لم تشفع فكرة وقدسية الاستقلال والحرية لدى السنغاليين في الحيلولة دون المزيد من انتقاد تمثال نهضة إفريقيا البرونزي العملاق الذي انتصب على تلة مطلة على العاصمة داكار.

فالتمثال رغم جمالياته الواضحة ودلالاته العميقة اعتبره السكان محاولة من جانب الرئيس السنغالي عبدالله واد الذي رغم سنيه الثلاث والثمانين لا زال يسعى للفوز في دورة الانتخابات المقبلة عام 2012.

عبر كلماته الجميلة عندما صرح بأن إفريقيا تقف شامخة وقوية وأنها أكثر استعداداً من أي وقت مضى لتحمل مصيرها ؟

عوامل كثيرة أثارت حفيظة الناس هناك، سواء الأغلبية المسلمة أو الأقلية المسيحية .

التمثال ـ بطوله البالغ 49 متراً ـ (أطول بثلاثة أمتار من تمثال الحرية الأميركي) عبارة عن رجل يحمل طفلاً على كتفه الأيسر وبجانبه امرأة يخرجون جميعهم من فوهة بركان. تنورة المرأة القصيرة «جداً» أثارت غضب الكثيرين ممن يتحفظون على فكرة إقامة التماثيل أصلاً.

جهات أخرى استاءت لمنظر المرأة حيث بدت أقصر من الرجل وقد أحاط بخصرها بيديه، معتبرة ذلك دلالة على خضوعها لها. كما أن تشبيه الرئيس واد للتمثال بالمسيح أثار غضب المسيحيين.

الانفعال الشعبي أدى بآلاف الناس للخروج في مظاهرات مطالبين باستقالة الرئيس والذي قرر أن يأخذ 35% من إيرادات السياحة في منطقة التمثال، على اعتبار أنه قام بجهد كبير في وضع فكرة التصميم.

كما أن الشركة الكورية الشمالية التي بنت التمثال أحضرت معها 150 عاملاً من هناك، واكتفت بتشغيل 50 سنغالياً فقط في المشروع.

الرئيس السنغالي برر اختياره لشركة مانسوداي أوفرسيس بروجكت باعتبارها الشركة التي تقبل بناء تماثيل الرؤساء بأقل الموازنات، خاصة في الوقت الحاضر حيث تعاني كوريا الشمالية من أزمة في تصدير المنتجات والخدمات.

من السهل معرفة الأهداف التي يسعى إليها أي رئيس مثل واد من وراء التمثال، فالرجل لا يثق كثيراً بأن سياساته ستدوم بعد وفاته، وبالتالي يسعى لإيجاد تحفة يتحدث الناس عنها بعد مواراته الثرى.

هل سيتذكر السنغاليون رئيسهم كمصلح ديمقراطي التزم طوال فترته بإلغاء فكرة الحزب الواحد؟ أم سيتذكرونه باعتباره رجلاً فشل في مواجهة تحديات السنغال الكبرى وهي البطالة والبنية التحتية الهشة وهجرة الأدمغة؟ أم سيتذكرونه بصفته عجوزاً متشبثاً بالسلطة حتى النهاية؟

الشيء نفسه قام به رئيس ساحل العاج هوفوي بواني عندما بنى في مسقط رأسه كنيسة تشبه تماماً كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان، لكنها أكبر منها حجماً بتكلفة بلغت أكثر من 200 مليون دولار، حيث تم تزيينها بالرخام الإيطالي وتزويدها بنظام تبريد جبار.

الرسوم التي نقشت على الزجاج النفيس لنوافذ الكنيسة الست والثلاثين لم تضم سوى رسم واحد لرجل أسود، وكان يشبه الرئيس بويني بشكل صارخ.

تمثال السنغال كان أقل تكلفة بكثير من كنيسة ساحل العاج، لكن المفارقة واحدة في أكثر من مكان في إفريقيا، فالفجوة التي بين الغنى والفقر تزداد، حيث يمكنك أن تشاهد مثلاً مراكز التسوق الفخمة والمطاعم العالمية في أكرا عاصمة غانا قرب بيوت الصفيح المتداعية والمجاري المفتوحة.

فرنسا التي انسحبت من السنغال عام 1960 لا تزال تحتفظ بقواعد لها في البلد الفقير، لكنها تعتزم سحب جنودها وتسليم تلك القواعد لأهلها هذا العام. قد تستحق السنغال تمثالاً مثل تمثال نهضة إفريقيا لكنه من المبرر، في الفترة الحالية على الأقل، أن يثير الغضب لا الفخر.

يوسف جباعته