بين الأمس واليوم شعرة، وليس اليوم كالأمس، فكل شيء فيه قد سرقنا نحو التكنولوجيا والحياة السريعة، بين الحاضر والماضي حكايات كثيرة نشم فيها رائحة الأجداد .

ومن سبقهم، ورغم البعد بينهما إلا أننا نحاول التشبه بهم وبأخلاقهم وبكل ما تركوه لنا، وعلى هذا النحو تحاول أيام الشارقة التراثية التي تقام في حضن الشارقة القديمة، التي ما زالت تفوح برائحة الأجداد أن تبين لنا، بأن المسافة بين الماضي والحاضر عبارة عن لحظات تزيد أو تقل ليس مهما. لم أكن أتخيل للوهلة الأولى ماذا يجري خلف سور قرية الشارقة القديم، حيث يقع سوق العرصة وبيوت تجار وأعيان الشارقة المعروفين والسكك الضيقة، وللوصول إلى هناك كان علينا العبور من احدى البوابات القديمة التي تمثل الفتحات الوحيدة في السور الذي يأخذك في رحلة عميقة إلى الماضي.

في الطريق إلى ساحة الفعاليات الرئيسية، كان لا بد من المرور من أمام جمعية المسرحيين ومسرح الشارقة الوطني وغيرهما من مقرات الجمعيات التي كانت في السابق بيوت لأناس عاشوا طويلا في ذات المكان. حيرة البدايةما إن دخلنا ساحة الفعاليات الرئيسية حتى احترنا من أين نبدأ، فالمكان مليء بالنشاطات والفعاليات المختلفة التي أعادت الحياة له من جديد، في تلك الأثناء كان مجلس الأيام الذي انشئ ضمن الإبداعات الثقافية للدورة الثامنة لأيام الشارقة الثقافية، لاحتضان مجموعة من الندوات التي تتناول مواضيع تراثية مختلفة بمشاركة عدد من الخبراء، قد شهد حركة كثيفة وحلقات ضمت عددا من الشواب، وما هي إلا لحظات حتى انطلق منه صوت جهور بدأ بإلقاء شعر نبطي جميل.

على جانبي المجلس توزعت العديد من الأكشاك التي حملت نمطا تراثيا بحتا، وقد شغلتها العديد من المؤسسات الحكومية المعنية بحفظ التراث، مثل إدارة متاحف الشارقة، وإدارة المنشآت الإصلاحية والعقابية في أبو ظبي.

والتي عرضت العديد من المشغولات التي صنعها نزلائها، كما احتلت جمعية الإمارات للتصوير الضوئي أحد هذه الأكشاك لعرض بعض الصور التراثية، وكذلك جمعية الفنانين التشكيليين التي قدمت عددا من اللوحات التراثية.

الفرق الشعبية

في وسط الساحة وقفت إحدى الفرق الشعبية لتقديم عروض مختلفة من الفن الشعبي الإماراتي، وكان صدى صوت أعضائها يمتزج مع أصوات أولئك الشبان الذين وقفوا بالقرب من شراع أبيض كبير، وقد تحلقوا حول طبولهم يلبسون الأزر وردية اللون، مرددين أنغام أهل البحر ومذكرين بليالي الصيد والغوص.

في تلك الزاوية اجتمع كل ما يخص البيئة البحرية، فكل واحد من المشاركين كان يعرض واحدة من مهن البيئة الساحلية مثل فلق المحار، وصناعة المالح، وخياطة الشراع، وصيد السمك، وصناعة السفن وغيرها الكثير، ومقابل تلك الزاوية أقيم بيت العطار، الذي شهد تجربة حية للحجامة يؤديها الحجام يوسف المطلعي.

وبالقرب من بيت العطار بدت البيئة الزراعية واضحة، حيث عرضت فيها نماذج واقعية تبين تجربة الفلاح الإماراتي في الزراعة، وفي ذات المكان كان الوالد علي شعرون من منطقة شمل في رأس الخيمة منهمكا في تنظيف الأرض تحت أشجار النخيل باستخدام «الكربه» و«العتلة»، مع اقترابنا منه تبين لنا بأنه مزارع ويمتلك مزرعة في رأس الخيمة .

وأنه جاء إلى الشارقة مع أبنائه الذين كانوا يعملون معه في ذات المزرعة بهدف تعريف الزوار على طبيعة البيئة الزراعية في الإمارات، وكيفية الاهتمام بها. تركنا علي مشغولا بشجره وبمزرعته النموذجية، لننتقل إلى البيئة الجبلية التي عرضت فيها نماذج مختلفة للبيوت الشعبية مثل بيت القفل والزرب والرحي والصفة، والتي كانت قديما مأوى لأهالي الجبل أو من يسكنون بالقرب من الجبال.

حكاية القلادة

جلس الوالد خميس عبيد، وهو من شمل في رأس الخيمة، حيث كان مشغولا بصناعة قلادة الحبال وفق الطريقة القديمة، اقتربنا منه وجلسنا بجانبه حيث تبادلنا أطراف الحديث حول مهنته التي احترفها منذ أن كان صغيرا ومن ثم شب عليها، في حديثه قال لنا الوالد خميس «شجرة النخيل ما يضيع منها شي»، فنحن نأكل ثمارها.

ونستفيد من ليفها وجريدها وحتى جذعها، وأخذ يشرح لنا طريقة استخراج الدبس من التمر القديمة، وفي تلك الأثناء كان كثير من الزوار صغارا وكبارا بعضهم من المواطنين والبعض الآخر وافدين قد عرجوا علينا، وكلهم كانوا أذانا صاغية يستمعون للوالد خميس حول مهنته، إحدى الأمهات المواطنات حاولت أن تشرح لابنها طريقة عمل الحبال القديمة.

