تمر صحافتنا الوطنية بمرحلة تاريخية حاسمة، وتترقب على المستوى التشريعي، قفزة حضارية كبيرة ينتظر أن تتحقق في حال تم إصدار قانون النشر والمطبوعات الجديد، الذي تضم مواده مجموعة من المكتسبات.

من أبرزها: إلغاء حبس الصحافيين، وإلغاء مصطلح جريمة النشر من أساسه، ووضع ضوابط تحكم مسألة مقاضاة الباحثين عن المتاعب، حتى لا يسهل على كل ذي مآرب جرجرة الصحافيين إلى ساحات المحاكم.

وما من شك في أن قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، بمنع حبس الصحافيين في قضايا تتعلق بعملهم، بمثابة تاج على رأس صاحبة الجلالة، ودليل على أن القيادة السياسية للدولة تقف مع الكلمة الحرة، وتؤازر مبدأ الرأي والرأي الآخر.

ولكن على الرغم مما تحقق من مكاسب، وما ينتظر الصحافيون تحقيقه عبر إصدار القانون الجديد، تبقى الممارسة العملية ؟وفقاً للقطاع الأكبر منهم- تسير في اتجاه آخر، وبدلاً من أن تكون مواقف الدولة الرسمية، تعزيزاً لهم، أصبح بعض المسؤولين.

يطبقون ما يصفه عدد كبير من الصحافيين، بسياسة الستار الحديدي، التي تنزع عنهم كافة الامتيازات التي قدمتها لهم الدولة عن قناعة وإيمان بأنهم شركاء في التنمية وفي الحفاظ على مكتسبات الدولة.

هذا التحقيق يستعرض هموم الصحافيين، ويكشف عن طموحاتهم وأحلامهم بصحافة وطنية تواكب المرحلة التاريخية.

بدون أسماء

عدد كبير من الصحافيين الميدانيين، تحمسوا للحديث عن متاعبهم، وأبدوا استعداداً كبيراً لكشف المعوقات التي تعترضهم، غير أن محاولات إقناعهم بالكشف عن أسمائهم ذهبت أدراج الرياح، ومرد ذلك ؟

حسب تفسيرهم- أن الكشف عن المؤسسات غير المتعاونة، أو المتعالية على الصحافة، سيؤدي إلى قيام هذه المؤسسات، بحجب الأخبار عنهم، ومن ثم إحراجهم أمام مؤسساتهم التي تلاحقهم وتطالبهم بالإنتاجية.

تقول صحافية تتابع أخبار هيئة محلية في إمارة أبوظبي: فوجئت قبل نحو عام أن القائمة على قسم الإعلام، وهي ليست عربية، قد أصدرت فرماناً يقضي بأنه من المحظور على أي مسؤول، أن يدلي بتصريحات مباشرة، إلى الصحافة... والأكثر من ذلك، أنها قالت: لا أريد أن أرى صحافياً يتجول في أروقة الهيئة.

ويقول صحافي آخر: أتلقى عبر البريد الإلكتروني يومياً الكثير من الأخبار، التي ترد عبر شركات العلاقات العامة، المتعاقدة مع المؤسسات الحكومية، وتأتي معظم هذه الأخبار مبتورة، خالية من المضمون والمحتوى.

وتؤكد صحافية من قسم الثقافة في أحد المجلات أن قطاعاً كبيرا من المسؤولين، يريدون من الصحافي أن يكون مندوباً لهم في مؤسسته، لا أن يكون مندوباً لمؤسسته الصحافية في الجهة التي يتابع نشاطاتها.

ويتناول صحافي مشكلة إصرار بعض المؤسسات على استخدام اللغة الإنجليزية في المخاطبات مع الصحافيين ويؤكد آخر أن بعض الجهات تصر على أن تقتصر العلاقة فيما بينها وبين الصحافيين على رسائل الفاكس والبريد الإلكتروني.

