لطالما سمعنا أن «أهل مكة أدرى بشعابها»، وأبناء الوطن أخبر بتراثهم وما تحتضنه أرضهم من تاريخ يعبق بمعاناة السنين وآثار الأجداد المؤسسين، وهم الأجدر بحمل لواء الإرشاد السياحي لكل من أراد أن يزور هذه البلاد ويتعرف على شيء من تاريخها، ولكن واقع الحال يظهر خلاف هذا المثل ف«أهل مكة» بعيدون جداً عن شعابها، والمهنة يكاد يحتكرها الوافدون فيطوفون أرجاء الإمارات يصبون معلومات نظرية تفتقد إلى حماسة المواطن لأرضه ومنجزاته.

ومدينة الشارقة العاصمة الثقافية لدولة الإمارات، وثالث أكبر مدينة من حيث المساحة، ميدان خصب لعمل المرشدين السياحيين لما تمثله من مزيج رائع بين الماضي القديم بكل ما يحمله من تاريخ وأصالة، والحاضر الجميل الذي يزهر اليوم بنهضة تشمل كافة جوانب الفنون والثقافة والحضارة العصرية، وإلى جانب ذلك كله تعتبر الشارقة، مدينة المعالم والآثار التاريخية.

وفيها القلاع والحصون والمباني القديمة التي تشهد على قدم وجود الإنسان في هذه المنطقة، وعلى مستوى الحاضر اتسعت مساحة المتاحف، وزادت رقعة الأماكن الحضارية والتاريخية بعد الاستكشافات الأثرية الجديدة، وأصبح على الإمارة دور كبير في تهيئة المرشدين السياحيين المواطنين، الذي تقع عليهم مسؤولية التعريف بهذه الأماكن، أثناء مرافقتهم للوفود السياحية.

خاصة وأن الإمارة وبقية الإمارات بشكل عام، أصبحت مزاراً لكثير من السياح الخليجيين والعرب والأجانب، والمرشد السياحي هنا يقوم بمرافقة المجموعات السياحية إلى المعالم التذكارية والأثرية والمتاحف والمواقع الحضارية، مثل المعالم والآثار التاريخية ويشرحون لهم أهمية هذه الأمكنة بالنسبة لشعب الإمارات، ويحدثونهم عن تاريخ وثقافة الدولة.

وعلى المرشد هنا أن يتسلح بمهارات التواصل، والقدرة على الشرح، والإلمام بكل ما يتعلق بتاريخ بلده، وبمعالمه وآثاره وثقافة المجتمع الإماراتي، وأن يكون لديه الشعور بالمسؤولية، خاصة وأنه يقوم بالتعريف عن بلده.

مرشد أجنبي

إذن على المرشد السياحي دور وطني تجاه بلده وثقافة مجتمعه، وعلى المسؤولين تهيئة وتدريب وتعليم هذا المرشد، وتزويده بكافة الوسائل والمعلومات المطلوبة، وألا يكتفوا بالاعتماد على الوافدين في القيام بدور المرشد، الذين تكتظ بهم وكالات السياحة والسفر، والشركات السياحية، فالمرشد الوافد مهما ملك من قدرات فنية ومعلوماتية.

إلا أنه لن يتمكن من شرح ثقافة وتاريخ المجتمع الإماراتي، بنفس القدرة التي ستكون لدى المرشد المواطن، في حال تدريبه وتعليمه بشكل أفضل، وهناك مجموعة من الشباب والشابات الذين يعملون في مختلف إدارات دائرة الثقافة والإعلام، خاصة الإدارات المعنية بالفنون والمتاحف والآثار.

لديهم الاستعداد لخوض دورات تدريبية في مجال المرشدين السياحيين، إلا أنهم ينتظرون المبادرة، وأن تكون الدورات التي يشارك فيها القطاع الخاص أكثر شمولية وأطول مدة، وأن تعطي الفرصة كاملة للمواطن باعتبار أن هذه الدورات أيضا تخصه وتعنيه بالدرجة الأولى.

ولكن ما كشفته الدورة الأولى المتقدمة للمرشدين السياحيين، كان خلاف المأمول لمستقبل المهنة حيث أخفق جميع المواطنين المتقدمين لشغل مهنة الإرشاد السياحي في بلادهم ولم يتجاوز الدورة بنجاح إلا الوافدون من الأجانب والآسيويين وبعض العرب.

وشارك في الدورة التي أقيمت بالتعاون بين هيئة الإنماء التجاري والسياحي في إمارة الشارقة وكلية الأفق، عدد من الشباب المواطن، كان الأمل يحدوهم في الاستفادة من هذه الدورة.

