عندما حازت المؤرخة البريطانية بشؤون الأديان كارين أرمسترونغ، جائزة (تيد) البالغة قيمتها النقدية مئة ألف دولار، لم تنفقها على شؤونها الخاصة بل أسست بها مؤسسة (ميثاق التراحم)، التي تدعو من خلالها الجميع إلى احترام جوهر الدين، وهو إحلال السلام والابتعاد عن العنف والحروب.

كتبت أرمسترونغ (الراهبة الكاثوليكية السابقة) 22 كتاباً في مقارنة الأديان وعن الإسلام، تميز كتابها الهام (تاريخ الله) الذي يعتبر وصفاً مشوقاً وواسع المعرفة عن تطور الإيمان في الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية على مر أكثر من أربعة آلاف عام من التاريخ البشري. وكذلك كتابها عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، باعت منه ملايين النسخ منذ صدوره عام 1996.كارين زارت الإمارات مؤخراً حيث ألقت محاضرة في جامعتي الشارقة وأميركية الشارقة، وحظيت باهتمام وتقدير من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى للاتحاد حاكم الشارقة.«البيان» التقت بها في الشارقة، وطرحت عليها هذه الأسئلة:لماذا أنت في الإمارات؟

أعتقد أن الإمارات تختلف عن بقية بلدان الشرق الأوسط، وخاصة دبي التي لا تقتصر على الاقتصاد كما عُرفت به، بل هي كوكب يشع على الشرق الأوسط بمعماره وثقافته وعالميته وبكل معاني الثقافة والتحضر وعراقة التقاليد.كيف انتقلت من مدرّسة تقليدية إلى مؤلفة مختصة بتاريخ الأديان؟درست في بادئ الأمر الأدب الانجليزي لكنني فشلت في أن أصبح مدرّسة.ولم أكن أفكر بالكتابة عن الأديان إلا في عام 1982 عندما زرت القدس وساهمت في برنامج تلفزيوني عن المسيحية، وبدأت أفهم العلاقة الموجودة بين الأديان الثلاثة في هذه البقعة من العالم. ومن هناك بدأت مؤلفاتي عن الإسلام تأخذ طريقها إلى النشر.معالجتك للإسلام أثارت جدلاً واسعاً في الغرب، ما هو السبب؟طلبت مني مجلة (نيويوركر) أن أكتب مقالة عن الإسلام أثناء تواجدي في أميركا لكن المقالة أُجهضت واستبدلت بنشر مقالة للأكاديمي برنارد لويس في اليوم التالي.لأنهم كانوا يعتقدون بأنني أقدم المبررات والاعتذارات للمسلمين لأنني طرحت شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كرجل سلام، وهذا ما لم يكن يوافق أجندتهم السياسية كما كانت مقالة لويس الذي يكتب من موقع متطرف.ولكن الناس في الغرب بحاجة ليعرفوا أن الإسلام دين كوني، وليس فيه أي توجه عنيف ومعاد للغرب. عكس ما يروج لويس عن أن الإسلام دين ورث العنف!

أصوليات

لماذا اخترت التركيز على الأصولية في الأديان السماوية الثلاثة؟

الأصولية انبثقت في جميع الأديان الكبرى، وحتى في الديانة البوذية التي تتمثل ب(السيخ) وكذلك الأصولية الهندية والأصولية الكونفوشوسية. والأصولية الأولى ظهرت في الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين، وهم الأميركان البروتستانت، وكانوا أول من استخدم الدين لأغراض سياسية.

بينما مارست الأصولية في اليهودية والإسلام طرقا حديثة. وقبل أن نحاول فهم الأصولية في ثقافة الآخر، علينا أن نتعلم لماذا وكيف ظهرت الأصولية في مجتمعاتنا الغربية.

هل يمكن أن تفسريها لنا؟

الأصولية انتشرت في جميع الأديان الكبرى في القرن العشرين، إنها مجرد رد فعل ورفض للمجتمع الغربي الحديث. وكل حركة أصولية من هذه الحركات انبثقت بشكل مستقل، وأحد أهم مظاهرها أنها غير مفهومة للقوى الليبرالية. وعنف الأصولية نابع من الخوف العميق على كيانهم وديمومتهم.

تؤكدين في معظم كتبك أن الحضارة الغربية أثرت في العالم أجمع، ما هي المرحلة المهمة التي أثرت بها في الثقافات الأخرى؟

من المعروف أن المجتمع الغربي غيّر وجه العالم من خلال تقديم نمط جديد من الحضارة التي تعتمد على الفائض في الإنتاج الزراعي وكذلك التكنولوجيا. وهذه الحضارة اعتمدت على العقلانية الامبريالية والعلمية، ولم تتأثر بالقيم الميثولوجية والروحية والدينية.

وقد استغرقت كل من أوروبا والولايات المتحدة نحو ثلاثمئة عام لكي تطورا حضارتهما. وهي عملية معقدة، في جميع الحقول والجبهات، ولكنها لم تنضج إلا في القرن التاسع عشر.