فالعلاقة المباشرة قد تثير المتاعب، إذ قد ينجح صحافي «خبيث» في استدراج مسئول «طيب» للإدلاء بمعلومة لا يجوز نشرها، ومن ثم تقع المؤسسة في الحرج، أمام الرأي العام.

ويتساءل آخر: كيف تتم عملية اختيار المتحدث الرسمي في الوزارات والهيئات؟ وهل التحق المتحدثون الرسميون بدورات تأهيلية لتعريفهم بأسس التعامل مع وسائل الإعلام؟

تقول الكاتبة الصحافية عبلة النويس: إن الصحافة النزيهة القادرة على ممارسة فعل النقد هي رئة الوطن، وفي حال كانت الرئة معتلة لا يمكن للجسد أن يحصل على ما يحتاجه من الأوكسجين اللازم لإبقائه على قيد الحياة، لذلك فإن تعنت بعض المؤسسات، ووضعها العراقيل في وجه الصحافة، يعد انتقاصاً من حق أصيل من حقوق الوطن.

إن الصحافي الذي يطمح في أن ينأى بنفسه عن المشكلات، قد يلجأ إلى إرضاء مصادره، والامتناع عن كتابة ما قد يغضبهم، وفي كل الحالات سيتلقى أجره، وسيبتعد عن الضغوط النفسية والعصبية... لكن هل هذا هو الدور المطلوب من الصحافي؟

وترصد النويس عدداً من المبررات التي يتذرع بها المسؤولون لتقييد عمل الصحافة، حيث يذهب بعضهم إلى أن نشر السلبيات يحمل في طياته إساءة للدولة، ويقول البعض الآخر بأن النقد قد يسفر عن إحداث بلبلة في المجتمع، ويرى آخرون أن بعض الصحافيين يمارسون انتقائية، فلا يهتمون بالإيجابيات، ويركزون كل الضوء على السلبيات، مما يعني أنهم أصحاب مآرب.

والحقيقة أن كل هذه المبررات تتساقط من تلقاء نفسها، كبيوت الرمل التي يبنيها الصبية على الشواطئ، أمام أضعف موجة.

فالنقد لا يمكنه أن ينتقص من حجم الإنجازات الحضارية الراسخة التي حققتها الدولة، ووجود صحافة قادرة على ممارسة النقد، سيعلي من شأن الدولة أمام العالم المتحضر.

وسيضفي على تجربتها المزيد من التقدير، أما بالنسبة لقول البعض بأن صحافتنا الوطنية تمارس الانتقائية وتهتم بالسلبيات، فهي «كلمة باطل يراد بها باطل» لأن تحليل مضمون الصحف اليومية والدوريات المحلية، يؤكد أن صحافتنا تبرز الإيجابيات وتهتم بتعريف الرأي العام بكل جديد، وتقف مع الدولة في صف واحد، في الكثير من القضايا.

ومنها على سبيل المثال: محاربة المخدرات، والتصدي لمشكلة ارتفاع المهور والعنوسة وجنوح الأحداث وتمكين المرأة والجريمة الإلكترونية وفي مرحلة سابقة لعبت صحافتنا الوطنية دوراً كبيراً في محاربة مشكلات أخرى كالأمية وتعليم المرأة والزواج من أجنبيات وما إلى ذلك من معارك خاضتها الصحافة إلى جوار الدولة في خندق واحد.

تعديات مرفوضة

يقول محمد يوسف رئيس جمعية الصحافيين: إن الموقف الرسمي للجمعية والمجلس الأعلى للإعلام، يتمثل في أن منع الصحافي من الاتصال المباشر بالمسؤولين يعد تعدياً على حقوق الصحافة في ممارسة دورها المجتمعي، كما ترى الجمعية أن المسؤول الذي يحتجب عن التعامل المباشر مع مندوبي الصحف، هو مسؤول خائف يخشى المواجهة، ويرغب في إخفاء الحقائق عن الرأي العام.

