموسة تدعم تأسيسا فعليا لنماذج لأعمال العطاء موضحا أن دول منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تسير باتجاه رد العطاء للمجتمع من خلال تطويرها لنفسها في اتجاه مماثل لاقتصاديات الغرب من ناحية الاستراتجيات والأنشطة.
وأضافت: رغم أن مصطلح المسؤولية الاجتماعية في الغرب ما زال يعتبر في مرحلة المهد، فإنه يعتبر من الأساسيات في المجتمعات العربية نظراً لتأثير الدين الإسلامي الضارب في الجذور، والمؤكد لتبعات المسؤولية الشخصية تجاه المجتمع.
واستعرض الانتقادات التي يوجهها البعض بأن عددا قليلا جدا من الشركات التي توقع على مبادرات المسؤولية الاجتماعية مثل الاتفاق العالمي للأمم المتحدة تتصرف بإيثارية حقيقية وأنها تسعى فقط إلى استغلال مبادرات المسؤولية الاجتماعية لتحقيق أهداف تسويقية وعلاقات عامة إيجابية.
واختتم المؤتمر بمشاركة أيدا بيترويس مديرة إدارة التطوير بشركة بيبسي كولا العالمية لمنطقتي الشرق الأوسط وأفريقيا، والتي كانت لاعباً رئيساً في تركيز بيبسي كولا لتأسيس قيم ثقافية جديدة لإدارة أعمالها ..
كما أسهمت ممثلة لشركتها بالتكفل بنفقات الرحلات السنوية لطلبة وطالبات لبناء مساكن للفقراء حول العالم برعاية منظمة الموئل الإنساني
واجب ومسؤولية في المؤسسات
قال طلال أبو غزالة رئيس الائتلاف العالمي لبعثة المعلومات والاتصالات والتنمية التابعة للأمم المتحدة إن الإيثار المهني هو الاهتمام ـ غير الأناني ـ بالآخرين، بمعنى أن العطاء لتحقيق مكاسب ليس إيثاراً.
وأضاف أن إدارة الأعمال لها دور تجاه المجتمع وليس فقط كسب المال، حيث يتوجب ربط الأعمال الروتينية بدوافع أخلاقية.
وأضاف انه في السباق لتأمين الموارد العالمية المتضائلة من النفط والغاز والمعادن الخاصة والمواد الأخرى، قد تشكل الاهتمامات الأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية عوامل تسريع في بعض الأحيان.
وتصبح في أحيان أخرى حواجز على طريق نجاح الشركات والتنافسية الوطنية المتصلة بذلك على الساحة العالمية. وقال إنه شخصياً يعتبر الإيثار لدى المؤسسات واجباً ومسؤولية ويعتقد أن الأنشطة التي تعكس المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص هي شكل من المواطنة الفاعلة.
واستناداً إلى خبرته كعضو نشط في مجتمع الأعمال يرى أن جهود المسؤولية الاجتماعية الايثارية من المؤسسات قادرة على إحداث تغييرات نوعية فعالة في العالم العربي.
الشارقة - نورا الأمير
