حولت سحابة ضخمة من الرماد نجمت عن بركان آيسلندا في المنطقة الشمالية أوروبا إلى منطقة يحظر فيها السفر جواً، وتقطعت السبل بمئات الألوف من المسافرين بعد إصابة حركة الطيران بالشلل وسط توقعات باستمرار تلك الحالة فترة غير محددة.

واضطرت سلطات الطيران المدني في أوروبا ألاإلى إغلاق المجال الجوي في مساحة واسعة من القارة ألاتمتد من أيرلندا إلى أسكندنافيا، وذلك بسبب الرماد المتصاعد من البركان. أما في بريطانيا فأوقفت السلطات الرحلات الجوية ما عدا الطارئة منها، كما أغلقت فرنسا والنرويج، والسويد، وفنلندا، والدانمارك، وهولندا، وسويسرا مجالاتها الجوية، وسط توقعات بإجراء ألماني مشابه، وألغيت مئات الرحلات الجوية، ألاواضطرت الرحلات الجوية عبر الأطلسي إلى التحليق في طريق أطول إلى الجنوب لتجنب الرماد، مما تسبب في خسائر فادحة لشركات الطيران.

وهذه السحابة الضخمة من الرماد التي نجمت عن بركان يتعلق جزء كبير منها بأسباب بيئية، للتعرف على هذه الأسباب التقت «البيان» أ. د. زين العابدين رزق عميد معهد البيئة والمياه والطاقة في شبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا وكان هذا الحوار:

لماذا تثور البراكين؟ ومن أي عمق تأتي؟

الأرض كوكب ديناميكي بطبيعته، وترجع تلك الديناميكية لعدم انتظام توزيع الطاقة وتوزيع الكتلة، ولهذا الخلل يبقى الكوكب حيوياً نشيطاً، حيث يصاحب انتقال الحمم الساخنة في باطن الأرض ثوران البركين، كما تمثل الزلازل تحرراً للطاقة.

تأتي الحمم التي تشكل البراكين من أعماق متفاوتة، وإن كان أبرزها منطقتين محددتين في باطن الأرض:

الأولى تمتد من 100 إلى 300 كيلومتر وتعد المصدر الرئيسي للحمم البركانية التي نراها على سطح الأرض أو في قاع المحيطات، وهذه المنطقة يطلق عليها «إسم الأسثينوسفير».

وهي تلي الغلاف الصخري (اليثوسفير) الذي يمثل قشرة الأرض، بالإضافة إلى الجزء الأعلى بمنطقة طبقة الوشاح. والأسثينوسفير ساخنة، وتسبب درجات الحرارة والضغط السائدين بها انصهارها الجزئي في أماكن معينة، وبالتالي تكون الحمم.

أما المنطقة الثانية التي ينتج عندها الحمم تقع على عمق 3000 متر في باطن الأرض عند الحد الفاصل بين وشاح الأرض السفلي ولبها العلوي الذي يوجد في حالة انصهار، ويتضح هذا من دراسة الموجات الزلزالية.

هل هناك ارتباط بين حدوث الزلازل وحدوث البراكين؟ وهل تتوزع البراكين والزلازل عشوائياً على سطح الأرض أم أن هناك نمطاً معيناً يربطها؟

ليس هناك ثوران بركاني دون نشاط زلزالي، فالهزات الزلزالية تسبق وتصاحب وتلي ثورات البراكين، وبركان أيسلندا الأخير بدأ ينشط زلزالياً منذ عام 1990 أي منذ عشرين عاماً إلى أن ثار منتصف الشهر الحالي.

البراكين والزلازل لا تتوزع عشوائياً على سطح الأرض ولكنها ترتبط بما يعرف بحواف الصفائح التكتونية، وهذه الصفائح تتحرك بصورة دائمة بالنسبة لبعضها البعض، وهناك ثلاثة أنواع من الحركة، تباعد أو تقابل أو تماس ويصاحبها جميعاً حدوث الزلازل.

ويصاحب التباعد والتقابل منها حدوث البراكين، فمثلاً بركان أيسلندا الأخير يرتبط بحركة صفيحتين تكتونيتين بعدا عن بعضهما.

