مساحة كافية مقتطعة من حديقة صغيرة وسط مباني مؤسسة دبي للإعلام، أرادها المنظمون من قسم المجتمع بالمؤسسة لأداء الغرض المنشود من وراء اللقاء الذي جاء على شكل حلقة نقاشية استضافت أبرز المختصين بالموروث الشعبي الإماراتي..

ومن أجل ذلك وفر القائمون على الحدث خيمة تراثية بامتياز، أدواتها من الماضي وأناقتها تشع بعراقة وأصالة تراث يكاد يلفظ أنفاسه لولا جهود الغيورين من أبناء البلد.

في تلك الخيمة كل شيء من الماضي ويتجاوز عمره عشرات إن لم نقل مئات السنين ـ بالتأكيد ذلك لا يشمل المتحدثين ـ الذين أضفوا على المكان بحسهم التراثي وشجنهم المرتبط بالآباء والأجداد طوعاً، مزيداً من الألفة والمتعة والانسجام مع التراث، فخرجت تلك الحلقة النقاشية على النحو الذي يؤهلها لأن تكون باكورة احتفال مؤسسة دبي للإعلام بمناسبة يوم التراث العالمي الذي يصادف نهار هذا اليوم من كل عام.

قبل البداية بساعات تواجدت مريم المر بن حريز ومعها طاقم عمل قسم المجتمع بمؤسسة دبي للإعلام لنسج اللمسات التراثية التي تليق بحجم المناسبة على كل ركن من أركان تلك الخيمة.

أو ربما ذلك المجلس الذي باح بغصة لا تغادر حلق الموروث الإماراتي في ظل انجرار الشباب وراء محدثات العولمة، تاركين وراءهم كل أسباب النجاح والتفوق التي أوصلت بناة اتحاد الإمارات وقادته إلى ما هي عليه إمارات العرب المتحدة.

كلمة قصيرة

الحلقة النقاشية التراثية بدأتها مريم المر بن حريز بكلمة قصيرة قالت فيها إن الهدف من هذا اللقاء الخروج بتوصيات ونتائج إيجابية وإيصال صوتنا إلى أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع.. قبل أن تتلو على مسامع الحاضرين مقولة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، «لقد ترك لنا الأسلاف من أجدادنا الكثير من التراث الشعبي الذي يحق لنا أن نفخر به ونحافظ عليه ونطوره ليبقى ذخراً لهذا الوطن وللأجيال القادمة».

عند هذا الحد أمسكت فضيلة المعيني رئيس قسم التحقيقات في صحيفة البيان زمام الأمور وهي تتولى إدارة تلك الحلقة النقاشية، وفي مقدمة حديثها عن المناسبة أكدت المعيني مقولة تاريخية مفادها من لا ماضي له فلا حاضر له ولا مستقبل.

ومن لم يكن معتداً بتراثه فخوراً بما صنعه أجداده، متمسكاً بسيرة السلف، يعيش على الخط الرمادي فلا أرضية صلبة قوية ينطلق منها ولا عنان يطاله.

مشيرة إلى أنه ومع هيمنة المدنية على مختلف تفاصيل حياتنا وتخلينا أحياناً عن عمد أو جهل عما ورثناه من الأولين، كدنا في بعض الأوقات أن نفقد الكثير من تراث أصيل وجميل، لولا الجهود التي بذلها السلف للحفاظ على هويتنا وتراثنا وحرص الغيورين من أبناء وبنات الوطن على حماية هذا التراث.

هيمنة المدينة

وتساءلت فضيلة المعيني عن الأسباب الكامنة وراء تراجع دور التراث الإماراتي وضياعه في خضم أمواج العولمة القادمة من كل اتجاه، فهل العيب فينا كأفراد أدرنا ظهورنا للماضي وقلبنا صفحاته باعتباره لم يعد صالحاً لمعطيات العصر ولا ينسجم مع خطوطه، أم أن الأمر تم رغماً عنا .

ومن دون أن نشعر وجدنا أنفسنا تائهين في بحر تلطمنا أمواجه يميناً ويساراً حتى أوشكنا على الغرق، أم هو في العصر المتسارع الخطى المنطلق نحو العالمية من دون أن تكون لديه دقائق لالتقاط الأنفاس، أم في خصوصية مجتمعنا الفريدة والمتمثلة في وجود هذا الكم من الثقافات والجنسيات ذابت بينها ثقافة المجتمع لتسحب بذلك البساط من تحت كل ما هو أصيل، وكيف السبيل إلى حماية التراث والمحافظة عليه حتى يظل أمانة نعمل المستحيل من أجل حميتها.

