ذاق مرارة اليتم ولم يرَ صورة والدته، فتربى في كنف والده، الذي رفض الزواج حتى أصبح ابنه يافعاً، تعلم ورفع شراع مستقبله من رأس الخيمة ليرسو بعد مراحل تعليمية عسكرياً همه خدمة بلده متحملاً الغربة وصعوبة التدريب في اعرق الكليات العسكرية البريطانية وأكثرها قسوة.

عاد ليصبح قائداً ليمر بصنوف الجيش متدرجاً بالرتب حتى قاد قوة الإمارات في الصومال والتي يضرب بها المثل في الانضباط والتضحية ليتقاعد برتبة عقيد، ولكن قدره أن يبقى منذراً نفسه لخدمة بلده فتسلم مديراً لإدارة الموانئ والجمارك في رأس الخيمة وليعين أميراً على منطقته.

انه محمد عبدالله محمد خميس المحرزي من مواليد مسافي سنة 1957، القبيلة محرزي، وقبيلة المحارزة إحدى القبائل العربية التي رحلت أبان اندثار سد مأرب وتوزعت على الساحل الشرقي باتجاه الشرق والغرب، فالمحارزة موجودون في عمان واليمن وأيضاً في الإمارات في مسافي ووادي الحجيلي.

وكذلك من ناحية الاتجاه الآخر عبرت القبيلة إلى الحجاز ومنها إلى سيناء حتى وصلت تونس وفي تونس جالية كبيرة من المحارزة مازالت مقيمة وهم معروفون ولهم كثير من المناصب الإدارية، في مسافي التابعة لإمارة رأس الخيمة يسكنها المحارزة منذ مدة بعيدة وهي مشهورة بمياهها العذبة وأشجارها المؤنقة والحمضيات.

لموقعها في وسط الجبال، وهي منطقة مرتفعة عن سطح البحر، 535 قدماً، باردة شتاء معتدلة صيفاً، كذلك مشهورة بأهلها وكانت مصيافاً لكثير من عوائل الدولة في الصيف، عاش أهلها على الزراعة وكانت معظم سفراتهم إلى مدن الساحل بواسطة الجمال والحمير.

وكان هناك نوع من التجارة، أما عن طريق التبادل أو البيع والشراء فأهلنا الأولون عانوا كثيراً في التنقل، فالرحلة تدوم 6 أيام من مسافي إلى عجمان أو دبي والرجوع كذلك، كما عانوا من الخوف ومشقة الطرق وكذلك عدم وجود مستلزمات الحياة، ولكن كنا أفضل حالاً بحكم توفر مقومات الحياة في البيئة الزراعية .

نحن نعمل بأرضنا

وقديما نحن من نعمل في الأراضي لعدم وجود العمالة، أنا ولدت في الغمرة وهي قرية صغيرة بجانب مسافي وانتقلت إلى مسافي بحكم المدرسة وأتذكر موقعي في أول صف وكنا في حدود 20 طالباً في الغرفة أو الصف، والأكبر سنا يدرسون صفين مع بعض.

مسافي صدرت الكثير من المتعلمين

مسافي خرجت الكثير من المواطنين والذين تقلدوا مناصب رفيعة، والمدرسة كانت ومازالت منارة ومرت مسافي بعدة تغيرات فالحدث الأول الذي صادفني وكنت صغيراً حيث رفضت في السنة الأولى لأن عمري أقل من 6 سنوات (جاء رجل وأخبر الإدارة ان هذا يتيم فحرام تدعوه يبكي طبعاً).

أنا أقدر الظرف الآن لأن الطلبة كثر ولا يوجد كراسي، توفيت والدتي وأنا صغير ولا أتذكر ملامح وجهها عندما كانت مريضة توصي والدي برعايتي، وإحدى تضحيات والدي من أجلي انه لم يتزوج حتى وصل عمري 12 عاماً خوفاً علي من معاملة زوجة الأب كما كان متبعاً قديماً.

الغرير يقدم وجبة غذاء

المدرسون القدامى الأستاذ خليل مطر والأستاذ عدنان مصباح أبو جراد، ومازال في مدرسة مسافي بالنسبة للتغذية كانت لفتة من المرحوم أحمد بن ماجد الغرير لجلب أبناء المناطق للدراسة، وكنا نتسابق لهذه الوجبة البسيطة والتي عبارة عن جبن وخبز وتمر، بعدها عمل قسماً داخلياً ومطبخاً وسكناً وهذا إن شاء الله في ميزان أعماله.

