تسببت سحب الرماد البركاني الهائلة التي لفظها بركان ايجا فجالا جوكول في أيسلندا، والتي تطفو فوق أوروبا الشمالية الآن، في إلغاء مئات الرحلات الجوية واحتجاز آلاف المسافرين في المطارات في أنحاء العالم. لكن هذا كله يبدو مجرد إزعاج ثانوي لا يكاد يذكر بالمقارنة مع الدمار التي أحدثته سحب بركانية مماثلة في الماضي.
هل يبدو هذا صعب التصديق؟ يكفي أن تعرف أنه عندما أنفجر بركان أيسلندي آخر، هو بركان لاكي، في صيف 1783، أطلق حوالي 120 مليون طن من ثاني أكسيد الكبريت السام إلى الهواء ـ أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الكمية التي أطلقتها جميع المصانع ومعامل الطاقة في أوروبا مجتمعة في 2006.
وفي ذلك الحين، دفعت الرياح بالسحابة السامة باتجاه أوروبا، حيث خنقت منطقة شاسعة تمتد من ساحل النرويج الشمالي إلى التخوم الجنوبية لإيطاليا.
حتى إن عالم الطبيعة الشهير في عصره جيلبيرت وايت، وثق مشاهدته للسماء التي تعج بالرماد في حينها حيث كتب «بدت الشمس في وقت الظهيرة مثل قمر شاحب تحجبه الغيوم، ينبعث عنه نور خافت مائل إلى لون احمرار الصدأ».
وفي ذلك العام المشؤوم، لم تقتصر أضرار سحابة الرماد البركاني على التسبب بعتمة السماء. فغاز ثاني أكسد الكبريت السام، عندما يتم استنشاقه، يتسبب بالتهاب الأنسجة الداخلية اللينة، ويؤدي إلى صعوبات في التنفس. ولذلك، شهدت كل المناطق التي مرت بها السحب ارتفاعاً حاداً مخيفاً في معدلات الوفيات بين السكان.
ويعتقد أن حوالي 23 ألف بريطاني، معظمهم من عمال المزارع الذين كانوا يكدحون على الساحل الشرقي الخصيب للبلد، لقوا حتفهم بسبب التسمم بغاز ثاني أكسيد الكبريت.
وظل بركان لاكي يحصد الأرواح على مدار عقد كامل بعد انفجاره. فانبعاثاته التي حجبت نور الشمس تسببت بسلسلة من فصول الصيف الباردة والشتاءات المتجمدة في انحاء أوروبا وروسيا وأميركا الشمالية. ونجم عن ذلك فشل المحاصيل الزراعية على نطاق هائل مما تسبب بالمجاعة والفقر وساهم، بحسب العديد من المؤرخين، في تأجيج الغضب الجماهيري العارم اللي تمخضت عنه الثورة الفرنسية في 1789.
وفي حادثة مروعة مماثلة ، شهد العالم مجاعة أخرى رافقت سحب الرماد البركاني التي انتشرت على امتداد الكرة الأرضية في أعقاب انفجار بركان ماونت بامبورا فيما يعرف الآن بأندونسيا. وأطلق ذلك البركان، الذي يعتبر أضخم بركان مسجل في تاريخ البشرية، حوالي 38 ميل مكعب من الرماد والحجارة إلى الجو، وبلغ قطر وفوهته 11 كيلومتر.
ولقد غيرت السحابة الناتجة المناخ العالمي بشكل كبير لدرجة أن 1816 كانت «سنة بلا صيف»، كما شاعت تسميتها. وفي شهر يونيو من ذلك الصيف، قضى عشرات الناس من البرد أو الجوع في نيو إنجلند وكندا، حيث راكمت العواصف الثلوج بسماكة قدم وأكثر على امتداد الساحل الشرقي.
وكان ذلك الصيف المتجد كفيلاً بإقناع الكثير من الأميركيين بالنزوح غرباً بحثاً عن مناخات أكثر ملاءة للحياة البشرية. وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، قضى نحو 200 ألف شخص في أوروبا الشرقية من الجوع وتفشي وباء التيفوئيد. وانتشرت أعمال الشغب والنهب على نطاق الواسع في مختلف المدن الأوروبية من لندن إلى برلين.
لكن إلى جانب كل هذه المصائب والمآسي، كان الرماد البركاني مصدر إلهام للعديد من الأعمال الفنية العظيمة، بما في ذلك قصيدة بعنوان «الظلام» للشاعر الإنجليزي الشهير لورد بايرون،.
والذي كتب فيها «رأيت حلماً، لم يكن حلماً، رأيت الشمس منطفئة والنجوم هائمة على وجهها في ظلمة الفضاء الأبدي.» كما ألهبت مشاهد البراكين أخيلة رسامين كبار من أمثال جيه دبليو تيرنر وإدوارد مانش، صاحب لوحة «الصرخة» الشهيرة التي استلهمها من منظر السماء النارية الذي أذهله لدى مشاهدة انفجار بركاني في كراكاتوا في 1883.