عند هذا الحد أنهت المعيني مقدمتها المشحونة بأسئلة تبدو إجاباتها حقائق مريرة يعيشها المجتمع الإماراتي في ظل تشبث الأجيال بمدخلات العولمة وتقلص مساحة الماضي من مخيلتهم.

أول المتحدثين في تلك الأمسية كان الشاعر والباحث سلطان خلفان بن غافان، الذي استهل مداخلته بأبيات شعرية مغناة على إيقاع شلة كان يؤديها الأولون بداية كل عمل يقومون فيه في البر أو البحر، قال فيها: ابتدينا بالله سمينا والخلايق كلها سمت.

وأضاف بن غافان أن جميع الدول تحافظ على عاداتها وتقاليدها وموروثها الشعبي عبر الأجيال التي تبقى عماد الوطن، لذا وجب المحافظة على الهوية الوطنية للتعريف بها لدى الناشئة والحفاظ على ما تركه الآباء والأجداد من موروث شعبي وشفهي، ويجب التوثيق والمحافظة عليه، لافتاً إلى أهمية أن يحفظ التراث عبر الوسائل المقروءة والمسموعة والمرئية.

وأن يتعرف عليه الجيل الجديد، علاوة على ما يوجد في المتاحف من معروضات تراثية التي لم يتعرف عليها العاملون في تلك المتاحف لأنها لم توثق توثيقاً صحيحاً ومفهوماً.

وأكد أهمية التعرف على المهن والحرف والمسميات والمادة التي صنعت منها والغرض من وجودها، مطالباً وزارة التربية والتعليم بأن ترسخ الموروث الشعبي في نفوس أبنائنا الطلبة من خلال المناهج الدراسية.

ومن خلال إصدار كتب منهجية تعنى بالتراث الإماراتي العريق الذي خلفه لنا الأجداد، وضرورة أن تحتوي على تراث البحر والبر والبادية والجبال وسكان الواحات.

آداب السلام

وشدد سلطان بن غافان على أهمية وجود برامج تعريفية تراثية تعرض عبر التلفاز ويقوم عليها المهتمون بالتراث بحيث يتم استضافة كل من له صلة بالموروث الشعبي، مع عدم إغفال دور المهتمين بالتراث في الميدان التربوي حتى تصل المعلومة بحذافيرها إلى الطالب وتترسخ في ذهنه ويعلم ماضي آبائه وأجداده.

مشيراً إلى الدور المهم للعادات والتقاليد في آداب السلام والمجالس والهوية الوطنية من خلال الملبس الشعبي وسرد حكايات وسير الأولين في مجال التعاون والتعاضد والتسامح.

ولفت بن غافان إلى ضرورة أن يقام أسبوع للتراث الإماراتي يشمل كافة إمارات الدولة من أبوظبي وحتى الفجيرة، وترصد له ميزانيات خاصة كل عام، وضرورة أن يضم هذا الأسبوع العديد من الفعاليات والأمور التي تخص التراث الإماراتي.

وأن تنقل فعالياته مباشرة عبر التلفاز والإذاعة، مع مشاركة طلبة المدارس في هذا الأسبوع بشكل فاعل، مطالباً كذلك بأهمية إيجاد مؤتمر تراثي شعبي يقام سنوياً وتحتضنه إمارة دبي، ويجمع تحت قبته مختلف القيادات التراثية على مستوى الدولة.

وحول الجمعيات التراثية أكد على أهمية دعمها حتى تتمكن من استقطاب الشباب وتعليمهم على أيدي كبار السن الحافظين لأمور التراث من حيث الأهازيج البحرية والبرية والعيالة والأهال وأمور البر والبحر وأهواله، وضروة تعيين ذوي الاختصاص من المهتمين بالموروث الشعبي لتدريس أنماط التراث الإماراتي في مدارس الدولة.

وفي ختام مداخلته، تمنى سلطان بن غافان على القائمين على هذه الحلقة التراثية إيجاد لقاءات وورش عمل تراثية تعنى بالموروث الشعبي وتسهم في ترجمة مقولة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من ليس له ماضي ليس له حاضر ولا مستقبل، مذكراً بقصيدة المغفور له الموجهة للشباب ومنها:

يا ذا الشباب الباني بادر وقم بجهود، لا تقلد الدلهاني لي ما وراهم زود، شم الوقت ان زاني واعمل شرى اليدود، وعسى شباب أوطاني يحظى بمجد وفود.