هل تغيرت نظرة الغرب إلى العالم العربي والإسلامي بعد أحداث ال11 من سبتمبر 2001؟

بالتأكيد، هناك تغيير كبير، لقد كنت في الولايات المتحدة خلال أحداث ال11 من سبتمبر وكان من الصعب أن تعثر على نسخة من القرآن نتيجة الإقبال الكبير على اقتنائه. فقد انهالوا على المكتبات من أجل اقتنائه لأنهم كانوا يريدون أن يتعرفوا الى الإسلام. كنت حينها في جامعة هارفرد.

ولم تكن المجلات تنشر الكثير من الموضوعات عن الإسلام حتى ان مجلة شهيرة مثل (جي. كيو) لم تنشر سوى خمس كلمات عن الإسلام على صفحاتها الأولى.

وعندما ألقيت محاضرة عن الإسلام في نيويورك، حضرها الجمهور بعد أن قطع نحو 20 ميلاً لمتابعة المحاضرة. وفي تلك المحاضرة قلت أشياء جريئة وقاسية عن أميركا وسياستها لكن الجمهور تقبلها بكل رحابة صدر. وفي الجهة الأخرى هناك البعض الذي لا يريد معرفة الإسلام.

وقد حاز كتابي (الإسلام تاريخ مختصر) على اهتمام كبير حتى ان الكونغرس الأميركي وزعه من أجل معرفة المزيد عن الإسلام، كما دُعيت إلى الكونغرس لأتحدث عن الإسلام بينما لم يطلب مني توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا أن أقوم بعمل مماثل في البرلمان البريطاني، لكن الأميركيين كانوا أكثر انفتاحاً من الأوروبيين ويفهمون الإسلام على أساس انه دين مستقل، بينما يفهمه الأوروبيون من خلال السياسة.

كوارث

بما أنك كنت في نيويورك أثناء أحداث ال11 من سبتمبر، هل يمكن أن تصفي لنا الحالة النفسية والاجتماعية آنذاك؟

مما لا شك فيه، أن أحداث ال11 من سبتمبر صعقت الأميركيين لأنها وقعت في عقر دارهم بينما اعتادوا أن تكون حروبهم بعيدة عنهم مثل ما حدث في فيتنام فيما مضى أو العراق أو أفغانستان في الوقت الحالي. ويعتبر الأميركيون أنفسهم طيبين لذلك يتساءلون لماذا تحدث لنا هذه الكوارث؟

كانت رائحة الأجساد المحروقة تنتشر في المكان حيث قام البعض بنقل الأجساد المحروقة إلى كنيسة جورج واشنطن لتلاوة الصلاة عليها. وهناك من قام بوضع صور القتلى على الجدران وأكسوها بالزهور، بيما كان البعض يصرخ (نحن رأينا ما حدث، دعنا نقتل الأوغاد).

كتابك (الإيمان بعد أحداث ال11 من سبتمبر) يشير إلى ذلك بكل وضوح؟

أجل لقد اختلفت المصائر، بعض الناس أصبحوا أكثر تطرفاً والبعض الآخر أكثر عقلانية. لكننا اكتشفنا بأننا بشر موحدون على هذه الأرض. ما يحدث في العراق وأفغانستان له آثار قاسية في الناس في انكلترا وأميركا.

ولكن هل هناك ما يُبرر مسوغات الحروب التي تلت بعد تلك الأحداث؟

كما هو معلوم، فقد استخدم كل من جورج بوش وتوني بلير تلك الأحداث ذريعة للذهاب إلى الحرب. فقد كان للانكليز اثر كبير في إشعال الحرب على العراق إذ بدونهم كان من الصعب على الأميركيين تنفيذها.

لم يكن هناك أيّ مبرر لهذه الحرب التي أثبتت الحقائق مسوغاتها المزيفة والخاطئة والمبنية على الخديعة.

وماذا عن زيارتك إلى إسرائيل حيث بعثتك القناة التلفزيونية البريطانية من أجل تصوير فيلم وثائقي ديني؟

صعقت تماماً، لأن الإسرائيليين يطلقون عبارات مثل (العرب القذرون) تماما كما كان الأوروبيون قبل ثلاثين أو أربعين سنة يطلقون تسمية (اليهود القذرون). ولكن على الشعب اليهودي أن يتعلم من دروس الماضي القاسية، ولا يبقى أسيراً لأهوال النازية.

الاضطهاد

هل تحملين الغرب مسؤولية الغرب في احتلال فلسطين؟

أعتقد أن الغرب مسؤول عما يحصل في الشرق الأوسط. لو لم يضطهد الغرب اليهود في وقتها، لم يكن هناك حاجة لتأسيس دولة إسرائيل.