واكتساب المعلومات والتدريبات الرئيسية، في أن يصبحوا مرشدين سياحيين، غير أنهم أخفقوا لأسباب نحاول معرفتها، وهي في الحقيقة أسباب مشتركة من أكثر من جهة، إضافة إلى كونهم خاضوا هذه الدورة، إلى جانب عدد من الأجانب والآسيويين، الذين لهم خبرات متراكمة في هذا المجال، ويجدون كل دعم ومساندة من الجهات التي يعملوا بها.

آمال وطموحات

في البداية قالت حليمة المطروشي: هذه الدورة مهمة وأساسية، في تدريب وتعليم مهارات المرشد السياحي، ونحن الإماراتيين أحوج لمثل هذه الدورات، التي ستمدنا بالمعلومات الهامة عن مناطق سياحية وأثرية في بلادنا وخاصة إمارة الشارقة، التي عرفنا من خلال هذه الدورة بأماكن فيها لم نكن نعرفها من سابق، وكنا نأمل أن تطول فترة إقامة الدورة لأكثر من خمسة أيام، وفي اعتقادي أن الفترة لو كانت أطول.

كنا سنحصل على نتائج جدا طيبة، هذا عامل من العوامل، وأضف إلى ذلك النطاق الذي نعمل فيه هو محصور في مجال واحد، فمنا من تعمل في متحف الحضارة الإسلامية، وأخرى في مجال الفنون، لذلك كانت معلوماتنا تنحصر فقط في مجال عملنا، إضافة إلى بعض المصطلحات الانجليزية عن السياحة هي التي أعاقتنا.

وتضيف شيخة الشامسي: المرشد السياحي موضوع يحتاج إلى فترة طويلة من التدريب، والذين شاركوا من الأجانب، هم في الأساس يعملون في مؤسساتهم في مجال السياحة، ولديهم خبرات متراكمة، ويجدون دعما قويا من الجهات التي يعملون بها، لذلك حصلوا على نسب عالية.

وبالتالي أصبحوا يملكون مهارات إضافية، وأتمنى أن يكون حضور المواطن في الدورات المقبلة أكثر من الدورة السابقة، وكما عرفنا من القائمين أنه ستكون هناك دورات أخرى في مجال المرشد السياحي، وأملنا كبير في أن يحصل المشارك مستقبلا، على التدريبات التي تجعل منه مرشداً سياحياً يمثل بلده في هذا المجال، والذي هو أحق بأن يرافق السياح ليطلعهم على تاريخ وحضارة وثقافة دولة الإمارات.

وتقول ميثاء العلي: الدورة كانت فعلا مفيدة لي ولزميلاتي وزملائي المشاركين، ففيها تعرفنا على معلومات جديدة، بل كانت غائبة عنا، ثم تعرفنا على أهمية المرشد السياحي المرافق لأطقم السياح.

والنتيجة هنا ليست بنسبة النجاح بقدر الاستفادة التي تعلمناها في هذه الدورة، وعموما هذه البداية سوف تدفع بنا أكثر نحو الأمام، فمن المهم أن نطلع نحن أبناء الإمارات، على مثل هذه المعلومات وطريقة وأسلوب مرافقة السياح.

البداية خطوة للأمام

ويحدثنا مراد الأميري وهو أحد المشاركين في الدورة: في اعتقادي من أسباب عدم حصول المشاركين من المواطنين في هذه الدورة على نسبة نجاح عالية، كان بسبب المصطلحات الانجليزية في مجال السياحة، ونحن والحمد لله لدينا قدرات جيدة في اللغة.

ولكن انحصرت معلوماتنا في مجال النطاق الذي نعمل به، ولكن حقيقة استفدنا من هذه الدورة في أن نلم بكل جوانب عمل المرشد السياحي، وبالنسبة للمشاركين الأجانب كانوا في الأصل مؤهلين في مجال المرشد السياحي ولهم خبرات كبيرة في ذلك.

وأتمنى أن تكون هناك دورات متواصلة في مجال تدريب المرشد السياحي، وأن يعطى الاهتمام الأكثر بالمواطن، باعتباره وجهة هذا البلد وسفيره، وهو الأقدر على ترجمة تاريخ وحضارة وثقافة المجتمع الإماراتي.

ويقول خالد حسين صالح المشارك لأول مرة في هذه الدورة: نسبة النجاح في هذه الدورة التدريبية كانت 70% وهي نسبة معقولة، والبعض حقق نسبة نجاح تقدر بـ 80% وأكثر ، والبعض أخفق لأسباب كثيرة كانت عائقاً لتحصيل النسبة المطلوبة، وليست بسبب الكفاءة واللغة الانجليزية.