أما جمعة بن ثالث الباحث والمهتم فيما يخص الموروث الشعبي الإماراتي فركز في مداخلته على الجانب التربوي والتعليمي، حيث قال إن مناهجنا تفتقر كثيرا للأمور التراثية، ولا يجد الجيل الجديد ما يتعلمه فيها.

وأكثر من ذلك ففي بعض الكتب التي تدرس تجد كماً كبيراً من الأخطاء في المسميات والأشكال المرسومة وتلك طامة كبرى، متسائلاً لماذا لا يرجع القائمون على المناهج إلى أهل الاختصاص في جانب الموروث الشعبي، ولماذا لا تكون هناك جزئية وافية حول الموروث الإماراتي في المناهج التي يدرسها أبناؤنا.

وبعيداً عن المدارس أبدى بن ثالث تحامله على أولياء الأمور الذين لا يؤدون دورهم التقليدي في تعويد الأبناء على ممارسات أصيلة ضمن محور العادات والتقاليد.

حيث ان الآباء اليوم يحجمون عن حضور المجالس ومخالطة كبار السن بفعل انشغالهم في الوظيفة وماديات الحياة، وبالتالي فهم لا يملكون المقدرة أو حتى المبادرة لتعليم أبنائهم ثوابت التراث الأصيل، لا سيما في إقحامهم في المجالس وتعليميهم بعض الآداب النابعة من القدم.

أسرة السبعينات

خميس إسماعيل مدير قناة نور دبي، رأى أن العائلات الإماراتية تنقسم إلى عهدين، ما قبل الاتحاد وما بعده، ففي السابق اهتمت الأسر بالموروث الشعبي بحكم وجود الأسرة الممتدة والجد والأب والابن معاً.

فيما أسرة ما بعد السبعينات ابتعدت شيئاً فشيئاً عن الموروث بسبب الطفرة الاقتصادية ونتيجة لتقلص حجم الأسرة، لافتاً إلى وجود متطلبات كثيرة هذه الأيام، فالأب والأم يعملان والأبناء يستقون من ثقافة الانترنت والخادمة وغيرها.

وأكد إسماعيل أن الموروث الشعبي يكون إما معنوياً أو ملموساً، والملموس يتحدد في المواقع والأدوات، أما المعنوي فيتلخص في الثقافة والأدب والعادات والتقاليد والأعراف، وهنا يتحدد دور المؤسسات الإعلامية المختلفة في إنعاش هذا الجانب دائماً.

حيث توجد مبادرات كثيرة بذلت ولا تزال تبذل في هذا الصدد، رغم اعترافه بصعوبة الحصول على المعلومات التراثية وتوثيقها.

وذهب إسماعيل إلى أن الموروث الشعبي لا يمكن حصره في الغوص، إذ توجد ملامح أخرى كثيرة لا بد من التطرق إليها، لعل أبرزها الجانب المعنوي في ما يخص التراث، فالأبناء هذه الأيام تجدهم منشغلين في الانترنت والمولات والألعاب.

وبالتأكيد فهم لا يحبذون الذهاب إلى قرية التراث، وهم غير ملومين على ذلك، فالمدارس تبدو مقصرة في هذا الجانب إلى حد كبير، لأن الطفل يعتاد على ما نشأ عليه.

غيرة الأم

عند هذا الحد، جاء دور راية المحرزي الكاتبة في صحيفة البيان، والتي قالت إنها حريصة على التراث بأدق تفاصيله لأنها غيورة على الوطن الذي هو بمثابة أمها، وهل يوجد أحد لا يحب أمه كل الحب، مشيرة إلى أهمية الوسيلة الإعلامية أولاً وأخيراً في إيصال رسالة الموروث الشعبي وغرسها في نفوس الأبناء.

وتطرقت المحرزي إلى أهيمة التشبث باللغة العربية كلغة رسمية فهي أداة مهمة في حفظ التراث وصونه من الضياع وبالتالي مخاطبة العولمة على النحو الذي يليق، مشيرة إلى أن الأبناء هذه الأيام لا يجيدون التحدث بالعربية.