تحديد الاتجاه

في 20/9/1969 بعد إتمام الصف السادس قررنا الذهاب إلى الشارقة في الليل، وبالصدفة مرت سيارة شاحنة وكان هناك نوعان من السيارات إما لاندروفر أو بيدفورد بحكم الاحتلال البريطاني.

صعدنا السيارة وتفاجأنا أنها تحمل الأسمنت للفجيرة، وصلت الساعة 3 عند معسكر المرقاب، وكنا غبرا شعثا، استقبلنا الأقرباء وبعدها ذهبنا إلى المدرسة وتم الاختبار، ونجحنا بشرط ننزل صفاً، وكانوا يعطون راتباً ثلاثين روبية بعدها 60 ثم 90 و120 درهماً وهذا المبلغ كان سنداً لنا وللأسرة.

الالتحاق بالجيش

درست في 1973 كانت نهاية المرحلة الإعدادية، عملت دورة تدريب أغرار وكان ترتيبي الثالث، التحقت في إحدى سرايا الجيش وبقيت في قيادتها انتظاراً للترقية أو الابتعاث للخارج، وفي لفتة كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وزير الدفاع آنذاك وما زال.

أطال الله عمره، سأل عن الطلبة الذين تخرجوا، وكان الإنجليز يرفضون إرسالنا للخارج، وكانت الدراسة قوية من ناحية المنهاج ودسامة المادة، وصلنا خليفة جمعة النابودة وكيل وزارة الدفاع في ذلك الوقت.

أخذوا منا مجموعة وطلبوا من قوة ساحل عمان ابتعاث الطلبة للخارج سواء للدول العربية أو الأجنبية، وابتعثنا كان في شاغرين إلى بريطانيا والسودان والأردن ومصر اجتزت امتحان اللغة الإنجليزية وكنت الأول، فابتعثت إلى بريطانيا عام 1974.

في شهر 6/1975 انتدبت إلى مدرسة بانسفيلد مدرسة اللغات، وكانت سفارة الإمارات احتوتني، حيث أنا ابن قرية انتقلت فجأة إلى عالم فسيح، فكانت الرحلة أيضاً شاقة من الشارقة إلى البحرين، ومن البحرين إلى قبرص، وإلى لندن.

وفي طيران عسكري. بعد دورة اللغة تحولت إلى كلية ساندهيرست وكانت الدورة الحادية عشرة ونصيبي أن اثنين من أقاربي كانا في الدورة العاشرة فساعداني وكانت الدورة شديدة وقوية ويعاني منها الطالب الانجليزي فما بال الطالب العربي.

لعدم إجادة اللغة واختلاف العادات والكلية كنظام ودوام لا توجد رحمة بل جهد شاق وأتذكر أول ما نزلنا من الباص كل واحد يحمل معه حقيبته فلم يدعونا نمشي بل حملنا حقائبنا وركضنا فالمشي ممنوع كنت في إحدى الكتائب يسمونها كتيبة العلمين مرت فترة التدريب عانيت من الغربة والفراق ولم يكن هناك اتصال والرسالة تصل أو لا توصل لعدم وجود بريد هنا.

ومع ذلك عندنا رغبة للتعلم وأن نتخرج من الكلية لنرجع ونخدم البلد وأن الانجليز سيرحلون مهما طال الزمن.

أصبحت ملازماً

بعد تخرجي من الكلية رجعت للدولة وحصلت رتبة ملازم وكان في ذلك الوقت يعطون للعرب نجمة مميزة ونحن في أواخر تواجد القوات البريطانية في الخليج عملت في قيادة القوات بعد ذلك أعيد تشكيل القوات وتم دمجها سنة 1976 بفضل توجيهات المغفور له زايد والمغفور له راشد والحكام وأعيد تسميتها وأنا بقيت متدرجا في الرتب والمناصب وعندي دورات تدريبية في الداخل والخارج خدمت في القوات الجوية مع الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد وهي نقلة نوعية فكرياً أعطتني دافعاً أن الوطن بحاجة للتضحية والخبرة المكتسبة.

في الغرب وفي ذلك الوقت بالذات في نوع من الشك واليقين بأن الفلسفة والأوامر الصارمة والعملية التي في الدراسة، هل يمكن أن تطبقها في بلدك خاصة انك في مجتمع له عاداته وتقاليده، وعندما أصبحنا قادة نتذكر كيف يكون معنى القيادة في ظروف مختلفة سواء الإداري أو في السلم أو في وقت الأزمات، الكلية تعطي جرعات مختلفة وفنوناً متنوعة استفدت كثيراً.