ويتناول رئيس جمعية الصحافيين، دور مكاتب العلاقات العامة الخاصة قائلاً: لا أريد التعميم، أو إطلاق الأحكام الشاملة، لكن ما من شك في أن معظم هذه «الدكاكين الإعلامية» قد أثبتت فشلها، وتجربة الحكومة الاتحادية مع مكاتب العلاقات العامة تؤكد صحة ما أقوله.

ويقارن بين ما يلجأ إليه بعض المسؤولين من فرض القيود على تحركات الصحافي، وبين ما يؤكد عليه كبار رجال الدولة قائلاً: الحكومة الاتحادية تؤكد أهمية الشفافية، وكبار مسؤولي الدولة يفتحون صدورهم للنقد البناء، ويؤمنون بأن الصحافة ذات دور حضاري في المجتمع.

وقد أثبتت المواقف المختلفة أن الدولة في صف الكلمة الصادقة الشريفة الخالية من المآرب والأغراض، لكن المسؤولين «الديجيتا» الذين يكتفون بالبريد والإلكتروني، وبرسائل الفاكس، لا يمتلكون الوعي الحقيقي بأهمية دور الصحافة، في تصحيح السلبيات وترسيخ الإيجابيات.

ويقول: من المؤسف حقاً أن قطاعاً كبيراً من المسؤولين المحتجبين، هم ممن درسوا وتخرجوا من الجامعات الغربية، وعاشوا فترة طويلة من حياتهم، في البلدان التي تتمتع بتجارب راسخة في مجال حرية الصحافة، وقد كانت الآمال معقودة عليهم، في أن يساهموا اعتماد لغة خطاب إعلامي تقوم على نقد الذات، ومكاشفة الرأي العام بالسلبيات، غير أن شيئاً من هذه الآمال لم يتحقق.

ويضيف: إن الجمعية تتلقى بشكل دائم شكاوى من الصحافيين بشأن التضييق عليهم، وقد عقدت الجمعية سلسلة من الاجتماعات مع عدد كبير من الهيئات الاتحادية والمحلية.

مما أدى إلى تغير في أنماط تعامل بعض هذه المؤسسات مع وسائل الإعلام المحلية، فيما مازالت بعضها تصر على أساليبها العقيمة، وهو الأمر الذي سيظل محور اهتمام الجمعية، حتى ينعم المجتمع بمناخ إعلامي يخدمه، ويعزز مكتسبات الدولة الحضارية.

حارس البوابة

وتستنكر الدكتورة عائشة النعيمي، أستاذ الصحافة المساعد بجامعة الإمارات، التعامل مع الصحافة الوطنية، من وراء ستار كثيف، ووضع العراقيل، أمام الباحثين عن الحقيقة، لأن الأمر حسب تعبيرها، يمثل ردة فكرية ومجتمعية.

وتقول: في ظل الثورة الهائلة التي تشهدها تقنيات وسائل الاتصال الجماهيري، أصبحت فكرة حارس البوابة الإعلامية، فكرة تراثية تاريخية، وأصبح في إمكان المستقبل أو القارئ أن يتحول إلى إعلامي، يمتلك وسيلته الإعلامية الخاصة به، من دون أن يخرج من حدود غرفته، عبر وسائل منها تأسيس المواقع الإلكترونية والمدونات.

وعلى هذا الأساس، فإن القراءة الصحيحة لخريطة التغيرات المستحدثة في مجال الثورة الرقمية، وما تتيحه من آفاق واسعة، تقتضي أن يعيد المسؤولون غير المتفاعلين مع الإعلام حساباتهم، وأن يخرجوا من تقليديتهم الرتيبة.