ومعلوماتهم العامة حتى عن دولة الإمارات ضعيفة للغاية، وفي إحدى المرات سألت طالبات إحدى الجامعات عن وزير خارجية دولة الإمارات ولم تعرف واحدة منهن الإجابة، وتلك مصيبة كبرى.

ورأت المحرزي أن المنزل يظل أولاً وأخيراً المؤسسة التي تخرج أبناء قادرين على التعايش مع موروثهم الشعبي العريق، وأن الأب لا بد أن يحدث الترابط الإيجابي بين أبنائه ويحثهم على التعلق بالعادات والتقاليد.

بدلاً من السعي المفرط بحثاً عن المال والوظيفة، فأولادنا أمانة ولا بد أن يعي الجميع ذلك، وهم اليوم يجهلون مواقع كثيرة على خارطة الإمارات، وتجدهم بعيدين كل البعد عن المصطلحات التراثية الأصيلة.

أسيرة الموضة

غير ذلك تطرقت راية المحرزي إلى مسألة الزي الإماراتي التقليدي والمحتشم، المتمثل في العباية والتي أصبحت اليوم وللأسف محل تصاميم وأسيرة الموضة، وقد فقدت بذلك مغزاها من الاحتشام، لافتة إلى أن بنات اليوم يفضلن الزواج بفستان «الشرع» الذي لا تقل تكلفته عن 10 آلاف درهم.

وقد تناسين لباس الزواج التقليدي وتعالين عليه، وهو لباس الحشمة والأصالة، وهي شخصياً زوجت اثنتين من بناتها ولم تقبل إلا بالزي التقليدي.

وفي جانب التربية والتعليم قالت المحرزي إن المشكلة تكمن في واضعي المنهاج الذي يدرسه الطلبة، الذين يكونون في الغالب من غير المواطنين، ونحن نقول أهل مكة أدرى بشعابها، ونريد للكفاءات المواطنة أن تأخذ لنفسها مكاناً في ذلك وتبادر إلى وضع مناهج تعليمية من وحي التراث والأصالة.

مهم جداً بنظر المحرزي أن تؤدي المرأة دورها في المجتمع، لكن الأهم أن تلم بحيثيات موقعها داخل البيت، فالشباب هذه الأيام يبدو ضائعاً مشتتاً يتجاذبه البلاك بيري والانترنت، لا يجد من يأخذ بيده بعيداً عن آفات تقبلناها .

كما هي دون أن نعي خطورتها، وبحكم غيرتها المطلقة على الإمارات وأبنائها، فهي لن تتردد يوماً في تقديم النصح والإرشاد وربما التأنيب لشباب لا يحسنون التصرف في مواقف مختلفة، وذلك قد يكون متقبلاً في حال أتي بالحسنى.

الجدة والخادمة

وأوضحت المحرزي أن مجتمع الإمارات يضم 232 جنسية من مختلف الثقافات والأعراق، وذلك الواقع أتى بسلبية ملحوظة على ثوابت هي من صميم الموروث الشعبي ومن وحي العادات والتقاليد، لافتة إلى أن المربية الأساسية هي الجدة وليست الخادمة، وهذه الأخيرة أثرت سلبياً على تنشئة الأبناء وعلى العلاقات الاجتماعية، حتى صار الابن ينادي أباه باسمه، فأين ذهبت العادات والتقاليد..

بالتأكيد لن تصمد في وجه محدثات كهذه، لذا صار حتماً على الجميع الإيمان المطلق بدور الأسرة والتربية والتنشئة السليمة، فالرجال تأتي بالمال والمال لا يأتي بالرجال.

تعليم الطبخ

نورة سيف مديرة مدرسة أم سقيم في دبي، أكدت في حديثها عن الموروث الشعبي أن المدرسة تعتمد منهاج وزارة التربية، والمناهج فقيرة جداً في جانب الموروث الشعبي، إلا أن مدرستها تمكنت من كسر الرؤية المفروضة من الوزارة من خلال إقحام الموروث في مختلف أركان المشهد التعليمي.

ففي كل صباح تستمع الطالبات بعد النشيد الوطني إلى واحدة من مقولات المغفور له الشيخ زايد، فالطفل الصغير رضع في تلك المدرسة حب زايد والوطن منذ الصغر.