هل من شواهد يمكن عن طريقها التنبؤ بقرب ثوران البركان؟ وهل من شواهد تدل على قرب نهاية نشاط البركان؟

نعم، يسبق ثوران البركان تمدد فوهته وانبعاج سطحها الذي يصاحب تجمع الحمم، كما يزيد النشاط الزلزالي بشكل كبير.

أما الوقت الدقيق الساعة أو اليوم المحدد لحدوث ثوران البراكين فمازال صعب التحديد، لا سيما أن بركان أيسلندا الأخير بدأ يظهر نشاطاً زلزالياً منذ عام 1990.

لماذا شلت ثورة بركان إيسلندا حركة الطائرات في مجمل القارة الأوروبية وألغت آلاف الرحلات؟ وما هي مخاطر الطيران في المناطق التي تشهد نشاطاً بركانياً؟

السحب البركانية الضخمة قد تعطل محركات الطائرات وتضر بجسمها، فجسيمات الرماد البركاني المتناهية الصغر تتسبب في إتلاف المحركات عندما تدخل الفراغات الموجودة داخل المحركات وهي تدور فتشل حركتها، مما قد يتسبب في كوارث حقيقية.

وبمجرد أن ينفذ الغبار إلى داخل محرك الطائرة، يكون من شبه المستحيل إزالته لدقته المتناهية، ولا يمكن لأي قدر من الغسيل أن يزيل كل جزيئاته، وعليه فإنه يمكن أن يلوث أنظمة الترشيح والوحدات الكهربائية والالكترونية للطائرة، كما أن حمض كبريتك الذي يتكون في الغلاف الجوي بمصاحبة هذا الغبار يساعد في إتلاف الأجزاء المطاطية بالطائرة.

والرماد البركاني يغطي الزجاج الأمامي لكابينة القيادة تماماً، ويصيب جسم الطائرة بالضرر ويحجب ضوءها، بل قد يتراكم على ذيل الطائرة وأجنحتها ما يسبب خلل توازنها، والمشكلة الكبيرة تتمثل في أن السحابة الناجمة عن بركان أيسلندا ألاوصلت ارتفاعات تراوحت ألابينألا6 إلى 11 كلم في الغلاف الجوي للأرض، وهذا الارتفاع الأخير هو بالتحديد مجال الارتفاع الذي يتعين على الأغلبية العظمى من طائرات أن تحلق فيه.

هل يمكننا الآن القول ان الخطر الأكبر قد مر مع قرب هدوء البركان؟ أم أن هناك مفاجآت قد تحدث في الأيام والأشهر المقبلة؟

في الحقيقة لا يمكن التأكد من ذلك، لأن أيسلندا تترقب ثورة بركان آخر، ربما يكون أكثر فتكاً من البركان الحالي، وقد تكون أضرار ثورة البركان المتوقع أكبر بكثير مما هو الحال عليه اليوم.

التأثير على الإنسان

هل من مخاطر لثوران البراكين على الإنسان والحيوان والبيئة؟

ثورة بركان أيسلندا التي شلت حركة الملاحة الجوية في جزء كبير من أوروبا قد تضر أيضا الاشخاص الذين يعانون من مشكلات في التنفس في استنشاق الرماد البركاني الذي يشكل خطراً على الرئتين، فهذه الجزيئات الصغيرة عند استنشاقها يمكن أن تصل إلى المناطق المحيطة من القصيبات التنفسية والرئتين.

ويمكن أن تسبب مشكلات خاصة للأشخاص الذين يعانون من الربو أو من مشكلات بالجهاز التنفسي، لكن هذا التأثير ضعيف، لأن جزءاً كبيراً من الغبار البركاني يتشتت بفعل الرياح مما يعني أن الكمية التي تصل الى الارض صغيرة للغاية.

كما أن السحب البركانية لا تزال عالقة على ارتفاعات كبيرة في الغلاف الجوي وأن الجزيئات لم تبدأ في الترسب على الارض، وعندما تترسب يجب الحذر، لأنها يمكن أن تزيد المخاطر الصحية وينبغي أن يبقى الاشخاص الذين يعانون مشكلات تنفسية في أماكن مغلقة أو أن يرتدوا أقنعة واقية إذا اضطروا للخروج كما هو الحال في أي حالة تلوث جوي أخرى.

