ارتبط اسم الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر خلال الأيام الماضية بعملية الاقتراع في انتخابات السودان، حتى باتت نزاهتها مقترنة بكلمة ينبس بها.. بعدما أصبح على مدار السنين الماضية مثار قلق للعديد من الأنظمة، ومنها إسرائيل، التي باتت تتحسّب لأي تصريحات أو كتابات تصدر عنه تتعلّق بالقضية الفلسطينية.

وجوده في السودان ترجمة لعشق قديم ارتبط بالسودان عبر فوله (الفستق ؟ السبال) الذي كان شغله الشاغل في طفولته وصباه وشبابه وحتى بعد أن أصبح يلقب بـ «السيد الرئيس».وجيمي كارتر هو رئيس الولايات المتحدة ال39، وأمضى في منصبه أربع سنوات بالتمام والكمال.. وبعد مغادرته سدة الحكم انشغل في مزرعته، لكنه على عكس كل سادة البيت الأبيض الذين سبقوه أبقى شرايينه تنبض بالسياسة التي أثارت عليه في أحيان كثيرة عداءات.وهو الآن في سن الـ 85 لا يزال يتنقل في كل أصقاع العالم، وبخاصة النامية منها، ترويجاً وتدعيماً وتنظيماً ورقيباً على الديمقراطيات.. فها هو خلال ثلاثة عقود تقريباً من عمر «مركز كارتر»، الذي أسسه في العام 1982 بشراكة مع زوجته روزالين، يرصد بعينه 79 عملية انتخابية في 31 دولة حول العالم.والقراءة المتمعنة في حياة كارتر تكشف مواهب متعددة، وإصراراً لا يضاهى على العمل والعطاء، فهو بدأ حياته العملية في القوات البحرية فيزيائياً، ثم انتقل إلى إدارة مزارع الفول السوداني التي تملكها عائلته في ولاية جورجيا..وهو ما أعطاه نفوذاً في الولاية التي يعتمد اقتصادها على الزراعة، ما أهّله في قادم السنين على دخول عالم السياسة عبر الترشح (في العام 1965) لمجلس الشيوخ، وبعد سنوات قفز إلى منصب حاكم الولاية (جورجيا)، وبعد أربع سنوات قرر الخروج من شرنقة جورجيا ليصبح رئيس عموم الولايات المتحدة الأميركية، وليدخل التاريخ كأول رئيس لأميركا يخرج من الولايات الجنوبية منذ الحرب الأهلية التي انتصر فيها الشمال.

تميّزت فترة حكمه بأحداث ساخنة في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، ولم تشفع له رعايته لاتفاقيات كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل في الفوز بولاية ثانية في البيت الأبيض إذ تمكن الممثل المغمور رونالد ريغان من هزيمته في العام 1980 بسبب إخفاقات كثيرة داخلياً وخارجياً على الصعد السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية.

وشغل كارتر بعد مغادرته المدوية للبيت الأبيض وقته في مزرعته مزارعاً ونجاراً يتفنّن في صنع بعض القطع الخشبية (والتي لا تزال هوايته المفضلة لترويح نفسه)، قبل أن يقرر التوجه نحو المشاركة في السياسة الدولية، ومن باب ازدهار الديمقراطية، ورفع راية الدفاع عن احترام حقوق الإنسان واحترامها، ولهذه الغاية منح جائزة نوبل للسلام في العام 2002 مكافأة له على دوره في التوصل إلى حلول في الصراعات الدولية..

وهكذا بات جيمي الرقيب الأول في كل انتخابات في أي من دول الديمقراطيات الناشئة، لكن مكانته المرموقة في عالم الديمقراطيات لم تكن كافية لإقناع الإدارة الأميركية بأن الانتخابات الفلسطينية التي جرت في العام 2006 التي شهد بنزاهتها واعتبرها نموذجاً للديمقراطية التي يجب أن تتوافر في المنطقة يجب أن تحترم.

وفضلاً عن شهادته عن الانتخابات الفلسطينية فتح عليه موقفه الصريح تجاه إسرائيل في السنوات الأخيرة، وانتقاده العنيف للمجازر والدمار والحصار في غزة، عش الدبابير في أروقة السياسة الأميركية الذين باتوا يستهدفونه بكل ما هو سيئ من أوصاف.. ويدعونه إلى العودة إلى مزارع الفول السوداني.

نضال حمدان