إن وجود المنتديات، والهواتف المحمولة المتطورة، ووسائل الإعلام الأجنبية، والكم الهائل من الفضائيات، يجعل التعتيم على الأخبار، شيئاً مستحيلاً، والأجدر بكل مسئول أن يفتح أبوابه للصحافة الوطنية، لأن وصول المعلومة إلى بعض وسائل الإعلام ذات المآرب، قد يؤدي إلى تلوينها أو نشرها بشكل غير دقيق، مما ينعكس بالضرر البالغ على الوطن.

وتقول: طالما أنه من الثابت أن الرقابة التقليدية لا يمكن أن تتحقق الآن، وبما أن مجتمعنا يتسم بسمات خاصة، من أبرزها وجود أعراق ومنظومات ثقافية واجتماعية وحضارية مختلفة.

وفي ظل الجهود الكبيرة التي تبذلها القيادة السياسية لترسيخ الهوية الوطنية، فإنه من غير المقبول أن ينفصل الإعلام عن واقعه الاجتماعي، وأن يهتم بالقشور ولا يغوص في أعماق الوطن، وأن يقتصر دوره على نقل ما يريد هذا المسئول أو ذاك نقله.

ترحيب

وزارة الثقافة: أبوابنا مفتوحة والصحافة شريك أصيل

يقول خليفة بوعميم، مدير إدارة الاتصال الحكومي بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع: إن الوزارة تفتح أبوابها بشكل دائم لاستقبال الصحافيين، وتلقي استفساراتهم، والإجابة عليها بالسرعة المناسبة، بما يتناسب مع إيقاع العمل الصحافي الذي يتسم بالحركة الدائمة والبحث عن الجديد.

وترفض الوزارة فكرة الاقتصار في علاقتها مع الصحافيين، على الرسائل الإلكترونية والإجابات الصحافية المعلبة، حيث ترحب بالتواصل المباشر مع أي صحافي، وتؤمن بحق الإعلامي في الالتقاء بمسئوليها في مختلف مواقعهم، وبأن هذا الأمر سيساهم في تدعيم الجسور بين الوزارة والرأي العام.

ويضيف: إن الوزارة انطلاقاً من خططها الإستراتيجية الرامية إلى تنمية المجتمع، وإيماناً بفكرة أن الإعلام شريك أصيل في عملها، لا تشعر بحساسية إزاء النقد، ولا تتخذ موقفاً عدائياً إزاء أي صحافي يعبر عن رأيه في أدائها، حتى لو كان هذا الرأي سلبياً، بل إن الوزارة تهتم بالاستفادة من النقد لتصحيح المسار في حال كان الأمر يستدعي ذلك.

ويؤكد أنه طالما كان الهدف الأساسي يتمثل في تنمية المجتمع، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون بالاحتفاء بالحوار العقلاني، وبالسماح للرأي الآخر أن يعبر عن ذاته، فالثقافة لا تنمو وتزدهر في بيئة خانقة.

اهتمام

«الداخلية»: نرحب النقد ولا نضيق بالرأي الآخر

كثيراً ما يوجه الاتهام لوزارة الداخلية، بأنها غير متعاونة مع وسائل الإعلام، وأن الوزارة تنشر فقط ما تريد نشره، ولا تسمح لصحافي أن يقترب مما يسمى بالمناطق المحظورة... فما مدى صحة هذا الاتهام؟

يجيب عن هذا السؤال العميد محمد صالح بداه، مدير إدارة الإعلام والعلاقات العامة بالوزارة قائلاً: إن النهج الذي تتبعه الوزارة فيما يتعلق بالإعلام، يستند إلى تعليمات سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية، بأن الإعلام شريك أساسي في جهود حفظ الأمن وترسيخ الأمان الذي ينعم به الوطن.

وأستطيع مطمئناً واثقاً أن أؤكد أنه خلال عملي لمدة تزيد على أربع سنوات مديراً للإعلام، لم يحدث أن تم رفض الإجابة على تساؤلات مقدمة من أية وسيلة إعلامية، محلية كانت أو أجنبية، لكن من الممكن لظروف تتعلق بعدم توفر المعلومة، أو لأن نشرها في بعض الأحيان يعرقل سير التحقيقات، أن نطلب إلى الصحافي أن يمهلنا بعض الوقت.

