يقال إن الصورة تساوي ألف كلمة، وبالتأكيد أن الواقع الذي عكسته زيارة طالبات جامعة زايد لمدرسة الحلاة للتعليم الأساسي في إطار الحملة التطوعية «متحدون في المسؤولية» بهدف تأهيل المدرسة أبلغ من ذلك بكثير.

كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحا عندما انطلقنا جميعا من بوابة جامعة زايد في دبي باتجاه بلدة الحلاة القريبة من دبا الفجيرة.على بوابة الجامعة اجتمع نحو 30 طالبة يرافقهن عدد من أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية، في طريقي لم أجد رفيقا معي سوى محطة بي بي سي العربية والتي كانت تطالعني بجديد أخبار العالم المفعمة برائحة الدم والخلافات.ولا أنكر أنني لم أصغ كثيرا لما كانت تقدمه تلك المحطة، فقد انصب تركيزي على الطريق الذي بدا طويلا نوعا ما حيث استغرقت الرحلة نحو ساعة ونصف.قطعنا خلالها طريقا باتجاهين شق وسط الجبال الصخرية التي تزين بعضها بلمسه من اللون الأخضر، لقد كانت تلك هي المرة الأولى التي أزور فيها بلدة الحلاة التي تقع بالقرب من مسافي ودبا، وقد تميزت برائحة البساطة والهدوء ولمسات الأخضر اليانع.

ابتسامة وترحيب

كانت جملة «ابتسم دائما يظل الحب قائما» والتي كتبت على بوابة المدرسة الخارجية كفيلة بأن تزيح عن كاهلنا تعب الطريق، في المقابل كانت هي طريقة استقبال طلبة المدرسة والقائمين عليها لضيوفهم.

فقد شكلت مفاجأة للجميع ففي الردهة الداخلية للمدرسة وتحديدا قبالة غرفة مديرة المدرسة اجتمع ثلة من طلبة المدرسة الذين وقفوا في صفين متقابلين وقد ارتدوا جميعا الزي الوطني وحملوا بأيديهم عصي الخيزران الرفيعة.

في حين وقف حملة الطبول والبنادق الخفيفة في الوسط، ليبدأ الجميع بتقديم بعض الرقصات الشعبية التي تناغمت مع دقات الطبول، وأبرزها رقصة اليولة الشعبية حيث تطايرت البنادق الصغيرة في سماء الردهة، تلك الثلة خطفت أنظار الجميع وحصدت ابتساماتهم وكلمات التقدير.

لم يدم انتظار ضيوف المدرسة طويلا، فبمجرد انتهاء حفل الاستقبال الذي استغرق قرابة ربع ساعة بدأت الطالبات بالتوزع في خمس مجموعات الأولى تقوم بأعمال الصيانة وصبغ الجدران والثانية للتوعية البيئية والثالثة لرعاية وأعمال الزراعة والرابعة لإعداد وتجهيز مختبر الكمبيوتر والمختبرات العلمية والخامسة تقوم بإعداد المكتبة والوسائل التعليمية.

لقد بدت الطالبات مفعمات بالنشاط أثناء عملهم، في هذه الأثناء تمكنا من خطف بعض الدقائق للحديث معهن حول فعاليات الحملة التطوعية «متحدون في المسؤولية» التي تنظمها الجامعة بالتنسيق مع مجلس أبوظبي للتطوير الاقتصادي، وإعمار للصناعة.

ومجموعة الصحراء، وشركة الساحل الشرقي للمقاولات، وشركة الفجيرة لصناعات البناء، وبنك الفجيرة الوطني، ومؤسسة آل مكتوم الخيرية، ومدرسة ديار الدولية الخاصة، والتي تهدف لتعزيز روح التعاون من خلال صيانة وتطوير البنية الأساسية والتعليمية للمدرسة.

«سمارت كلاس»

وعن طبيعة عمل مجموعة «سمارت كلاس أو الصف الذكي» تحدثنا الطالبة عائشة عيسى الدبوس: «نحن مجموعة متطوعات من جامعة زايد، وجئنا إلى هنا بهدف مساعدة طلبة المدرسة.

وقد أحضرنا معنا 14 جهاز كمبيوتر محمول جمعناها من تبرعات الطلبة، لتركيبها في المدرسة وإعدادها بشكل كامل لتكون جاهزة للاستخدام وتعليم الطلبة مبادئ استخدام الكمبيوتر الأساسية»، وأضافت: «اختيارنا لهذه المدرسة كان اقتراحا من الطالبات أنفسهن.