وكانت تؤشر بيدها على الوالد خميس والطريقة التي يمسك فيها الخيوط ويلفها بيديه، بالفعل لقد كانت تجربة ووقتا جميلا مع الوالد خميس الذي ودعنا مبتسما ومسلما.

نار التنور

من هناك عرجنا على بقية النماذج وأبرزها التنور الذي وقفت بقربة احدى السيدات اللائي كن يخبزن باستخدام التنور، كانت تحاول جاهدة أن تبين كيفية استخدام التنور وطرق الهروب من النيران المشتعلة بداخله.

في حين تحلق عدد من الرجال حول ساحة الينور يعرضون الطريقة القديمة في فصل حبوب القمح، في ذات المكان صدحت أصوات بعض الشبان الذين وقفوا في صف واحد يتحركون بطريقة واحدة ويقدمون أهازيج أهل الجبل.

ومن هناك أخذتنا الخطوات إلى البيئة البدوية التي تعرفها من بيوت الشعر الكبيرة التي نصبت في ذات المكان، حيث عرضت أمامها بعض الحرف والمهن البيئية اليدوية، في ذات الوقت كان عازف الربابة يطرب كل من أقترب منه، مرددا ألحاناً بدوية خالصة.

من هناك توجهنا إلى سوق المريجة التراثي، والذي ضم محلات كثيرة تعرض فيها شتى البضائع المختلفة من عطور وبخور وملابس للصغار والكبار، وكذلك بعض المشغولات اليدوية وغيرها، أروقة السوق كانت مليئة بالزوار، بعضهم بدا مشغولا بالبيع والشراء، والبعض الأخر كان حاضرا لمجرد النظر فقط.

وفي نهاية السوق وضعت يافطة كبيرة كتب عليها «درب الطيبات»، والذي خصص لتقديم أنواع مختلفة من المأكولات الشعبية مثل الهريس والثريد واللقيمات وغيرها، وعلى طرف المدخل نشط بعض الشباب بصنع الحلويات العمانية في عرض حي أمام الزوار، حيث سيطرت على المكان رائحة الحلوى الجميلة.

مقهى المريجة

قبل الدخول إلى جناح المعارض والمزادات عرجنا على مقهى المريجة للاستراحة وشربنا فنجانا من القهوة العربية، وقد وجدناه الأفضل حيث يعطيك الفرصة لمتابعة كل ما يجري في الساحة الرئيسية، في هذا المقهى اجتمع عدد من المثقفين والمهتمين بالتراث، وكذلك عازف عود أصر على تقديم ألحان مختلفة لبعض الأغنيات القديمة.

وبالقرب منه كان بعض الأطفال يتسابقون للوصول إلى المسرح لتقديم ما يعرفونه من فقرات تراثية سواء برقصة اليولة أو إلقاء الشعر النبطي أو قصائد تراثية مغناة، ومن بينهم برزت طفلة صغيرة ارتدت الزي التراثي وتزينت بقلائد الذهب على صدرها ورأسها، ووقفت أمام الجميع لتقديم أغنية «حب الوطن».

جناح المعارض

مع آخر رشفة في الفنجان، تركنا طاولتنا متوجهين إلى جناح المعارض والمزادات، والذي ضم عددا كبيرا من ساعات اليد القديمة، والطوابع البريدية إلى جانب أعداد من صحيفة الأهرام المصرية تعود إلى سنوات 1969 و1970.

وقد أوردت فيها مقابلات مع الشيخ زايد آل نهيان رحمه الله، والشيخ خالد بن محمد القاسمي رحمه الله، وأخبار متفرقة عن إمارتي الشارقة وأبو ظبي، أما في صرف الغوازي فقد عرضت صور نادرة للشيخ خالد بن محمد القاسمي رحمه الله، وكذلك الشيخ زايد آل نهيان رحمه الله، وصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، وغيرها من الصور.

توقفنا طويلا في هذا المعرض وبخروجنا، منه كان لا بد من توديع المكان تمهيدا للعودة إلى حياتنا الحالية على أمل اللقاء به مرة أخرى.

أنشطة ثقافية وترفيهية ومعارض

تحت رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للإتحاد حاكم الشارقة نظمت إدارة التراث بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة الدورة الثامنة لأيام الشارقة التراثية، تحت شعار «تراثنا أمانة» في إمارة الشارقة ومدنها الحمرية، والذيد، وخور فكان، وكلباء، ووادي الحلو، ومليحة.

وتعتبر الأيام التراثية التي تقام سنوياً تظاهرة تراثية ثقافية للاهتمام والاحتفال بالتراث، كما تمثل أيام الشارقة التراثية وجها حيويا من وجوه التراث الثقافي الإماراتي، بما توفره من مناخ مناسب لجميع الزوار وخبرات تمكنهم من استكشاف جماليات حياة الماضي عبر أنشطة متعددة تلبي تطلع الكثيرين من أبناء الإمارات نحو الحفاظ على العادات والتقاليد الأصيلة والموروث الشعبي الإماراتي، ذلك لما تشمله من فعاليات وأنشطة ثقافية وترفيهية.

وفيها تسترجع الشارقة تاريخ الأجداد حيا وناطقاَ في المواكب التراثية، ومعارض الحرف الشعبية ومجالس الشعراء والعرض الحي للبيئات في الدولة، إضافة إلى الألعاب الشعبية والمقاهي والمطبخ الشعبي والأستوديو التراثي.

الشارقة - غسان خروب