تناغم الشاعران في امسيتهما، ولم يشاءا ان يذهبا بعيدا ايضا عن مكانهما وبيئتهما، فاذا كان عمق الشعر في فصيحه في البعد الحضاري، فان حميمته في علاقته بالشغاف، وفي علاقة هذه الاخيرة بالبيئة والزمان.

بالرغم من انهما يقرضان الشعر العامي في المناسبات وغيرها، الا ان الساحة الادبية في الامارات تشهد لهما بانتصارهما للشعر الفصيح، فالشاعر المستشار ابراهيم بوملحة تسجل له الاماسي والدواوين ابقاء شعلة الفصيح متقدة على الدوام وهو انحياز حتى ولو بدا عادلا، الا ان اديبا بمقام بوملحة يدرك اهمية ان يستمر فتيل الفصيح شاعلا بغية ابقاء جواهر اللغة العربية حية ومعاشة، وكذلك الشاعر الشاب محمود نور الذي لازم الفصيح دوما ولم يتخل عنه.في الامسية التي جمعت بينهما في اتحاد كتاب وادباء الامارات بالشارقة مساء الاول من امس، كان اللقاء وكأنه يسحب طرفي معادلة متوازنة بين جيلين، جيل المخضرمين من عشاق العربية وشعرها الفصيح ونموذج من جيل الشباب، يقبض على شعر الفصحى كالقابض على الجمر، في زمن دارت الدوائر فيها على القصيدة الاصيلة، ارث الضاد نتيجة تسيد ثقافة استهلاكية خلط فيها غبار العولمة الحابل بالنابل.

تناغم الشاعران في امسيتهما، ولم يشاءا ان يذهبا بعيدا ايضا عن مكانهما وبيئتهما، فاذا كان عمق الشعر في فصيحه في البعد الحضاري، فان حميمته في علاقته بالشغاف، وفي علاقة هذه الاخيرة بالبيئة والزمان والاهل والصحب والاحباب قد استنطقت ما في صدريهما، فأنشدا قصائد عامية، تنز منها الهوية والاصالة وتفتح على منصات جمالية في شعر الحياة.

بين الفصيح والعامي كان مسار الحوار الشعري بين شاعر رائد وبين شاعر شاب يثبت انتسابه الى ارث امته الثمين، سارت الامسية لتصل الى حد التناجي والتلاقي وكأنهما ينسجان خيوط موال اغنية واحدة، تعددت في ملامساتها الجمالية وغارت في سياق متحد.

فقد استهل الشاعر ابراهيم بوملحة الامسية بقصيدته الحائزة على المركز الاول في جائزة (البردة) التي تنظمها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، ويرد فيها الشاعر على الرسوم المسيئة لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك قرأ قصيدته التي سبق وان نشرتها (البيان).

وهي قصيدة مجاراة لقصيدة الشاعر السعودي غازي القصيبي والتي يستذكر فيها الشاعر القصيبي ايامه الحلوة ويعتب على ايامه المرة وتبدل الزمان وغياب الصحب والبطولات.

وقد انشد بوملحة مجاراة لهذه القصيدة التي احتلت نقاشا موسعا بين الشعراء العرب عند نشرها قائلا:

أحْزَنْتَنِي يَا رَفيِقَ الْحَرْفِ إذْ سَمِعَتْ ***أذنَايَ شَكْوَى كَوَقْعِ الكَيِّ بالنَّارِ

تَشْكُو السِّنينَ التي مَرَّتْ على عَجَلٍ ***كَأنَّهَا أصْبَحَتْ نَهْبَاً لإعْصَارِ

فَقَدْ تَعِبْتَ مِنْ الِّترْحَالِ تَقْطَعُهُ ***مَا بَيْنَ حَاضِرَةٍ مِنْهُ وَأقْفَارِ

سَئمْتَ مِنْهُ وَمِنْ طُولِ السُّرَى زَمَنَاً ****حَتَّى كَأنَّ السُّرَى أضْحَى كَأكْدَارِ ..

ويستمر الشاعر بوملحة في مناجاة ومجاراة الشاعرة القصيبي وكأن الاثنان يتماهان في هم شعري واحد منشدا:

..تَبْكِي مِنَ العُمْرِ ما قَدْ مَرَّ مِنْ زَمَنٍ ***كَأنَّهُ قَدْ غَدَى فِي طَيِّ أستَارِ

غَابَ الرِّفَاقُ وَغَاضَ الأنْسُ بَعْدَهُمُ ***لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ سِوَى أوْجَاعِ تِذْكَارِ

تَنُوءُ مِنْ وَعَثِ الأسْفَارِ تَذْرَعُهَا ***حَتَّى غَدَتْ قِطْعَةً مِنْ لَاهِبِ النَّارِ..

بعد ذلك جاء دور الشاعر محمود نور، الشاعر الذي يحمل مشعل الفصيح، ملتهبا مع قضاياه القومية دائما وكما عودتنا في أمسياته الشعرية السابقة، حيث يقرأ نور قصيدته للقدس:

يا قدس يا فرحي وحزني كيف لي***أن ألتقيك وقد أضعت جهاتي

يا حزننا المقبور في إيماننا***ويقيننا والمختبي في الذات..

واختار الشاعر نور ان يشارك الرائدين بوملحة والقصيبي حديقتهما فأنشد يقول:

لله أنت وذاك الكوكب الساري****وأنتما في مداراتٍ لأقمار

تستفتحان أمانينا بوشوشةٍ****فتشعلان المدى بالنور والنار

غنت(تعبت من الترحال) ساجعةٌ****فستوقفتني على استذكار أدواري

قصيدةٌ (لأبي عبيد) آسرةٌ****مزاجها من سلافاتٍ وأزهار

هديةً (لأبي يارا) مطرزةً****ألابالياسمين كأكليلٍ من الغارِ