ولكن الفائدة العامة أنه استفاد منها كل المشاركين، وهو ما اعتبره نجاحا للجميع، حيث تعرفنا على تاريخ إمارة الشارقة القديم والمعاصر، وعلى مميزات الإمارة التجارية والسياحية والثقافية.

وبشكل عام الدورة هي في الأساس تخريج المرشد السياحي المعتمد، وفيها يكتسب المشارك مهارات وقدرات جديدة ومفيدة عن السياحة، وهذا ما حققته من هذه الدورة المتقدمة.

مشاركات ناجحة

عيسى عباس حسين احد المحاضرين في الدورة يقول: تدني بعض الدرجات في الدورة التدريبية المتقدمة لدى البعض، ربما يعود لقصر الدورة ولعدم استعداد البعض لها، ولكن هذا لا يعني أن الكل قد رسب، أو لم ينل نسبة النجاح المطلوبة، في اعتقادي.

أن الجميع استفاد من الكم الكبير من المعلومات التي قدمت للمشاركين، حيث تعرف الكثير على عمل ودور المرشد السياحي الذي كان البعض يجهل دوره وعمله ومهامه، ولكن في الأخير أقول إنه لا بد من وجود مرشد سياحي مواطن، فهو الأقدر على تمثيل بلده في هذا المجال.

وتقول منار مذكور آل علي محاضرة ومنسق فعاليات سياحية في إدارة المتاحف: في الدورة التدريبية المتقدمة للمرشدين السياحيين، توفرت كافة المعلومات بل هي حصيلة كبيرة من المعلومات، تركزت حول المواقع الأثرية والمعالم التاريخية في إمارة الشارقة، استفاد منها المشاركون من المواطنين وغيرهم، وذلك حسب ما عرفته منهم.

إنما أسباب إخفاق البعض، ربما مرده اللغة الانجليزية وخاصة في مجال المصطلحات السياحية التي هي كثيرة وواسعة، فالدورة كاملة أخذت باللغة الانجليزية، والتي هي اللغة الأساس في العمل السياحي، إنما البعض كان يجهل بعض المصطلحات، وربما كانت الحاجز أمام المشاركين المواطنين، وحقيقة أنا شخصيا لم أتوقع هذا الإخفاق.

لأنهم كانوا جادين في التعلم والتدريب والانضباط، وفي تلقيهم المعلومات المرتبطة بالمرشد السياحي، وعلى كل حال أرجو أن تكون هناك دورات مكثفة لتدريب المرشد السياحي.

وأن يكون حضور المرشد المواطن أكثر قوة، فبلادنا أصبحت وجهة سياحية لكثير من شعوب العالم، وفيها جاليات لأكثر من 200 بلد، ولابد أن يكون هناك مرشد سياحي مواطن فهو الأقدر على شرح ثقافة وتاريخ الإمارات.

برنامج لتأهيل المرشدين السياحيين في «الإنماء التجاري» بالشارقة

أطلقت هيئة الإنماء التجاري والسياحي في الشارقة، برنامج تدريب وترخيص خاص بالمرشدين السياحيين في الشركات السياحية العاملة في الإمارة والمرشحين من قبل إدارة المتاحف، وذلك بالتعاون مع كلية الأفق الجامعية.

ضمن خطة الهيئة الإستراتيجية الرامية إلى تعزيز أداء القطاع السياحي بالإمارة ورفده بالمزيد من مقومات التميز والنجاح ورفع مستوى الخدمات السياحية المقدمة إلى الأعداد المتزايدة من السياح الوافدين إلى الإمارة.

ويحصل المرشدون السياحيون على الترخيص السياحي اللازم للقيام بمزاولة النشاطات السياحية في الإمارة.

محمد علي النومان مدير عام هيئة الإنماء التجاري والسياحي بالشارقة، قال في حفل تخرج المرشدين السياحيين، والذي عقد في قاعة الجوهرة بفندق ميلينيوم الشارقة إن هذه المبادرة الأولى خطوة هامة لتطوير أساليب التعريف بمنتج الشارقة السياحي الفريد.

كما تعد واحدة من أبرز المبادرات لتطوير أداء القطاع السياحي بالإمارة، إذ جاءت عقب دراسة وبحث مكثفين حول ممارسات الشركات السياحية والمرشدين السياحيين في الإمارة، لتقدم مزيجا مثاليا من الدروس النظرية والزيارات الميدانية التي تم تنفيذها تحت إشراف خبراء ومحاضرين متخصصين.

جميل محسن