قد يكون من النادر أن نقرأ اسم إمبراطور روماني وسط النقوش الفرعونية المصرية، لكن الأكثر ندرة من ذلك أن يكون اسم ذلك الإمبراطور منقوشاً في قلب مسلة في معبد إيزيس وسط جزيرة فيلة، وهذا شرف لم يكن يتمتع به سوى الفرعون.

هذا ما اكتشفه العلماء وهم يحاولون ترجمة الكتابة الموجودة على مسلة معبد إيزيس، والتي تعود إلى 29 عاماً قبل الميلاد، حيث وجدوا اسم الإمبراطور الروماني أوكتافيان أغسطس، ولكن ماذا يقول لنا التاريخ عن تلك الفترة؟

هزمت قوات أوكتافيان أغسطس الملكة كليوباترا السابعة وعشيقها مارك أنطونيو في معركة آكتيوم البحرية وذلك في العام 31 قبل الميلاد، وسيطرت على الاسكندرية بعد ذلك، لكنها لم تكن سيطرة كاملة.

بعض الروايات تفيد أنه عندما انتحرت كليوباترا أخفى المصريون جثمانها عن الرومان، فبالنسبة لهم كان الاستحواذ على جثث المهزومين علامة من علامات النصر، وهناك روايات أخرى تتحدث عن قيام أوكتافيان أغسطس نفسه بدفن العاشقين المهزومين في الاسكندرية.

أوكتافيان أغسطس، وكما يرى الكثير من المؤرخين ـ وعلى الرغم من انتصاره هذا ـ لم يُتوج أبداً فرعوناً على مصر.

كان بلا شك يتمنى أن يقبض على كليوبترا حية لكنها انتصرت عليه في هذا، وانتحرت بطريقة غريبة لم تكن معتادة في ذلك الزمن، حيث لجأت، كما يروي المؤرخون، إلى أفاع سامة لتلدغها حتى الموت، وبهذا نجت من مذلة السير في شوارع روما وهي مكبلة بالحديد. لقد منعتها عزة نفسها من التذلل لأوكتافيان، وفضلت الموت بعزة على الحياة بذلة.

تم تكليف غايوس كورنيليوس، وهو جندي وشاعر روماني، بإدارة شؤون مصر باعتبارها مقاطعة أو ولاية رومانية، وظل في الحكم حتى تم استدعاؤه ليعود إلى روما في العام 27 قبل الميلاد.

النقوش الموجودة على المسلة تحتفي بانتهاء حقبة الملوك البطالمة، وهي مكتوبة بثلاث لغات هي الهيروغليفية واللاتينية والإغريقية. البطالمة الذين نجحوا في نشر المعرفة في زمنهم قدموا للعالم مكتبة الاسكندرية، التي كانت إحدى عجائب الدنيا في تلك الفترة المعروفة بالفترة الهللينية.

صحيح أن المسلة معروفة للعلماء منذ أكثر من مئة عام، لكن الجزء الهيروغليفي منها تحديداً ظل عصياً على فهمهم طوال تلك الفترة الماضية، لأن النقوش لم تكن واضحة.

الدكتورة مارتيناس ميناس نيربل، وهي من أعضاء الفريق الذي قام بترجمة الكتابة، ترى أن أوكتافيان أغسطس لم يتوج فرعوناً، لكنه كان يعامل باعتباره كذلك من قبل المصريين، كما أن الكهنة المصريين أصروا على نقش اسمه في قلب المسلة وما كان لأوكتافيان أغسطس أن يعارض هذا الطلب الذي كان يصب في مصلحته، والكهنة بدورهم كانوا يبحثون عن قائم بأعمال الفرعون، ولم يكن هناك سوى أوكتافيان أغسطس ليتقلد هذا المنصب.

كان الكهنة بحاجة لمثل هذا التفسير للأمور ـ كما تقول الدكتورة مارتيناس ـ وإلا فإن فهمهم للحياة سيختل. أوكتافيان أغسطس أطاع الكهنة بكل سرور، لأنه كان يعلم أن إرضاءهم مهم جداً للمحافظة على الأمن والاستقرار في «المقاطعة الرومانية».

مسلة إيزيس، عموماً، ليست الموضع الوحيد الذي كُتب عليه اسم أوكتافيان أغسطس فهناك امثلة أخرى نجدها في جزيرة كلبشة جنوبي مصر وتعود للعام 30 قبل الميلاد. الأباطرة الرومان الذين تولوا الحكم في مصر بعد أوكتافيان أغسطس نصبوا أنفسهم فراعنة، ليحافظوا على مظهرهم ملوكاً شرعيين لمصر.

يوسف جباعته