عبر الطريق السياحي الذي يتفرع من طريق الشرق امتدادا من مدينة الفجيرة، ويمر من مسافي وما يجاورها من قرى ومناطق، وعلى بعد 55 كيلومترا عن منطقة الطيبة شمالا، يقع طريق العيينة - الطيبة.
حيث يتوسط الطريق مجرى وادٍ تصطف على جانبيه أشجار السدر والغاف والشوع برائحتها الشذية متوسدة التاريخ، فكانت هذه المنطقة توصف منذ زمن بعيد بجبالها الشاهقة التي يصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من 3500 متر فوق سطح البحر. وكان «للبيان» رحلة استكشافية في أجواء الطبيعة البكر في إمارة الفجيرة.تعد هذه المنطقة واحدة من أجمل المناطق على الإطلاق، وتعتبر متنزهاً بريا وسياحيا للسياح الأجانب وأهالي المنطقة الذين يعبرون عبر الوادي وصولا إلى منطقة «الحلاة» في دبا الفجيرة، خصوصا خلال فترة سقوط الأمطار. وتشتهر هذه المنطقة بكرم أهلها وجمال طبيعتها، فجبالها المتزينة بشجر السدر والأعشاب والنباتات البرية كالحنظل والضرم واليعده. ناهيك عن الزراعة فيها، حيث كانت معظم أراضي المنطقة مزارع كان يزرع فيها اللوز والمانجو والنخيل والسدر.
حواجز للزراعة
ومن مشاهدات هذا الوادي كونه متنزه بريا حيث حباه الله طبيعة خلابة وطقسا معتدلا على مدار العام، وسط مئات المزارع الخضراء.
حيث استغل الأهالي تضاريس المنطقة في عمل حواجز زراعية على منحدرات الجبال يراها المقبلون على المنطقة لوحة جميلة غاية الروعة والإتقان. كما تتدفق فيها شلالات الماء في موسم الأمطار بكثافة.
وتشتهر بإنتاج أجود أنواع العسل حيث تكثر فيها المناحل. وفيها أيضا معالم أثرية لمنازل مازالت شاهدا على عبق الماضي العريق وأصالته وأيضا الآبار القديمة المبنية من الحجارة والطين.
منفذ عريق
هذا بالإضافة إلى أهم جزء من رحلتنا الاستكشافية على طريق الطيبة - العيينة، سطر من كتاب كبير سجلته الأيام لهذه المنطقة التي باتت خالدة في ذاكرة الفجيرة. فهذا الطريق كان قبل عقود مضت المنفذ الوحيد الذي تستطيع أن تتنقل فيه ما بين مناطق مسافي لغاية دبا.
وظل الطريق لثلاثة عقود محافظاً على خصوصيته وتميزه قبل أن يقفل وينتهي دوره نهائيا وصار مجرد شارع قديم؛ ولكن تبقى نكهته وأصالته التي جعلت منه عبقاً يتنفسه أهالي الفجيرة والساحل الشرقي ويتذكرونه بكل وفاء رغم أنه لم يتبق منه إلا الأطلال، ولايزال كبار السن الذين عايشوا بدايات المنفذ البري يتذكرون بأسى، كلما عبروا الشارع واصطدموا بما آل إليه من ضياع ونسيان وأصبح مقصدا للسياح والمتنزهين فقط، دون أن تصله يد التطوير أو الاهتمام من الجهات المختصة.
مسماه وحدوده
وعن هذا الطريق وأهميته قال أحمد بن علي العبدولي مؤسس متحف الطيبة الأثري: كان الطريق الحيوي الوحيد الذي يربط القادمين من مسافي من زوار وأهالي المنطقة إلى دبا آنذاك، وهو طريق قديم جدا وضيق يمر عبر مجرى وادي رئيسي يصب ابتداءً من منطقة الطيبة وصولا إلى دبا.
لافتا إلى أنه في أواخر الستينات قام البريطانيون برصف الشارع وتسويته بمساعدة أهالي المنطقة بهدف مرور سياراتهم اللاندروفر ومدرعاتهم. إلا أن تعبيد الطريق رسميا جاء بتوجيهات من الشيخ محمد بن حمد الشرقي ؟ رحمه الله- في السبعينات تسهيلا لتنقل الناس والشركة التي كانت تقوم بتعبيد الشارع الجديد «مسافي ؟ دبا الحالي».
وكان أول شخص يمر عليه بسيارته. لافتا إلى عبور الكثير من الشيوخ - رحمهم الله - أمثال الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم والذي وجه ببناء شعبية سكنية للأهالي بالطيبة حينها، وكذلك شخصيات بارزة في التاريخ والآثار والزوار. موضحا أن الشارع يحمل اسماً محلياً منسوبا لما يجاوره من منطقتي الطيبة والعيينة، وعليه اكتسب هذا الاسم.
جمال البساتين
وفي حديث متصل يقول أحد المهتمين بتاريخ المنطقة، المواطن راشد الذخيري من مواليد دبا عام 1955، إن الشارع كان في السابق أكثر أهمية باعتباره المنفذ الوحيد الذي يوصل الناس إلى منطقة دبا مباشرة ولا زال كذلك حتى أواخر السبعينيات، حيث كان ضيق جدا وغير معبد رسميا وبمسار واحد فقط سواء للقادم أو المغادر، وكان وسيلة التفاهم للسائقين في فترتي الصباح والمساء عبر بوق السيارة بغية الانعطاف.
