تتسع الفجوة يوماً بعد يوم بين الأمهات وبناتهن في الزمن الحاضر بسبب غياب الحوار وانعدام التفاهم، ولعل عدم قدرة الأمهات على استيعاب المتغيرات الحياتية التي أثرت على أساليب التربية التقليدية، وافتقادهن لأسلوب الحياد في مناقشة المشكلات التي تواجه بناتهن بما يمكنهن من حمايتهن بشكل خفي، كل هذا أوجد تنافراً واضحاً.
وزاد من فجوة الاختلاف، وشجع الشابات على البحث عن أمهات بديلات يستطعن التحدث معهن بلغتهن.. ترى هل توجد بالفعل فجوة بين تفكير الأمهات والبنات؟ وما أوجه الشبه بين البنت ووالدتها؟ وهل تصبح البنت نسخة مصغرة عن والدتها؟ وهل يتماشى المثل الذي يقول «اقلب القدرة على فمها، تطلع البنت لأمها» مع بنات هذا الجيل؟ شخصيتي تميزنيمن وجهة نظرها قالت خديجة سالم - طالبة جامعية: تكاد تكون أوجه الشبه معدومة بيني وبين والدتي، فأنا أعترف أنني مترددة وصاحبة شخصية ضعيفة، أما أمي فهي إنسانة قيادية وشخصيتها قوية.
ولا تتراجع عن أي قرار تتخذه حتى ولو كانت مخطئة، وعلى الرغم من إعجابي الكبير بصفاتها تلك، إلا أنني لا أستطيع أن أكون مثلها، وأرى أن شخصيتي هذه تميزني عن بقية إخوتي الذين يشبهون والدتي إلى حد كبير في طباعها، وطريقة تفكيرها.
وعن مدى قربها من والدتها قالت خديجة: قربي من والدتي الذكية والمثقفة، لا يعني أن أكون نسخة مصغرة عنها، فأنا منفتحة على العالم مثلها، ولدي أسلوبي الخاص الذي يعجبني.
حلقة وصل
في حين أكدت خلود عبيد - طالبة جامعية- انها تشبه والدتها في كل شيء وقالت: أشبه والدتي إلى حد كبير في الشكل، والسلوك، وقوة الشخصية، كما أن طريقتنا في التعبير عن حالتي الفرح والحزن تكاد تكون واحدة. وأكدت خلود أنها الأقرب إلى والدتها في المنزل .
وقالت: أخبر والدتي بكل أسراري، وأطلعها على كل شاردة وواردة، حتى أجذبها إلى عالمي الخاص، وأصنع حلقة وصل بيننا، وأعتقد أن توددي إلى والدتي وقربي منها جعلها أكثر حرصاً على متابعة البرامج الاجتماعية الهادفة، حتى تستفيد من وجهات نظر الخبراء، وتقترب مني قدر الإمكان.
لغة خاصة
وقالت ميثة علي - طالبة جامعية- التي تعلمت من والدتها كيفية تحمل المسؤوليات، ومواجهة تحديات الحياة، وورثت عن والدها طيبة القلب الزائدة: من الصعب أن أفكر بالطريقة نفسها التي تفكر بها أمي، فجيلنا يحتاج لمن يقترب منه ويحدثه بلغته الخاصة، لذلك أفضل إخبار صديقتي المقربة مني عن أسراري، ومشكلاتي، وهمومي.
وقالت ميثة عن الاختلافات بينها وبين والدتها: والدتي حازمة في اتخاذ قراراتها، وخبرتها الكبيرة في الحياة، كونت لديها آراء ثابتة لا تتغير.
وأنا أبذل مجهوداً كبيراً حتى أقنعها بأفكاري، حيث أضطر إلى طرح العديد من المقدمات حتى أوصل لها وجهة نظري من خلال الزوايا التي أراها. ولا تتمنى ميثة أن تصبح شخصيتها مثل شخصية والدتها في يوم من الأيام وقالت: لدى كل إنسان عيوب معينة، ومع احترامي الكبير لأمي، إلا أنني معجبة جداً بشخصيتي.
مواكبة التطور
أما آمنة مبارك - طالبة جامعية- فقالت: «اقلب القدرة على فمها، تطلع البنت لأمها»، مثل لا ينطبق على بنات اليوم، اللائي يحرصن على مواكبة التطور في جميع مجالات الحياة، ولعل اختلاف طريقة التفكير، وتمسك أمهاتنا بآرائهن، جعلنا مختلفات عنهن لدرجة كبيرة، كما خلق فجوة كبيرة بيننا، فأمي لا تعترف بوجهة نظري مطلقاً، وخوفها الزائد علي يربكني كثيراً.
ولا تشبه آمنة والدتها إلا في طيبتها وقالت: من يتعامل معي ومع والدتي يجدنا طيبتين ومتشابهتين إلى حد كبير، مع أنها لم تكن قريبة مني في فترة طفولتي، حيث أشرفت شقيقتي على رعايتي وكانت إلى جانبي، وبالنسبة لي فأنا أعدها والدتي الحقيقية.
تفاهم مفقود
ونفت سهيلة سالم - طالبة جامعية- وجود أي حلقة وصل بينها وبين والدتها وقالت: تتبع والدتي أسلوب الهجوم أثناء حديثها، كما أنها تنتقد تصرفاتي، ووجهات نظري، بشكل يهدم معنوياتي، ولا تخجل من تصغير شأني أمام صديقاتها بحجة المزاح. وعن ردود أفعال سهيلة تجاه تصرفات والدتها قالت: أحاول تجنب إظهار الغضب، لأن برها واجب في النهاية.