وأضافت أن المدرسة تضم صالة رماية للطالبات وفيها نادٍ للفروسية وركوب الخيل، إضافة إلى نشاطات لا صفية كثيرة جداً، كما وتتوفر حصة أسبوعية مدتها ساعة وتتبنى أنشطة تغرس حب الوطن وتنمي حس الهوية الوطنية في النفوس، علاوة على وجود حصة لتعليم الطبخ للطالبات وأخرى لتعليم الخياطة.

مشيرة إلى أن النتائج من وراء كل تلك الفعاليات تبدو واضحة وملموسة، حيث تمكنت المدرسة من غرس المبادئ والقيم الموروثة رغم كم التحديات الخارجية والثقافات والصراعات الكثيرة.

أما عائشة خليفة المشوي المرشدة السياحية في إدارة التراث بالشارقة، فتحدثت عن أيام الشارقة التراثية التي تعكس الموروث الشعبي، وتعد رئة يتنفس بها كل زائر من عبق الماضي، فالكبار يسترجعون بها ذكريات القدم والأصالة.

والشباب والمراهقون يتعلمون منها ويكتسبون أشياء جديدة، لافتة إلى أن أيام الشارقة التراثية تعكس أربع بيئات هي البدوية والزراعية والبحرية والجبلية، وكل بيئة تحتضن عادات وتقاليد خاصة سواء كانت مادية أو معنوية، حيث توجد أهازيج وأكلات وعادات موروثة لكل بيئة.

وتنفرد أيام الشارقة التراثية بتوفير مجلس الأيام الذي يتحدث عن الماضي ويروي ويسرد القصص والبطولات والأهازيج كما توضح المشوي، إضافة إلى وجود فرق شعبية مختلفة، وأكلات شعبية عديدة.

متحف عجمان

علي محمد المطروشي مدير متحف عجمان، أكد أن المتحف يقدم صورة مجسمة عن الماضي، ومتحف عجمان وجد بجهود إبراهيم محمد صالح وكان ذلك نهاية الثمانينات حتى أصبح اليوم ذا مكانة على مستوى الدولة.

والسبب يكمن في المعروضات التي يحتويها، فالسائح حينما يأتيه يشاهد صورة وافية عن الماضي وذلك بمرافقة مرشد سياحي يفسر للزوار كثيراً من المقتنيات التي يضمها.

أما الإعلامي كفاح الكعبي فأشار إلى أهمية التركيز على توسيع آفاق الجيل وتعميق معرفتهم بالتراث وأصالته.

آخر المتحدثين كان المذيع والإعلامي راشد الخرجي، الذي تصادفت مداخلته مع وقت الصلاة، فلجأ إلى مثل يقول «شاردة ولقت منحدر»، إلا أنه اضطر إلى الإجابة عن سؤال وجهته إليه فضيلة المعيني التي أدارت تلك الجلسة، فأجاب أن الإعلام اليوم ربما لا يؤدي الدور المطلوب منه تماماً في جانب الموروث الشعبي، رغم وجود مبادرات كثيرة ونوعية في الفترة الماضية.

وفي النهاية يبقى التراث بحراً عميقاً وغزيراً وكلما خاض فيه الشخص يجد نفسه مبتعداً، حيث توجد لدينا بيئات كثيرة، ولكل فريج لهجة ومسميات فما بالك بالإمارات عامة.. أنا أرى أن التراث بحر عريض ويجب التدقيق فيه والتأني لصالح إبرازه على النحو الأكمل.

عند هذا الحد كان ختام الحلقة النقاشية التراثية، حيث أكدت مريم المر بن حريز مدير قسم المجتمع في مؤسسة دبي للإعلام أنها تؤمن على الدوام أن القضية التي تطرح من قبل وسائل الإعلام تظل الأنجح بكل تفاصيلها، فالوسيلة الإعلامية تملك الرسالة الأسرع في الوصول إلى جمهور عريض، ونحن في مؤسسة دبي للإعلام نأمل بأن نظل ناقلين لمثل هذه الرسائل الهادفة والمتميزة.

وفي النهاية تم دعوة المشاركين في الجلسة النقاشية من أجل تكريمهم، ومثلما كانت البداية جاءت النهاية، حيث حرص سلطان بن غافان على وداع الجميع بغناء الشلة فغنى واحدة بعنوان دبي وأخرى عن المدايح.