وقد قمنا بزيارتها لتقييم احتياجاتها ومتطلباتها لنتمكن من توفيرها، وقد وجدنا أنها فعلا تحتاج إلى الكثير علما بأن طلابها من الأوائل على مستوى الدولة، وهو ما شجعنا على مساعدتها.

زميلتها عبير خالد الحمادي، من مجموعة تدوير النفايات قالت: «مجموعتنا تهتم بكل ما يتعلق بتدوير النفايات، حيث قمنا بتوزيع حاويات تدوير وفصل النفايات التي تبرعت بها شركة مسافي في كافة أرجاء المدرسة.

إلى جانب تعليم الطلبة على طرق فصل النفايات وكيفية استغلال بعض النفايات لتحويلها إلى أشياء يمكن الاستفادة منها، وذلك لتشجيع الطلبة على استغلال مهاراتهم الإبداعية».

أما الطالبة جميلة العبيدلي، العضوة في ذات المجموعة، فقالت: «في مجموعتنا نركز على توعية الطلبة وتعريفهم بطرق تلوث المياه والتربة وغيرها، وكيف يمكن المحافظة على البيئة المحيطة بنا.

وقد أحضرنا معنا مجموعة من النماذج التي تساعدنا على إيضاح الفكرة للطلبة، بالإضافة إلى كراسات للتلوين لتوزيعها على الطلبة، ونحن نؤمن تماما بأن الأفكار تصل أسرع عن طريق التجارب الحية، لأنها تعطي الطالب الفرصة لاستخدام يديه وعقله في آن واحد، وتخرجه من إطار الملل الذي يخلقه الشرح الطويل».

الطالبة رقية الرئيسي قالت: «مثل هذه الحملات تحفز النفس على العمل التطوعي الذي يعتبر عملاً إنسانياً قبل أن يكون وطنياً، وبتقديري أنه يدل على هويتنا الوطنية والإنسانية»، وأضافت: «بتطوعنا نحفز الآخرين على خدمة الوطن وأهله ونحن نعتبر ذلك جزءاً من رد الجميل للوطن الذي أعطانا الكثير، وأعتقد أنه كلما نجحنا في ذلك سنطمح إلى تحقيق المزيد».

أعمال صعبة

أثناء تجوالنا في المدرسة ولجنا لإحدى الغرف التي أفرغت من محتواها تمهيدا لصبغها، في ذات الغرفة اجتمعت نحو خمس طالبات توحدن جميعهن بزي سكري اللون لا تخطئه العين.

وقد تعاونَّ جميعهن على صبغ الغرفة، حيث تسلمت واحدة منهن مهمة محددة، فتلك تضع اللاصق حول الشبابيك والباب والسبورة، وأخرى تمهد الجدران لصبغها، في حين أن ثالثة تولت صبغ الجدران بلون سكري، في المقابل كان بعض الطلبة يعاونون الطالبات في أعمالهن.

حيث كانوا يفرشون البلاستيك على الأرض، ومناولتهن كل ما يحتجن إليه، مقابل تلك الغرفة وقفت إحدى الطالبات وقد تحلق حولها مجموعة من التلاميذ، الذين كانوا يستمعون لشرحها حول المياه الملوثة، في حين أن زميلتها كانت تقوم بتعليق البوسترات على أجزاء معينة من جدران المدرسة.

تعاون ناجح

في جولتنا التقينا علي محمد راشد الزحمي، رئيس قسم المناهج والبرامج في منطقة الفجيرة التعليمية والذي قال: «لقد أثبتت زيارة طالبات جامعة زايد لمدرسة الحلاة مدى نجاح التعاون بين المؤسسات التعليمية في القطاعين العام والخاص.

وتلك التي لها علاقة بالميدان التربوي، ووصولهن إلى منطقة نائية تكاد تكون غير معروفة لدى الجميع يدل على مدى اهتمام القيادة العليا والقيادة التربوية بالقطاع التعليمي وبوحدة الوطن».

وأضاف: لقد تم اختيار هذه المدرسة في عملية توافقية بين جامعة زايد وإدارة منطقة الفجيرة التعليمية، حيث كان من أهداف جامعة زايد اختيار مدرسة تفتقر إلى بعض الخدمات التربوية التي يمكن للطلبة الاستفادة منها، وقد وقع اختيارنا على هذه المدرسة لأنها بالفعل تحتاج لمثل هذه الخدمات».

