الفنون مرآة الشعوب ومرجعية الأبناء لفهم تاريخ وحياة الأجداد، وهذا الفهم أمر لا بد منه فهو قاعدة نجاح الحاضر فكلما حضر الماضي وجه الحاضر، ومن هنا جاءت مقولة الخالد في الذاكرة والقلوب باني الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، وخليفته صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان الساعي لتعزيز الهوية الوطنية بكل مكوناتها وأهمها التراث.

ولاستكشاف واستحضار هذا الماضي بمكوناته المادية والمعنوية، رحلنا في أناشيد وأهازيج الماضي مع أحمد حسن الخرخور أحد أعضاء جمعية أحمد بن ماجد للفنون الشعبية والتجديف، الذي لخص لنا بعض جوانب هذا الأمر يقول «لا يستلزم فهم وإحساس عمق حب أجدادنا للبحر تخصصا في الفنون والأناشيد الشعبية القديمة.

فهذه الكلمات والأبيات ليست سوى أداة فاعلة استخدمها آباؤنا لبث النشاط بين صفوف العاملين في مهن البحر سواء الغوص أو الصيد، كما أنها تقتل الوقت الطويل الذي يقضونه في البحر وتدخل البهجة والسرور في نفوس الصيادين لتكون رحلة الصيد رحلة ممتعة تعينهم على تحمل مشقته واشتياقهم لأهلهم وأحبابهم».

وتختلف مواضيع هذه الأناشيد ما بين المدح والريمي «أي الحب» والوطن، ويطلق على هذه الأناشيد المغناة والأبيات النهمة لأنها خاصة بالبحر والغوص بكل أنواعها منذ بداية انطلاقة الرحلة البحرية إلى عودة البحارة إلى ديارهم، ويسمى البحار الذي يؤدي هذه النهمة «بالنهام».

السجع

يقال هذا النشيد في كل إمارات الدولة أثناء الأسفار في رحلات الغوص أو السفر برا وبحرا إضافة إلى المجالس الممتدة لآخر الليل وأثناء السمر، ويبدأ أحد الحاضرين بنظم القصيدة بصوت عال ملحن ويردد من ورائه الآخرون، حتى ينتهي البيت الأول ثم يبدأ الطرف الثاني بتكملة البيت الثاني ويتناوبون حتى انتهاء القصيدة، دون استخدام أي من الأدوات الموسيقية، ومن بعض أبيات السجع:

يا الغر يا جراح القلوب

قلبي جرحته وعندك ادواه

واشقي من !يابه الدوب

وعاييت بي يا زين معياه

وعاينت بين الصد والبين

واتحسب لأني مفارق ومضمون

الخطيفة «الشراع»

تنشد هذه النهمة أثناء رفع الشراع بواسطة نهيم يبدأ بالنهمة مع الطبل وزوج من «الطوس» النحاسية، والتصفيق باليدين والضرب بالرجل على ظهر السفينة مع انشاد جميع من في السفينة أثناء قيامهم برفع الشراع، ويعزز النشيد من قوة وسرعة العاملين في رفع الشراع، ومن أبياته:

ألف صلي على النبي

محمد بن عمه علي

كوتية تستاهلين

عدة فرمن يديد

يالس على الفنة يربي القصر

متوكلين بالله في العز والنصر

الطرشة البحرية

ينشد هذا النشيد عند سفر الحاكم عن طريق البحر من مكان لآخر في حدود الإمارة أو زيارة إمارة أخرى، ويبدأ أحد الحاضرين بالشلة ويردد الباقون نفس الكلمات، حتى يركب الحاكم ولا يتم فيها استخدام موسيقى أو طبل، وتختلف النبرة في هذا النشيد بين كل إمارة وأخرى، ومن أبياتها:

راكبين سفينة طالبين الله

ريح ضربنا والعصر فات

ركبنا في خن لوشار

يوم النبي زار المدينة

دولة بحر من سابق لينا

وعمومتنا وكلنا التزمنا

الحدوة

في أيام الغوص وخلال خروج الرجال إليه منذ الصباح إلى ساعة الظهر في قاربهم من هير إلى هير، تؤدى أبيات الحدوة وتبدأ من احد الرجال بالنهمة ومن بعده المتواجدون في القارب، ولا يزيد عددهم على ستة أو اثني عشر، ومن أبياتها:

قاطع خور الجزيرة

قص رجلي الخالوف

كيف الفكر والحيلة

في الدرب وين أطوف

يا بوا الحكم في الديرة

تباشروا به ناس

من طير البنديرة

تم العدو جرناس

نهمة العاملة

وللصيد القصير نهماته التي أبدعها الأجداد، والتي تزيد من الحماس في بداية الرحلة وتنشر السعادة في نهايتها خصوصا في حالة الصيد الوفير، وتنتشر هذه النهمة في كل إمارات الدولة المعروفة بالصيد، ومن أبياتها:

دورت من الخلان ما ريت

ما صح صديقي غير الفلوس

تعز شانك وين ما جيت

ترفعك لوما هناك ناموس

الطبقة

وفي أوقات الشتاء تغني طيور النورس مع صيادي سمك العومة الذين ينشدون منذ الصباح إلى المساء، أبيات الطبقة التي يشير ارتفاعها من حناجر الصيادين إلى كثرة الخير والنجاح في صيد كميات هائلة من العومة في شبك اليل «شبك صغير كي لا تتسرب العومة منه وقت الصيد»، ولا يقل عدد الرجال عن ثمانية عشر ولكل طبقة أربع أو ست رجال لشدها.

يا حبيب القلب قله

وش بدا مني إليه

حسبوني ما وده

غضبوا قلبي عليه

رأس الخيمة ـ رباب جبارة