في ذلك الوقت كان القائد انجليزياً، ولكل إمارة لها جيش أو حرس وقوة مختلفة لكل إمارة على صعيد كل الإمارات قوة ساحل عمان هي القوة الرئيسية في ذلك الوقت بحكم أنها قديمة والانجليز يعرفون ويرعون شؤونها بعد ذلك توجهات الدولة لتغيير .

وخاصة بعد دمج القوات المسلحة فذابت قوة ساحل عمان وأصبحت وحدة من وحدات القوات المسلحة وسميت لواء اليرموك بعدها حدثت تطورات كثيرة في الجيش ووصلنا إلى مصاف الجيوش العالمية من حيث الكفاءة والقوة والتجهيز. صعب أن نذكر التسلسل.

القوات المسلحة فيها نظام للترقيات ونظام للتوظيف أنا مريت بعدة مناصب ورتب وتقاعدت وأنا في رتبة عقيد بعد أن خدمت في وحدات مقاتلة في الصومال ومن ثم خدمت في مكتب سمو رئيس الاركان في القيادة العامة القوات الجوية أيضاً ملحق عسكري في سفارة الدولة في بريطانيا فهذه الحياة العسكرية تعلمت واستفدت منها الكثير سواء على صعيد الأسرة أو الحياة ككل.

الضابط القائد

في مكتب سمو رئيس الأركان كان لابد للضابط أن يكون قائداً وأنا كنت في الإمداد والإدارة في التدريب ولكن لم أقد وحدة، فسمو الشيخ محمد بن زايد كان وقتها رئيس الأركان خيرني قال لي محمد لا بد أن تكون قائداً وحان الوقت لتكون قائداً في وحدة اقترحت على سموه أن أذهب للصومال، أبدى استغرابه ولكني وعدته أن أكون عند حسن الظن، فوافق وذهبت.

العمل والدراسة

وكان لي طلب وكان الفضل من- رئيس الأركان آنذاك - الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد أن وافق لي بالدراسة وتحصيل الماجستير خلال عملي، ووفقت وحصلت على الماجستير وسجلت طالب دكتوراه.

وما زلت أصمم أن أنال الشهادة. البحث الذي قدمته عن رسالة الماجستير كان مزيجاً من الخبرة والدراسة وهو بعنوان «فشل القوات الدولية في الصومال وانعكاساته».

طبعاً القوات الدولية مؤلفة من عدة دول ولها أهدافها ولكنها فشلت ولم تستطع حتى نزع أسلحة الميليشيات بل على العكس خرجت والصومال أكثر حرباً وأكثر دموية وتمزقاً. وناقشت ذلك في الدراسة وحصلت تقديراً جيداً.

العمل الدبلوماسي

العمل الدبلوماسي لا يختلف عن بعضه، ولكن كونك تمثل دائرة أو مؤسسة من مؤسسات الدولة تختلف عن تمثيل وزارة الخارجية عندك واجبات والتزامات، وكما هو معروف هناك سلك عسكري وسلك دبلوماسي.

وأنا أمثل السلك العسكري في الدولة المبتعث لها وتعتبر ملحقاً فنياً في مسميات الخارجية، ملحقاً فنياً، ملحقاً ثقافياً ، ملحقاً إعلامياً، اقتصادياً، والملحق العسكري يعتبر ملحقاً فنياً يتبع السفارة من الناحية الإدارية، وينطوي تحت مظلتها، ولكن يتبع من ناحية العمل جهته التي ابتعثته.رجعت بعدها وخدمت في القيادة العامة مشرفاً على البعثات العسكرية للطلبة.

الغرباء يحترموننا لأجل زايد

قيام الدولة في ذلك الوقت كان ولادة هوية لإنسانها وطموح الجميع أن تكون لنا دولة وما حلمنا به تحقق على أرض الواقع.

ويكفي المرء منا أن يقول إنني إماراتي وفي هذا السياق أسوق قصة واقعية حدثت لي سنة 1983 كنت وأحد أقاربي (ابن خالتي) وهو الآن لواء في القوات المسلحة، مسافرين إلى أوروبا بالسيارة طبعاً مررنا على الدول العربية، ولما وصلنا الحدود بين هنغاريا ورومانيا على نهر الدانوب.

يوجد جسر ومركز شرطة الحدود، وكان خلفنا سيارات كثيرة من دول المجلس وبعض الدول العربية كل واحد يصل للشرطي، يقول له تحتاج إلى فيزا أو تأشيرة دخول، وعندما ما وصلنا وبكل فخر أخذ جوازاتنا.