وأكد في حديثه بأن العمل التطوعي يعتبر من أعظم الطرق التي تؤدي لإنشاء قدوة حسنة خاصة وأنه لا يوجد قانون يلزم بذلك بشكل مباشر، وأضاف كلما كان هناك تقارب سني ومعرفي بين الطرفين كلما زاد من عمق هذا السلوك.

مع اقتراب انتهاء زيارتنا إلى المدرسة، كانت الطالبات قد قمن بتوزيع 15 حاوية لإعادة التدوير، ونظمن مسابقة بين الطلاب لاختيار أفضلهم في جمع المخلفات وفرزها.

وكذلك قمن بزراعة بعض أنواع النباتات التي لا تحتاج إلى الكثير من المياه، وتم أيضا مد مكتبة المدرسة بكميات من الكتب التي تتناسب مع المراحل العمرية للطلاب، وصيانة فناء المدرسة، وعقد عدد من ورش العمل للمعلمين والمشرفين في المدرسة.

اهتمام

تأهيل كامل لمدرسة الحلاة الأساسية

شهدت مدرسة الحلاة للتعليم الأساسي مؤخراً عملية تأهيل شاملة من خلال صيانة وطلاء كافة الفصول الدراسية وتوفير مستلزمات أساسية وأجهزة خاصة بها تتلاءم مع احتياجاتها الفعلية والتي جاءت ضمن الحملة التطوعية «متحدون في المسؤولية» التي تنفذها طالبات جامعة زايد بدبي، وأشار الدكتور سليمان الجاسم، مدير جامعة زايد إلى أن هذه الحملة تعتبر البداية في مشروع «التطوع والمساعدة» لخدمة بلدنا.

واعتبر إشراك الطالبات في إعادة تأهيل وصيانة البيئة المدرسية يجسد مفهوم المسؤولية الاجتماعية باعتبارها مسؤولية الجميع.

ومن جانبها، أشارت صفية سعيد الرقباني، رئيس شؤون التطوير بالجامعة إلى أن عدد الطالبات المشاركات بلغ 30 طالبة من مختلف كليات الجامعة بفرعها بدبي، وقد اخترن مدرسة الحلاة للتعليم الأساسي بالفجيرة التي يصل عدد طلابها إلى 288 طالبا.

باعتبارها واحدة من مدارس المناطق البعيدة والتي تحتاج إلى الدعم، حيث تم إمداد المدرسة بأجهزة كمبيوتر شخصي وتأسيس كامل للمختبرات العلمية وإمداد المكتبة بكميات كبيرة من الكتب.

اشادة

مدير الجامعة الدكتور سليمان جاسم، كان هو الآخر حاضراً إلى جانب أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية، بهدف تشجيع ومشاركة الطالبات حملتهن التطوعية، وأثناء جولته في المدرسة .

قال د. جاسم: «اختيار الطالبات لمدرسة الحلاة لتنفيذ حملتهن التطوعية كان لتعزيز الرعاية للمناطق البعيدة ودعم الجهود الرامية لتأكيد التلاحم والتعاون بين أبناء الوطن»، وأشار إلى أن الحملة تعزز مفاهيم العمل التطوعي والمشاركة المجتمعية التي تحرص الجامعة على تجسديها من خلال خطتها الأكاديمية والدراسية وبرامجها التي تتيح الفرصة للطلاب لتقديم أفكارهم من خلال الأنشطة المتنوعة.

وأكد بأن الجامعة تطرح مساقات في أهمية العمل التطوعي في إطار إستراتيجيتها التعليمية، لمساهمته في صقل شخصيات الطلبة وتأهيلهم للمشاركة في تحمل مسؤولياتهم المجتمعية».

وأشاد بتعاون المؤسسات والهيئات الراعية التي حرصت على المشاركة في الحملة لدعم جهود الطالبات وتشجيعهن على تقديم الأفكار البناءة لخدمة المجتمع.

بالإضافة إلى تبني المبادرات الخلاقة التي تعزز جهود الدولة في المجال الإنساني، مشيرا إلى أهمية تعميم هذه التجربة على مناطق أخرى من الدولة والتي قد تأخذ أشكالا أخرى من تقديم الخدمات التطوعية مثل صيانة وترميم منازل لكبار السن والمستشفيات والمدارس والمساجد.

غسان خروب