ذات يوم، قبل عدة سنوات قررت مدينة هامبورغ الألمانية ان تشيد صرحاً موسيقياً عظيماً يضاهي دار الأوبرا الشهيرة في سيدني. مجمع قاعات موسيقية عملاق من الزجاج والفولاذ يبنى على شكل أمواج البحر ويصمم بحيث يطل بهيبة ملكية فوق نهر الإلبيه ليبدو كأنه قلعة مائية سحرية تطفو في الهواء.
لكن مجمع الالبيه الأوركسترالي الذي يتسع لألفي مقعد والذي يعتبر من أكثر المشاريع العامة طموحاً في تاريخ هامبورغ قد تأخر سنوات عن خطة العمل المقررة ويعاني من انفجار في التكاليف التي وصلت إلى 12 ضعف الرقم الذي تمت المصادقة عليه عندما كشف النقاب عن الخطة قبل 7 أعوام.
وكان المشروع قد أطلق وسط موجة من الحماس الجماهيري العارم للوعود الرسمية بأن المبنى سيكون «واحدة من أفضل 10 قاعات أوركسترا في العالم».
لكنه منذ ذلك الحين تحول إلى مصدر إحراج كبير للساسة في هامبورغ بسبب الفواتير المرعبة التي يتعين على دافعي الضرائب تغطيتها. وبدلاً من أن يصبح المجمع جوهرة معمارية فريدة على تاج هامبورغ، تحول إلى عبء مالي مخيف، وربما حماقة مالية لا تغتفر في نظر البعض.
ويقر بيتر تشانتشر، أحد أعضاء برلمان المدينة «انه مشروع عظيم بلا شك، لكن لو كنا نعرف ان تكلفته ستكون باهظة إلى هذا الحد، لما صوتنا لصالحه منذ البداية».
وقبل أيام اضطرت شركة «هوختيف» التي تقوم بأعمال البناء، للإعلان عن تأخير موعد تسليم البناء مرة أخرى بسبب المصاعب المالية والتقنية، وأشارت إلى ان المجمع لن يفتتح قبل منتصف 2012 في أفضل الأحوال.
والمذهل أن تكلفة المشروع، التي قدرت بـ 40 مليون يورو عندما طرح التصميم على الملأ في 2003، قد ارتفعت حتى الآن إلى 503 ملايين يورو، إضافة إلى 40 مليون يورو أخرى ستنفق على مدار السنتين المقبلتين والآن يطلب من دافعي الضرائب دفع فاتورة تصل إلى 400 مليون يورو.
وقالت مجلة «دير شبيغل» الإخبارية ان «قصة مبنى القاعات الاوركسترالية مليئة بأخطاء الحسابات والتصاميم السيئة والتي بدأت الآن تظهر آثارها الحقيقية».
وأشارت إلى ان مؤيدي المشروع سيطر عليهم هوس بناء تحفة فنية فريدة بسماتها الجمالية لدرجة أعمت عيونهم عن رؤية العديد من الأخطاء المتأصلة في المشروع. والأدهى من ذلك انه «تم تجاهل هذه الأخطاء لفترة طويلة جداً».
وكان يراد لهذا المجمع الضخم الذي تبلغ مساحته 3,1 مليون متر مربع ان يتوّج مشروعا كبيرا آخر في هامبورغ هو مشروع مدينة المرفأ، والذي انطلق قبل أكثر من عشرة أعوام وتم خلاله تحديث وتطوير منطقة مرفأ هامبورج القديمة التي تعود إلى القرن التاسع عشر.
وكان المعماريان السويسريان الشهيران جاك هيرزوج وبيير دومورون، اللذان صمما استاد عش الطيور الشهير في بكين، قد تقدما بفكرة تصميم تقتضي بناء دار الأوركسترا فوق مستودع مهجور قديم على الواجهة المائية. وقد قبلت حكومة المدينة بتصميمهما مباشرة بدون فسح المجال للمنافسة من قبل معماريين آخرين، بعضهم أقل تكلفة بكثير من الثنائي السويسري.
ويتضمن تصميم هيرزغ ـ مورون للزوار تراسا ضخما بإطلالات بانورامية على نهر الإلبيه، وقاعة ضخمة تضم 2200 مقعد موزعة حول موقع الأوركسترا على جزيرة مستقلة وسط المدرج.
لكن سرعان ما بدأ ساسة المدينة بالمطالبة بالمزيد من الإضافات المكلفة من أجل الارتقاء بالمقاييس الجمالية والفنية إلى مستوى يجعل من المجمع احدى أفضل دور الأوبرا في العالم بأسره.
ولم يلقوا في حينها بالاً لعامل التكلفة التي أخذت تتضاعف وتتضاعف إلى ان وصلت إلى حوالي نصف مليار يورو. لكن عليهم الآن دفع ثمن ذلك من رصيدهم السياسي، وإن كان الشيء الوحيد الذي ربما يشفع لهم، كما يقول البعض ان كل أخطائهم كانت بحسن نية، ولم تكن بقصد تحقيق أية مكاسب بطريقة غير مشروعة.
علي محمد