التأثير على الثروة الحيوانية

أعلن المزارعون فى جنوب أيسلندا عن تضررهم الشديد من غبار البركان السام الذى أثر على حيواناتهم بشكل كبير، فالرماد البركاني يصدر سم الفولوريد الذى إذا ابتلعته الحيوانات أو استنشقته يسبب لها نزيفاً داخلياً على المدى الطويل، مما يضر بالعظام ويسبب فقدان الأسنان وقد تموت بعد فترة قليلة.

لذا فقد حاول المزارعون أن يأخذوا الأغنام والأبقار والخيول لمكان آخر يصلح كمأوى لها، بسبب سحابة الرماد التي تنتشر في المناطق القريبة من البركان.

وللغبار البركاني أثر أيضاً على حركة الطيور مثل طير الأوز الذى يواجه صعوبة في الطيران حيث إن وزنه يزيد بعد نزول الرماد على أجنحته.

التأثير على البيئة

يزعم بعض العلماء أن جميع ما يحدثه الإنسان من تأثير على مناخ الأرض كطبقة الأوزون وظاهرة البيت الزجاجي والسحب السوداء يقلل بكثير تأثير العوامل الطبيعية والتي من بينها النشاط البركاني.

فحرارة الشمس الشديدة على ارتفاع 12 كيلومتراً تسبب تكون طبقة الأوزون عن طريق تكسير أيون الأكسجين إلى ذرات أكسجين نشطة سرعان ما تتحد مع جزيئات أكسجين أخرى لتكون جزيئات غاز الأوزون الذي يقوم بدوره بامتصاص الأشعة فوق البنفسجية، هذه العملية تحافظ على طبقة توازن وبقاء طبقة الأوزون ثابتة عبر تاريخ الأرض، وحديثاً تم اكتشاف ثقب في طبقة الأوزون فوق القارة المتجمدة الجنوبية ربما بسبب مركبات الفلورو كلرورو كربونات التي يستخدمها الإنسان قد أثرت على التوازن الطبيعي لطبقة الأوزون.

تسبب ثقب الأوزون في اختراق أكبر للأشعة فوق البنفسجية للغلاف الجوي ووصولها سطح الأرض وتأثيرها الضار على الحياة لتدميرنا خلايا الحمض النووي.

لا شك أن حمض الهيدروكلوريك له تأثير مدمر على طبقة الأوزون إلا أن معظم الحمض الناتج عن النشاط البركاني يظل حبيساً في طبقة التروبوسفير حيث تمحوه مياه المطر ولذا فإنه لا يتفاعل مع الأوزون إلا في حالات نادرة.

ب. ظاهرة البيت الزجاجي

بعض الغازات، يطلق عليها غازات البيت الزجاجي، مثل بخار الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان تسمح لموجات الإشعاع الشمسي القصيرة (الطيف المرئي والأشعة فوق البنفسجية) بالنفاذ عبر الغلاف الجوي السفلي والوصول إلى سطح الأرض، بينما تقوم الغازات نفسها بامتصاص موجات الإشعاع الشمسي الطويلة (الأشعة تحت الحمراء) التي تمثل الطاقة التي تشعها الأرض مرة أخرى نحو الغلاف الجوي.

ويتسبب احتباس تلك الموجات بواسطة غازات البيت الزجاجي بـ -ظاهرة الاحتباس الحراري- وارتفاع حرارة الأرض.

وعلى رغم من أن النشاط البركاني يضيف 110 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً بينما تساهم المصادر الأخرى بحوالي 10 مليارات طن سنوياً، علاوة على أن الاحتباس الحراري الذي يسببه النشاط البركاني يقابله تبريد الأرض الناتج عن نفس النشاط بواسطة الجزيئات التي تقذفها البراكين في طبقة الاستراتوسفير.

ج. ظاهرة الضباب والسحب السوداء

المواد العالقة مثل الغبار والتراب يمكنها حجب ضوء الشمس مسببة نقص الإشعاع الشمسي وخفض درجة حرارة الأرض وظاهرة الشفق الأحمر الناتج عن وجود حبيبات متناهية الصفر في غلافي الاستراتوسفير والتروبوسفير.

كما أن الثورات البركانية تساهم في تكوين الضباب أكثر من ظاهرة البيت الزجاجي، وبالتالي تسهم في خفض درجة حرارة الأرض، وتسبب ثوران بركان سانت هيلانة بالولايات المتحدة عام 1980م في خفض درجة حرارة الأرض 1, 0-. .