كما أنني أحرص على عدم مناقشتها في أي أمر يخصني، وبصراحة لا أتمنى أن أصبح مثلها في المستقبل حتى لا أجرح إحساس ابنتي كل ساعة.
شقيقتان ولكن
وقالت سارة أهلي - طالبة جامعية: أشبه والدتي في الشكل وهذا يسعدني لأن والدتي جميلة، وعن مدى تقارب طباعنا وتصرفاتنا، فأظن أنه لا يجمعنا إلا حب الهدوء، أما بالنسبة لطريقة التفكير فهي مختلفة تماماً.
وذلك بسبب تطور الحياة، فالبنت في السابق لم تكن تخرج من البيت إلا لزيارة أقاربها وتكون برفقة والدتها، كما أن فرصة التعليم لم تكن متاحة أمامها، أما اليوم فالبنت تسافر لتكمل دراساتها العليا، وتستطيع أن تذهب إلى الجامعة.
وأن تخرج مع صديقاتها، كما أنها تدير مناصب مهمة، وهذا لا شك قد ساهم في توسيع آفاق تفكيرها وجعلها تخرج من الإطار الاجتماعي والفكري الضيق الذي عاشت فيه أمهاتنا. وأشارت سارة إلى نقطة مهمة وقالت: في السابق كانت الظروف المحيطة بالأم وابنتها واحدة، أما اليوم فلكل واحدة حياتها واهتماماتها.
واعترفت شقيقتها مريم أهلي - طالبة جامعية- أن هناك اختلافاً كبيراً بينها وبين والدتها وقالت: كل إنسان لديه عيوب ومميزات، ووالدتي عصبية جداً ولا يمكن التفاهم معها، أما أنا فأستطيع التفاهم أثناء حالة الغضب، كما أنني لا أشبهها بشيء، ومن يقارن بيني وبين شقيقتي سارة، سيجد أن طباع سارة قريبة جداً إلى طباع والدتي، على الرغم من الفوارق الكثيرة بينهما.
وأضافت مريم: كانت البنت في السابق قريبة من والدتها، بسبب فترة جلوسهما الطويلة في البيت معاً، حيث تتعلم من والدتها فنون الطبخ، وكيفية تدبير المنزل، كما تتشرب منها طباعها، وأسلوبها في التفكير والحديث، أما اليوم فالأمر مختلف، وبالنسبة لي فأنا أتعلم من الحياة، والبيئة التي تحيطني، والأشخاص الذين أتعامل معهم والذين ينتمون إلى جنسيات متعددة، وأبني شخصيتي بعيداً عن خبرة أمي في الحياة.
تشابه وانسجام
وقالت إحسان ناصر - موظفة: لا أجلس مع والدتي لساعات طويلة في المنزل، كما أننا لا نخرج مع بعضنا كثيراً، ومع هذا أشعر أنني أشبهها بكل شيء، فعندما أبدي رأيي بموضوع معين يشعر والدي أنه أمام أمي، كما أن إخوتي لا يستطيعون التفريق بين الطعام الذي أعده والذي تعده والدتي.
أما نجلاء وهي أم لثلاث بنات فقالت: بنات هذا الجيل قادرات على إدارة أمورهن من دون الحاجة إلى الرجوع إلى أمهاتهن، كما أنهن يفضلن الاستعانة بمواقع الانترنت، وصديقاتهن، على سؤال أمهاتهن، على عكس جيلنا، حيث أذكر أنني كنت أستشير والدتي بكل شيء يخصني.
وأبدت نجلاء حزنها على حال بنات هذا الجيل وقالت: لو كانت كل بنت من بنات اليوم تشبه والدتها بنسبة 1%، لما ظهرت «البويات»، ولما تم طلاق معظمهن بسبب عدم قدرتهن على تدبير أمور المنزل.
البحث عن الأم الصديقة
تفتقد معظم الشابات اليوم إلى الأم الصديقة التي تتقن فن الإصغاء والاستماع، وتحاول مواكبة تطور الحياة الدسم والسريع، وتبتعد عن مقارنة تصرفاتها وأسلوبها في معالجة الأمور بتصرفات ابنتها وطريقة تفكيرها، فالشابة المراهقة لا تحتاج لمن يلومها باستمرار.
ويكشف عيوبها بأسلوب جارح، أو يناديها بألقاب سخيفة سطحية، أو حتى يجبرها على فعل شيء لا تقتنع به، بل هي في أمس الحاجة إلى أم تصادقها، تدخل إلى أعماقها، تقرأ أفكارها، وتشجعها على البوح بأسرارها لها.
كذلك لا بد أن تتغلب الأمهات على فارق العمر مع بناتهن، حتى لا تتفاقم المشكلة وتتسع الفجوة، وحتى يكسبن ودهن، ويعلمنهن كيفية التعامل بمنطق وعقلانية مع بناتهن في المستقبل، فمن تحرص على تطوير نفسها وثقافتها، تنال احترام أبناءها وثقتهم، فيتلمسون منها المشورة والنصح في كل أمر يخصهم.
ولا بد أيضا أن تحاول الشابات التقرب من أمهاتهن شيئا فشيئا، وأن يحاولن مصادقتهن وإشراكهن في مناقشة أي موضوع يتعلق بدراستهن، أو صديقاتهن، أو مظهرهن، أو أنشطتهن اليومية، حتى تتعرف الأم أكثر على الأشياء التي تفضلها ابنتها، والأشياء التي تزعجها، فذلك يسهم في تقليل حدة التوتر العلاقة بينهن.
دبي - ريما عبدالفتاح