وقال انتم من بلد زايد آل نهيان، تفضلوا، فأنتم أصدقاؤنا، هذا أثر في نفسي، فالشرطي لم يتصرف من فراغ لولا السمعة العطرة للقائد المغفور له ولدولة الاتحاد.

ملتزم بالقوانين

بعد تقاعدي 2000 أخذت راحة لمدة ستة أشهر، بعدها استدعيت من قبل حكومة رأس الخيمة، وعينت مديراً لدائرة الموانئ والجمارك، وكوني عسكرياً أحب تنفيذ القوانين وان أجازي الموظف على قدر إنتاجه ولا أحب التهاون مع المقصر، الأسلوب في الإدارة المدنية يختلف عن الحياة العسكرية في أسلوب التعامل فقط.

ولكن الجزاء من جنس العمل مطبقة في كلتا الحالتين: النظام العسكري يتطلب نفذ ثم راجع، النظام المدني شاور ثم نفذ، كون المدني يتمتع بثقافة تكون أعلى في من ثقافة المدير أحياناً.

فلابد أن يطاوع ويأخذ في الوسط بالنسبة لي في الإدارة أحب العمل باللامركزية بأن أحدد صلاحيات لكل مدير ولكل رئيس قسم وأراقب تنفيذها وأحاسبهم ولكن المركزية في الوقت الحاضر في ظل التكنولوجيا لا تحتاج لمراقبة فهناك الكاميرات البصمة أجهزة الحاسب.. أثق بموظفي ولا أغفل عنهم.

خيام

مساكننا كانت من الخيام المبنية بالحجر بحكم الجبال ومغطاة بسعف النخيل ويوجد مكانان مشتى ومصيف، المشتى قريب من الجبل والمصيف أو المقيض بحكم النخل والمياه الجارية. المواطن بهذه المناطق متمسك بأرضه كونها متوارثة ومصدر رزق حتى مع الجفاف الناس لم تستغن عن مزارعها وأرضها.

مباديء

العسكرية مبادئ فاضلة بحكم تجربتي أرى مبادئ العسكرية هي مبادئ الحياة المستقيمة فيها انضباط وأطبقها على عائلتي وأسرتي ومن أتعامل معهم على سبيل المثال هناك وقت للرجوع للبيت وللأولاد ولا أسمح لأي من أولادي أيضا ان يتجاوزه.

قوة الإمارات الافضل عالميا

بالنسبة للمشاركة في الصومال لم يكن مستغرباً على سياسة المغفور له الشيخ زايد فكان أول من أرسل قوات إلى لبنان وأول من شارك في تحرير الكويت، فسياسته تطوف الآفاق وبدافع إنساني وعروبي. أدينا مهمتنا في الصومال وكانت قوة الإمارات أحسن القوات المتواجدة علاقة وخدمة قدمناها للصومال وسيذكر الصوماليون ما قدمه جيش الإمارات لهم.

المعونات سواء على المستوى الحكومي أو الشعبي بالإضافة إلى ما نقدمه نحن وأول ما تحصل مشكلة في العاصمة مقديشو كانت قوة الإمارات الوحيدة التي تتحرك بحرية نرفع علم الدولة ونجتاز كل الميليشيات المحلية ندخل مواقعهم دون أي تحرش، وهذا ما جاء من فراغ، بل نتيجة سياسة الحكام وقادة جيوشنا. بعدها رجعت وبُعثت في مهمة خارجية كملحق عسكري.

أمير في منطقته

قديماً كان أمير القبيلة هو شيخ القبيلة، شيخ القبيلة كان يأمر ويحكم ويقاضي ويأخذ الزكاة ويجلد وله حق التصرف، كون الحاكم بعيداً فإذا كانت مسافي تبعد عن رأس الخيمة 100 كيلو .

ولا توجد مؤسسات خدمية ولا توجد شرطة فالأمير هو المسؤول في الوقت الحاضر تغيرت الأمور وانا شخصياً أتمنى أن تختفي هذه الظاهرة مع وجود المؤسسات والدوائر المعنية كالبلدية والأراضي والأشغال والشرطة، وكل مواطن يكون له الحق في مراجعة الدائرة مباشرة دون الح.

اجة للأمير، فهو يحمل عبئاً ومسؤولية، قد يحمل من ورائها ذنباً.ويكون قريبا من اصحاب القرار تم تعيني اميراً.

أعدها - عبد المنعم الشديدي