إذا كان منظر الخفافيش المعلقة رأساً على عقب من أسقف الكهوف قد يبعث الخوف في نفوس البعض، فإن منظرها وهي جيف متحللة مكتسية بفطريات غريبة ومتناثرة في كل مكان في أنحاء الكهف، لا شك سيثير خوف الكثيرين وبخاصة علماء الحياة البرية، الذين صدمهم تحول الكهوف التي تأوي إليها الخفافيش إلى مقابر جماعية لهذه الحيوانات.

والمشكلة الحقيقية ان هذا المشهد يتكرر في مختلف الولايات الأميركية الشرقية من فيرمونت إلى وست فيرجينيا، على نحو يقرع ناقوس الخطر بأن خفافيش أميركا تعاني من كارثة حقيقية يقف وارءها قاتل خفي غامض يهدد وجودها.

وظهرت أول إشارة تحذير في فبراير 2006، عندما التقط أحد هواة استكشاف الكهوف صورة لخفافيش هاجعة في حالة سبات بينما تغطيها مادة فطرية بيضاء داخل كهف هاوز في ألباني، بولاية نيويورك.

وبعد ذلك بفترة وجيزة، رصدت خفافيش تتصرف بطريقة غريبة وتستيقظ من سباتها باكراً وبحالة جوع شديدة. حتى ان بعضها خرج من أعشاشه نهاراً بحثاً عن الطعام. وداخل الكهوف، كانت جثث الخفافيش مترامية هنا وهناك على الأرض، ومعظمها يحمل علامات الفطريات البيضاء على الأنف والأذنين والأجنحة. وحتى الآن نفق أكثر من نصف مليون خفاش، بهذا المرض الذي يدعى بمتلازمة أو عارض الأنف الأبيض.

واستطاع العلماء أخيراً اكتشاف نوع الفطريات المتورط في هذه الأزمة، وهو «جيومايسيس دستروكتانز»، والذي يعتبر المتهم الرئيسي الذي تدور حوله الشبهات وتجرى حوله الأبحاث. وبرغم ذلك يبقى هناك احتمال بأن تلك الفطريات ليست هي القاتل الحقيقي وانما مجرد كائن انتهازي يمتطي كائناً قاتلاً آخر مجهول الهوية إلى الآن.

والمعروف إلى الآن هو انه حالما يظهر هذا النوع من الفطريات في أي كهف، فسيموت على الأرجح 80 إلى 100 بالمئة من الخفافيش الهاجعة هناك في حالة سبات. والأدهى من ذلك ان تلك الفطريات آخذة بالانتشار والزحف بشكل مستشرٍ في أنحاء أميركا الشمالية. وفي فبراير الماضي، تم تأكيد أول حالتين في ولاية تنيسي.

وهو أمر «يرعب الجميع في الأوساط المهتمة بالخفافيش»، كما تقول إيما تيلينج بجامعة كوليدج دبلين الأيرلندية.

والدلائل القليلة التي تركها المرض القاتل وراءه حتى الآن تقدم صورة مربكة ومحيرة للعلماء، إذ لا يعرف أحد إلى الآن من أين مصدر الفطريات، التي تعتبر المتهم الأول، أو لماذا تختار مثل تلك البيئات الباردة في الكهوف، على غير عادة الفطريات عموماً.

ومن النظريات المطروحة ان تلك الفطريات تقتل الخفافيش بشكل غير مباشر، عن طريق تخريب أنماط سباتها. فعندما تدخل الخفافيش في حالة سبات، فهي لا تستيقظ عادة إلا مرة كل 15 إلى 30 يوماً لتتبول وتشرب وتتزاوج.

لكن الخفافيش المصابة بمرض متلازمة الأنف الأبيض تستيقظ كل 3 إلى 4 أيام، وهذا يستنزف احتياطي الدهون في أجسامها على نحو خطير، مما قد يفسر تحلل جثثها بسرعة. ومما يزيد الأمور تعقيداً حقيقة ان الخفافيش تعمد إلى تثبيط جهازها المناعي خلال السبات.

ويكثف الباحثون جهودهم الآن لفك الأسرار الجينية للفطر «جي دستروكتانز»، على أمل أن يتمكنوا من مساعدة الخفافيش في محاربة المرض. ولقد وصلت كريستيينا كومو وزملاؤها بمعهد برود في كامبريدج إلى منتصف الطريق في استكمال سلسلة الجينوم الكامل للسلالة الأميركية من فطريات «جي ديستراكتانز».

وهو ما سيتيح قريباً وضع «قائمة بالمكونات الجينية الكاملة، ومحاولة فهم كيفية تسببها بمرض الخفافيش، كما قالت كومو في حديث مع مجلة «نيو ساينتست».

ومن الشخصيات المؤثرة في هذه الأبحاث عالم الأحياء الدقيقة ديفيد بليرت، من المركز الأميركي الوطني لصحة الحياة البرية، والذي اكتشف هذا النوع المحدد من الفطريات في 2008 وطور الآن اختباراً جينياً رخيصاً وسريعاً للكشف عن الفطريات في العينات المأخوذة من الخفافيش.

وبينما يواصل بليرت وغيره من الباحثين استكشاف الكائن الممرض، يعمل باحثون آخرون من أجل إنقاذ الخفافيش نفسها على أرض الواقع. فلقد أنشأت حديقة الحيوانات الوطنية في رويال بولاية فيرجينيا أول برنامج لاستيلاد خفافيش فرجينيا المهددة بالانقراض في الأسر، كنوع من الخزان الحيوي الاحتياطي في حال أباد مرض عارض الأنف الأبيض كل أعداد الخفافيش الموجودة في الحياة البرية بالولاية.