ولم يفعل العالم الإسلامي شيئاً ضد اليهود. وها هم الفلسطينيون يدفعون ثمن أخطاء أوروبا. لذلك يجب البحث عن الحلول لأن السلام سيبقى ناقصاً في العالم. وما دامت أميركا تقف وراء إسرائيل وتدعمها، فلا تهتم هي لبقية العالم.

إسرائيل تفعل ما تشاء وخاصة في بناء المستوطنات في الضفة ورام الله لأن أميركا تدعمهم بدون قيد أو شرط. لذلك فإن المقاومة ستكون عنيفة وبدون رحمة على شاكلة الاحتلال. وكل احتلال يجترح شكل المقاومة ضده.

أعتقد أن الاستشهاديين الفلسطينيين ظاهرة نابعة من السياسة واليأس ولا علاقة لها بالدين الإسلامي. العنف يوّلد العنف، والاحتلال بحد ذاته، هو العنف والهيمنة والاضطهاد.

ما هي المخاطر التي تشكلها الحداثة في الوقت الحاضر؟

ظهرت المخاوف مع ظهور الحداثة، وأصبح الحلم القديم لعصر التنوير أكثر تحملاً وتحضراً. وأثبتت أهوال القرن العشرين من خلال المقابر الجماعية في كوسوفو.

ووصلت الحداثة ذروتها في الولايات المتحدة، وأصبحت كاملة، حيث يتمتع الناس بمستوى معيشي عال مع توفر الحرية الواسعة. فالأمة هي الأقوى والأنجح في العالم. ويعتبر عشرة بالمئة من الأميركيين أنفسهم (أصوليين).

ما رأيك بالقوالب الجاهزة التي ينظر بها الغرب إلى العالم العربي؟

للأسف الشديد، لا تزال القوالب الجاهزة التي تعود جذورها إلى زمن الحروب الصليبية تسيطر على أذهان بعض الغربيين.

ومن القوالب الجاهزة أيضاً أن الجمهور الانجليزي قرأ كتاب سلمان رشدي (آيات شيطانية) من دون أن يقرأ شيئاً عن حياة الرسول محمد «ص». ولو كان القارئ الانجليزي مسلحاً بالمعلومات الكافية لما انطلت عليه هذه الخديعة.

أرمسترونغ في سطور

ولدت في 14 من نوفمبر عام 1944 في ايرلندا. درست في كلية القديسة آني، في أكسفورد. وبعد أن أنهت دراستها الجامعة، قدمت أطروحة دكتوراه في الفلسفة عن الشاعر تينيسن لكنها فشلت في الامتحان.

في عام 1976، أصبحت أستاذة اللغة الانجليزية لكنها سرعان ما غادرت هذه المهنة في عام 1982. أرسلتها القناة الانجليزية الرابعة إلى إسرائيل لانجاز فيلم وثائقي ديني. وهناك تولدت لديها فكرة دراسة الأديان المقارنة.

وحديثها عن الإسلام جعلها تظهر كمتحدثة شعبية في أوروبا وأميركا. كرّمها مركز نيويورك المفتوح في عام 2004 ل(فهمها العميق للتقاليد الدينية وعلاقتها بالمقدس). كما كرّمها أيضاً معهد روزفلت بجائزته (حرية العبادة).

حصلت على جوائز عديدة منها: جائزة (تيد) عام 2008 وجائزة (كومون غراوند) للرحمة والتعاطف عام 2009.

وصفتها صحيفة الصاندي تايمز ب(أرمسترونغ تملك موهبة مذهلة، تستطيع أن تعالج موضوعاً معقداً ومركباً وأن تقف على أصول وقواعد الأمور بدقة عالية).

مؤلفاتها

ـ من البوابة الضيقة 1982

ـ المسيحي الأول: تأثير القديس بول في المسيحية 1983

ـ بداية العالم 1983

ـ ألسنة النيران: انطولوجيا التجربة الشعرية والدينية 1985

ـ الكتاب المقدس حسب المرأة: إبداع المسيحية للحرب الجنسية في الغرب 1986

ـ الحرب المقدسة: الحروب الصليبية وتأثيرها في العالم اليوم 1988

ـ محمد: سيرة الرسول 1991

ـ الصوفية الانجليزية للقرن الرابع عشر 1993

ـ نهاية الصمت: نساء ورهبنة 1993

ـ تاريخ الله 1993

ـ القدس: مدينة واحدة وثلاثة معتقدات 1996

ـ في البدء: تفسير جديد لسفر التكوين 1996

ـ الإسلام: تاريخ موجز 2000

ـ معركة الله: الأصولية في اليهودية، والمسيحية والإسلام 2000

ـ بوذا 201

ـ الإيمان بعد ال11 من سبتمبر 2002

ـ السلم الحلزوني 2004

ـ تاريخ موجز للأسطورة 2005

ـ محمد: نبي لزمننا 2006

ـ التحول الكبير: بداية تقاليدنا الدينية 2006

ـ الإنجيل: سيرة 2007

ـ القضية بالنسبة لله 2009

حوار: شاكر نوري