ويضيف: إن وزارة الداخلية في السنوات الأخيرة قد أصبحت الوزارة الأكثر تفاعلاً وقرباً من وسائل الإعلام، وتقوم إدارة الإعلام الأمني بدور كبير في تلبية حاجات الرأي العام إلى التعرف على كل معلومة تتصل بوزارة الداخلية.

تحذير

رسالة رسمية للصحف: لا تغيروا عناوين أخبارنا

تلقت الصحف المحلية مؤخراً رسالة «باليد» من مدير في جهة حكومية، ينحصر مجال عملها في الأنشطة التراثية والثقافية والترويحية، للمطالبة بالالتزام بالعناوين التي يرسلها المكتب الصحافي التابع لهذه الجهة إلى الصحف وعدم تدخل المسئولين عن التحرير فيها.

وجاء في الرسالة: «..وإننا ونحن نقدر كل التقدير دور صحيفتكم في التفاعل مع أنشطتنا، ونعتز بتعاونكم المشهود، لنرجو منكم التلطف في التعاون معنا «بالالتزام ـ قدر الإمكان- بالعناوين التي نختاره» للأخبار المرسلة إليكم من طرفنا، وذلك خدمة لسياساتنا وتوجهاتنا.

كما أصدرت إحدى المؤسسات الحكومية مؤخراً، ما سمته «دليلاً إرشادياً حول التعامل مع الصحافة» وذلك لتعريف الصحافيين بأسس الكتابة الصحافية، وتبصير المسئولين بالقواعد الواجب عليهم إتباعها في التعامل مع مندوبي الصحف.

وجاء في الدليل أنه من حق المسئول اختيار الأسئلة التي تطرح عليه وبوسعه تعديل بعضها والاعتراض على أخرى وكذلك إلزام الصحافي بالتقيد بنص الرسالة إذا كان قد سبق له التقدم بطلب خطي.

كما ينص الدليل في إرشادات موجهة إلى المسئولين، على أنه يجب أن يتسموا «بالقدرة على المراوغة» حيث يقول: عند التعرض لمواقف حرجة، عليك أن تكون مستعداً دائما للرد بالإرجاء، من دون أن تضطر إلى الإدلاء بتصريحات قطعية.

قضية

001

منذ بداية الألفية حتى نهاية عام 2008 واجهت الصحافة الإماراتية نحو مئة قضية، بواقع نحو 12 قضية سنوياً، ولكنّ قضيتين فقط منها حكم فيهما على الصحافة وانتهت إحداهما بالغرامة والأخرى بالتوقيف المؤقت مع الغرامة، على أن عام 2009 لم يسجل سوى أربع قضايا.

وهذه الأرقام توضح أن النظام القضائي في الدولة لا يمارس تعسفاً من أي نوع تجاه حرية التعبير، كما أن تراجع عدد القضايا يؤكد أن المجتمع يسير نحو الانفتاح والاقتناع بدور الصحافة الرقابي، وما عدا ذلك يمثل ممارسات فردية لا تعبر عن توجه الدولة.

علاقة إلكترونية

ويقول الكاتب الصحافي عبد الله رشيد، مدير مكتب الزميلة «جلف نيوز» في أبوظبي: على الرغم من أن الآمال كانت معقودة، على أن تساهم ثورة التكنولوجيا، في تحسين وتقوية قنوات تدفق المعلومات إلى الصحافة.

وعلى أن تجعل وصول الصحافي للمسئول أكثر يسراً، إلا أن عدداً من المسؤولين، قد اتخذوا منها وسيلة للتهرب من مواجهة الصحافة بشكل مباشر، فالبريد الإلكتروني قد أصبح ستاراً للاختباء خلفه والابتعاد عن المواجهة المباشرة.