ويعتبر منعطف «قرن ضباع» أشهر المنعطفات أو الرجوع والسماح لمرور المركبة الأحق بالعبور اتفاقا ما بين الأطراف، أما في الليل فبالإشارة الضوئية.
مشيرا إلى أن الشارع تطل عليه من الجانبين بساتين مسورة، إلى جانب شبكة من الطرق المؤدية إلى كل القرى المحيطة بالوادي انتهاء إلى دبا. لافتا إلى أن السيارات الصغيرة «الصالون» لا يمكن أن تمر من هذا الطريق، لذا كانوا يأخذون سيارة كبيرة « دفع رباعي» من مسافي، أو ينتظرون إحدى السيارات المارة لتوصيلهم إلى منازلهم أو أي منطقة تكون في هذا الطريق.
مشيرا في الوقت ذاته إلى أن الإذاعة البريطانية التي كان أثيرها يذاع في الشارقة لديها خدمة الإعلان للخارجين بسياراتهم من أبوظبي ودبي ومناطق أخرى بعيدة في اتجاهها ذهابا إلى دبا والمناطق الشرقية بتحديد أسماء مالك و سائق المركبة والمرافقين بغية التعريف بهم ووجهتهم.
وأشار الذخيري إلى أن طريق الطيبة ؟ العيينة تاريخ لأجيال متتالية، وتحديداً «جيل الطفرة» في الثمانينات؛ وظل هذا التاريخ حافلاً بكل مقاييس الحياة والتنمية والتجارة إلى أن وصل إلى «جيل الألفية» الذي اختصر تاريخ هذا الطريق الطويل في جانب النقل، ونسيانه وهجره بكل ما فيه من آثار طبيعية جميلة، بعدما كان المنفذ الوحيد الذي يربط مسافي بدبا.
مخاطر الطريق
فيما ذكر حمدان محمد إحدى مواطني المنطقة تواترا من كبار السن في المنطقة، بعد قيام الاتحاد ونمو العمران الذي بدأ يظهر بصورة متزايدة، أخذت الدولة ممثلة في جهاتها الرسمية تباشر عملها في تأهيل الطرق على مستوى الدولة. فقد أنشئ آنذاك وتحديدا في عام 1977 هذا الطريق بالقار من أجل تسهيل عملية التنقل وقتها، حتى انتهاء تنفيذ شارع مسافي ـ دبا الحالي.
ويتذكر أهمية هذا الشارع في تسريع عملية الانتقال بين المناطق، بعد أن فقد الكثير من ملامحه وما كان عليه في الماضي من حضور وأهمية في حركة النقل والتجارة، فلا زالت آثار مادة القار باقية في عدة أماكن أثناء المسير في الوادي. حيث بقي الناس يعتبرونه الطريق الأقصر إلى دبا بعد القدوم من مسافي وصولا إلى منطقة الطيبة ومن بعدها العيينة ودبا.
فيستغرق وقت الوصول ربع ساعة في السيارة وساعتين مشيا على الأقدام. موضحا أن أكثر المخاطر التي كانت تواجه الجميع أثناء التنقل والسفر على هذا الطريق هو تدفق مياه السيول في الوديان وارتفاع منسوب المياه في بعض مواسم الأمطار، مما يؤدي إلى انزلاقات صخرية وإنسدادات مائية وتجمعات للحصى والرمل. ما يغير من هيئته وصعوبة المرور فيه فترة لحين إعادة تأهيله وتسويته.
دعوة إلى تحويل الوادي متنزها برياً
طالب أهالي منطقة الطيبة وزوارها تخصيص الوادي ليكون متنزها بريا بعد اكتساحه مساحات واسعة لأهم المناطق الطبيعية في الفجيرة التي باتت توصف بالجنة الخضراء، لما يتمتع به من مناظر طبيعية خلابة، وأشجار وارفة. ذاكرين ؟
على حد وصفهم ؟ بأن الواقف على مزارع العالية يلاحظ الآن تضرر وسقوط الكثير من نخيلها وأشجارها وكذلك عيون الماء بسبب الإهمال، وباتت الذكريات القديمة في ذلك الموقع مهددة اليوم، ما من شأنه أن يقضي على آمال الباحثين والمهتمين الذين ما زالوا يأملون في أن يعاد إحياء تلك التركة لصالح أهداف سياحية محلية واسعة. والسؤال الذي يتبادر للأذهان أين هيئة الفجيرة للسياحة والآثار وجهات أخرى معنية في تطوير المنطقة؟.
وطالبوا في الوقت ذاته بتجهيز الخدمات الضرورية والإمكانيات البلدية التي يحتاج إليها مرتادو المتنزه حاله في ذلك حال المحميات الطبيعية. وذلك منعا لفقدان جمالية المنطقة جراء تشويهها على أيدي العابثين وغير المقدرين لأهميتها، وأيضا حفاظا على هويتها الجغرافية والبيئية دون مساس، الأمر الذي يجعلها أشبه بنسق اجتماعي وتاريخي مترابط ومتواصل.
الطيبة - ناهد مبارك

