نظمت دائرة الثقافة والإعلام بعجمان أول من أمس في فندق عجمان كمبنسكي ندوة «قافلة تهريب أبيات الشعر» التي هدفت إلى مناقشة تعقيد الترجمة والإشكاليات الفنية التي يغفلها الشعراء .
وكذلك تعمق التواصل بين الشعر العربي والألماني وما لهما من خصوصية جمالية ضاربة بعمق المنجز الإبداعي الإنساني ، شارك في الندوة الشعراء قاسم حداد ، علي الشرقاوي ، محمد الدميني ، نجوم الغانم ، توماس فولفارت ، سلفيا غيست ، جيرهار فالكنر ، والمترجمة ليلى الشماع وذلك ضمن أنشطة وفعاليات يوم التراث العالمي.
فقد ألقى الشاعر البحريني قاسم حداد كلمة ، توجه فيها بالشكر للشيخ عبد العزيز بن حميد النعيمي ، رئيس دائرة الثقافة والإعلام بعجمان على رعايته لهذا اللقاء الثقافي الذي يمثل نافذة إضافية من نوافذ الاستمرارية الإبداعية التي تتبناها الدائرة .
مشيداً بالجهود المشتركة لمؤسسة «ورشة الأدب في برلين» ووزارة الثقافة والإعلام في البحرين ووزارة الخارجية الألمانية والمؤسسات الثقافية في الدول الشقيقة التي تستقبل جانباً من فعاليات قافلة الشعر .
مؤكداً على العمل التفاعلي والجهد المشترك الذي بذله الشعراء في مشروع ورشة الترجمة «قافلة تهريب الشعر» وتلك الشرارة الحميمة بين الشاعر وقصيدته وهو يراقب ولادتها الثانية نحو فضاء التلقي الإنساني .
بمشاركة شاعر آخر يترجم النص ويشاركه في هذه العملية التي تساهم في إنتاج مخيلة نوعية مختلفة بعيداً عن الترجمة الحرفية الأولى، مشيرا إلى أن هذه القافلة بكل مكتسباتها الإنسانية والإبداعية المشتركة تمثل جسراً حقيقياً لحوار الحضارات ثقافياً وإنسانياً عبر تحقيق هذا التواشج المعرفي والشعري المتميز .
من جهته أكد الدكتور توماس فولفارت فيلا مدير ورشة الأدب في برلين أن هذه الاستضافة الشعرية والحوارية تعمق التواصل بين الشعر العربي والألماني وما لهما من خصوصية جمالية ضاربة بعمق المنجز الإبداعي الإنساني ، مشيداً بما حققه هذا المشروع على الصعيد الثقافي وما أتاحه من خلق مناخ تفاعلي من الصداقة الحيوية بين الشعراء.
كما جرى خلال رحلة قافلة الشعر على التعرف المباشر، بمشاركة المترجمين، على الفعل بالغ التعقيد لعملية الترجمة والإشكاليات الفنية التي غالباً ما يغفل عنها الشعراء وهم يرقبون نصوصهم تنتقل إلى اللغات الأخرى.
بعدها انطلقت الندوة بثنائيات شعرية جمعت الأولى بين سلفيا غايست ومحمد الدميني ، حيث قرأت الشاعرة الألمانية سلفيا غايست قصيدتين فيلا إريديوم ، نسجّ فيلا وقام بقراءة نصوصها بالعربية الشاعر السعودي محمد الدميني ، وتتميز تجربة غايست بنبرة ذات شفافية واضحة.
وعاطفة واقتضاب في دقة المصطلح العلمي واللغة ، إضافة لتكثيف شديد يرسم بظلاله على الإدراك الشعوري للمعنى وفضاء الحياة والبحث المتكرر على ما يبقى رغم أبدية الألم . تقول في قصيدتها أريديوم
«لنقل مرة أخرى
أن الأمر لا يتعلق بلحظة نادرة
ولا باللحظات الكثيرة المنذورة لأجل غير مسمى
بل بلحظةٍ أكثر غنى
لو اختزنها المرء في ذاكرته
لاستعادها متوهّجة بكامل ألقها
هكذا يمكن للأشياء غير النادرة
أن تحتفظ بما هو أندر منها »..
وقرأ الشاعر السعودي محمد الدميني قصيدتين «أيام لم يدخرها أحد ، وشمس مسنة» وقامت الشاعرة سليفا غايست بقراءة النصوص باللغة الألمانية، وتتميز تجربة الدميني بالرصانة والتوهج، فهو يصوغ نصوصه بدأب ودقة وأمل عميق ، بلغة تتقاطع شعورياً بين الهدأة والفزع.