متحف عجمان يلقى إقبالاً من الطلاب

وصف علي المطروشي متحف عجمان بأنه مدرسة تبرز الموروث الشعبي وتعلمه للآخرين في مختلف جوانب الحياة القديمة المعاشة، وهو يلقى إقبالاً من طلبة المدارس التي تنظم رحلات متكررة إليه، والمؤسف في هذا الأمر أن طلبة المدارس الأجنبية يأتون إلى المتحف لغرض دراسي، يحملون الورقة والقلم ويسألون عن تفاصيل كثيرة.

حيث تكون رحلتهم على شكل اختبار جدي وتراهم يسألون بعد الزيارة، على عكس طلبة المدارس الحكومية الذين يأتون إلى المكان ربما هرباً من الحصة، فلا يأبهون للزيارة والاستفادة إطلاقاً، وفي بعض المرات يخرجون من المتحف.

وقد أتلفوا بعض محتوياته وذلك أمر محزن، ونحن نطالب إدارات المدارس والمناطق التعليمية إعادة النظر في هذا الجانب لجعل مثل هذه الزيارات مجدية معرفياً.

وعلى الأقل فليفعل طلبتنا ما يفعله نظراؤهم الأجانب، خاصة وأن الموروث الشعبي يخص بالدرجة الأولى الطلبة المواطنين الذين من المفترض أن يظلوا الأقرب والأجدر بحفظه وصونه والإبقاء عليه في خانة الأمان من متغيرات العصر ومدخلات العولمة التي على ما يبدو سرقت انتباه الكثيرين بعيداً عن ملامح التراث والأصالة.

انشغال الوالدين بالماديات

خالد الحوسني نائب رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات لحماية المستهلك أكد أن انشغال البيت وتحديداً الأب والأم عن الأبناء، أفقدهم الرغبة في تعلم ما يعنيهم من التراث والماضي.

وقد أصبح الجميع يسعى وراء الماديات تاركاً العادات والتقاليد جانباً، ومجتمع دولة الإمارات عامة أصبح مبتعداً عن ماضيه، والحاصل للأسف أن هم الآباء الأول والأخير ينحصر في تأمين المتطلبات المادية وحسب، وذلك بلا أدنى شك أوصلنا إلى ما نحن عليه الآن.

مبادرات تربوية لتعزيز الموروث

فيما بدت آراء المجتمعين سلبية نسبياً تجاه دور وزارة التربية والتعليم في انحسار مساهمتها في العناية بالموروث الشعبي وغرسه في عقول وقلوب الطلبة، وتعويدهم على قيم وسلوكيات راسخة بمسميات كثيرة رشحت عن دور إيجابي أوجده أجدادنا وأباؤنا الأولون.

ورغم ذلك كله إلا أن الباحث والمؤلف الإماراتي جمعة بن ثالث أكد وجود بوادر إيجابية في هذا الجانب، فوزارة التربية وهيئة المعرفة في دبي بادرتا مؤخراً إلى طلب المساعدة في تقديم مبادرات توبوية تراثية في المدارس، لا سيما بعد صدور كتابي «معجم المصطلحات البحرية» و«رجال الغوص واللؤلؤ».

وأضاف أنه وبحكم موقعه في جمعية الإمارات للغوص فهو يتفاعل إيجابياً مع زيارات طلبة المدارس، وفي كثير من المرات يوفر لهم دروساً نموذجية حول حياة أهل البحر قبل 90 عاماً وأكثر، تكون على شكل معلومات واختبارات جادة للطلبة.

وهو ما يلقى اهتماماً من كثير من الطلبة، مبدياً في الوقت نفسه عتبه على وزارة التربية لتغافلها عن دورها الأقوى في إيصال الرسالة التراثية للأبناء والإبقاء عليها راسخة في نفوسهم إلى أبعد الحدود.

التعامل مع التراث

اعتبرت عائشة خليفة المشوي أن التعامل مع التراث بشكل عملي وملموس أهم بكثير من مجرد تدريسه أو مشاهدته، ففي البيت يجب أن تتوفر أدوات التأسيس في هذا الجانب، ويجب إشراك الأبناء في ما يعنى بالعادات والتقاليد والتراث.

وفي جانب الرحلات الترفيهية فإنه من الأفضل أن تعمل الأم بيدها وتعد كل شيء بدلاً من الاعتماد على البشكارة، وذلك من شأنه أن يحفز الأطفال على المشاركة وبالتالي تعويدهم على ذلك في المستقبل، وهو ما يبقيهم قريبين من أدوات الموروث الشعبي.

تغطية ـ عنان كتانة