حياة الكاتب الكولومبي غبرييل غارسيا ماركيز ملفوفة كأدبه بتلك الواقعية السحرية التي اشتهرت به رواياته، فلا يمكن تفسير الطريقة التي تعرفت من خلالها على جانب من جوانب حياته الشخصية.
إلا من خلال تلك الواقعية السحرية، بعد أن أصبحت متيقناً أو هكذا يبدو لي على الأقل من أن معرفتي به مرت بمحطتين رئيستين رغم قراءتي لجل أعماله قبل أن ترى أي من تلك المصادفتين أو المحطتين النور.مسرح المحطة الأولى كان على سلالم فندق فاخر تشعشع فيه الأضواء في وسط العاصمة الكوبية هافانا في بداية ثمانينيات القرن الماضي حينها رأيت (غابو) وهو يصعد تلك السلالم المفضية إلى مدخل الفندق وكان محاطاً بمجموعة من أجمل حسناوات عاصمة الكاريبي التي تتربع على عرش الأطلسي في مشهد لايمكن رؤيته إلا في أوساط نجوم السينما الهوليودية أو الروك آند رول.لم يكن هناك من شك بأن هذا المشهد يحدث فعلاً في تلك المدينة الناعسة وأن بطله هو مؤلف (مئة عام من العزلة ) التي كنت قد قرأتها وفتنت بها منذ بضع سنين والتي جعلت مؤلفها يستحق جائزة بحجم جائزة نوبل للآداب عام 1982م.صحيح لم أحظ بفرصة التحدث معه لكن تلك البرهة كانت كافية كي تتشكل في مخيلتي صورة عن تلك الشخصية الساحرة التي كان صاحبها يرتدي قميصاً وبنطالاً أبيضين من الكتان وحذاء أبيض اللون كذلك، تتشكل صورة عن تلك الشخصية تشي برجل لا يمكن وصفه إلا بأنه زير نساء.
المحطة الثانية جاءت في مطلع هذه الألفية عندما نشر ماركيز الجزء الأول من مذكراته تحت عنوان (أعيش لأرويها) التي ذكر فيها مؤلف خريف البطريرك أنه عندما كان لايزال كاتباً شاباً فقيراً لا يملك أحياناً ثمن قوت يومه كان يدخل الحجرة التي يكتب فيها ويجد دائماً بالقرب من الآلة الكاتبة مجموعة من الورق الأبيض تفي بغرض البوح الأزلي الذي لازمه طوال حياته.
لم يخطر بباله قط أن يسأل عن كيفية وصول تلك الأوراق إلى مكانها وزمانها المناسبين والمضبوطين بدقة لا تضاهيها إلا دقة الساعات السويسرية الفاخرة وبأي طريقة كان يدفع ثمنها. ما من شك أن مرسيدس رفيقة دربه وشريكة حياته هي الشخص الذي كان يقوم بهذه المهمة، التي غدت مستحيلة في أحيان كثيرة تحت أي ظرف.
والأغرب من ذلك أنها لم تخبره حتى اللحظة، رغم مرور عقود من الزمن عن تلك الأيام التي تحولت إلى ذكرى حية في وجدان بطليها، ما يشي بشراكة زوجية مستقرة لا غبار عليها.
الأمر الذي يبدو متناقضاً مع المحطة الأولى والتصور الأول الذي تشكل في ذهني عن هذا الكاتب الكبير في هافانا.
ذلك أن في حياة هذا الكاتب حاملين أو ناظمين متداخلين متكاملين الواحد منهما يحمل الآخر. الأول هو مرسيدس التي لاتزال تعيش معه حتى هذه اللحظة والآخر هو الورق الأبيض الذي لايزال يعاقره حتى هذه اللحظة أيضاً.
باسل أبو حمدة