يقول الشاعر محمد الدميني في قصيدة « أيام لم يدّخرها أحد»
«أطلب أياماً لم يدّخرها أحد
أيامٌ بأحذية لكي لا تبتردَ من الفاقة
وعظام كثيرة
تشبه صرخات غريق
لم أعرف حياة أخرى
أكثر من هذه الملقاة تحت وسادتي»
وجمعت الثنائية الشعرية الثانية الشاعرين جيرهارد فالكنر وعلي الشرقاوي ، حيث قرأ الشاعر الألماني جيرهارد فالكنر قصيدة «مسودة تخريب» التي قرأ ترجمتها العربية الشاعر علي الشرقاوي ، وتتميز تجربة فالكنر بإرادة التشكيل والحيوية النابضة بعناصر اللغة وبدلالات الأنا والحب ، يقول في قصيدته
« أنا مستلقٍ في الغرفة
والعالم منفوخ مثل كرة
الجفون مرفوعة عن العيون
في الخارج ، الأشجار ، العازفون الخضر على آلات النفخ
محاصرون بأنغام الكلام »
بينما قرأ الشاعر البحريني علي الشرقاوي قصيدتين «ما لا يتفهرس ، ربما» وقرأ ترجمتهما الألمانية الشاعر فالكنر ، وتتميز تجربة الشرقاوي الشعرية بتنوعها وحساسيتها عبر ثنائية الإمتاع والمكاشفة ، وصدقها التعبيري الذي يحاكي بشفافيته دلالات التأمل والتدفق ورؤى الحنين ، يقول الشاعر علي الشرقاوي في قصيدته
«ما لا يتفهرس»
«بالقلب رأيت
كواكب أزمنة في شكل ولدين
حنان صلاة العشبة في الصمت العاصف
تاريخ الحجر الناطق بالماء الممكن
ريحان الغبطة ، عاطفة الكاف الأمّارة بالريح»
والثنائية الشعرية الثالثة جمعت الشاعرتين نجوم الغانم ونورا بوسونغ ، حيث قرأت الشاعرة الإماراتية نجوم الغانم قصيدتين «ساكن المدى ، في جنة المساء» وتتميز تجربة الغانم الشعرية بحيويتها التي تحاكي دلالات الفقد والحزن الشفيف ، بلغة مختزلة تكشف عن معنى التأمل والحساسية في قلق الروح وعناوينها المسكونة بصوت الحياة والأشياء والأسئلة ، تقول نحوم الغانم في قصيدتها «في جنة المساء»
«الذؤاباتُ ترتعشُ فوق طاولتي
وكأنها ترعى سهر جنازة ،
الأصوات الخافتة تنهمر فوق قميص المساء
موشكة أن تغمد أنباءها في الليل
الليل يبيضّ كعيني أعمى».
عالمية الشعر
اختتمت ندوة (عالمية الشعر) أعمالها بإثارة العديد من النقاشات حول ترجمة الشعر وورشة الأدب في برلين حيث أثار الدكتور عبد الواحد لؤلؤة التركيز على ترجمة قصيدة النثر وعدم الانتباه إلى ترجمة القصيدة الكلاسيكية المتمثلة بالمتنبي والجواهري وقصيدة التفعيلة المتمثلة ببدر شاكر السياب وأشار إلى قصيدة النثر بدعة أميركية ابتدعها الشاعر والت وتمان.
كما أبدى امتعاضه من طريقة الترجمة التي تعتمد الترجمة الحرفية ألأولية ومن ثم إعادة ترجمتها بتعاون بين الشاعر والمترجم في ورشة الأدب في برلين. وشبه ذلك بالبيت الخرب الذي يصار إلى ترميمه.
وأعتبر هذا النوع من الترجمات تسيء إلى ترجمة الشعر الذي يتطلب من المترجم معرفة اللغتين بصورة دقيقة وأن يكون المترجم إما شاعراً أو متذوقاً للشعر.
وأثار هذا النقد حفيظة كل من الشاعرين قاسم حداد ونجوم الغانم اللذان ردا عليه بأن قصيدة النثر ترسخت أقدامها في الشعرية العربية الحداثية وأن الترجمة في ورش الأدب من شأنها أن تقيم العلاقات الحميمة بين الشاعر والمترجم. وأشار الشاعر والمترجم شهاب غانم إلى أن المترجم بحاجة إلى خلق نص مواز للنص الإبداعي، وهذا يتطلب دراية كافية بأمور الشعر والترجمة.
عجمان ـ عصام الدين عوض