أما فيما يتعلق بالمتحدث الرسمي، فعلى الرغم من كون الفكرة تبدو بناءة وتستهدف تحقيق المزيد من الشفافية، إلا أن عدداً كبيراً من المتحدثين الرسميين، يصمون آذانهم ويتجاهلون أسئلة الصحافة، والأغرب من هذا أن بعضهم نصَب نفسه رقيباً، يطالب الصحافي بالاطلاع على المادة التحريرية قبل نشرها، ويتدخل في الأسئلة بالتغيير والحذف والتعديل.!

ويقول بعض المسئولين يصرون، على أن تتحول الصحافة، إلى فيلاطبلةلالا تقرع ليلاً نهاراً، لتضخيم إنجازاتهم، وعلى عدم الاقتراب من أية سلبيات قد تطرأ على عملهم، مما يمثل خطوة إلى الوراء، والمؤكد أنه لا يمكن في ظل هكذا صحافة، أن يحقق الوطن ما يطمح إليه من تقدم ورقي.

ويتناول عبد الله رشيد ما يسميه بازدواجية المعايير في التعامل مع الصحف، حيث يقول: من الأمور غير المفهومة، أن بعض المسئولين، الذين يتعمدون التهرب من الصحافة الوطنية، يهرولون نحو الإعلام الأجنبي، ويفتحون أذرعتهم وقلوبهم وأبوابهم على مدار الساعة لاستقبال ممثليه، ولا يبخلون عليه بأية معلومة... فهل يعادي هؤلاء الصحافة الوطنية؟وهل الصحافة الأجنبية أكثر حرصاً على الوطن من الوطنية؟

موظفو صحافة

ويرصد الكاتب الصحافي عادل الراشد، مدير مكتب الزميلة الإمارات اليوم في أبوظبي، مشكلة أن معظم القائمين على مكاتب العلاقات العامة، في مؤسسات الدولة، مجرد موظفين لم يسبق لهم ممارسة العمل في الصحافة.

وبالتالي يتهربون من عجزهم المهني عبر الارتماء في أحضان شركات العلاقات العامة، التي تمارس دوراً خطيراً في تكسير مجاديف الصحافة الوطنية، وتقف حائطاً منيعا لمنعهم من الاقتراب،ولا تقدم إلا بيانات صحافية ركيكة وبعيدة كلياً وجزئياً عن مبادئ الكتابة الصحافية.

ويقول: في حال توجهت بسؤال لأي مسؤول حول علاقته مع الصحافة، سيبادر إلى القول بأن أبوابه مفتوحة، وأن أي صحافي يستطيع الاتصال به على مدار ساعات اليوم الأربع وعشرين، غير أن الواقع والممارسة الفعلية للعمل الصحافي، تكشف أن معظم المسئولين، يغلقون أبوابهم ويتخفون وراء مكاتب إعلامية وشركات علاقات عامة تتفنن في عرقلة عمل الصحافة.

وتشير الدكتورة عائشة النعيمي إلى قضية توطين الصحافة حيث تقول: لا يختلف اثنان على أن توطين الصحافة يمثل مطلباً مشروعا وخطوة مهمة نحو ترسيخ وتأسيس دور مجتمعي أكثر فاعلية للصحافة.

لكني أرى أنه لابد من عمل أجندة وطنية تحكم الممارسة المهنية للصحافة في الإمارات، وأن تتسم هذه الممارسة بالنظرة النقدية التحليلية التي تنطلق من سؤال مهم، وهو: ما طبيعة الصحافة التي نحتاجها؟

وهل يحظى خريجو الإعلام من الكوادر المواطنة بالفرص التدريبية التأهيلية المناسبة، ويمارسون المهنة وفق الأسس المهنية المتعارف عليها؟

إن الإجابة المباشرة والصادقة على هذين السؤالين، قد تكون نقطة البداية، نحو صحافة وطنية الهوية والرؤية.

تحقيق- محمد مصطفى موسى