لا يركنون إلى الهاتف المتحرك لتذكير بعضهم البعض بموعد اللقاء، فصلاة العصر موعد لا يتجاهله الجميع.. ليس عليهم أن يستعدوا مبكراً وأن يحزموا أمتعتهم إلى حيث يريدون، بعضهم يغادر من الدوام مباشرة دون أن يبدل ملابسه، فالأمر لا يتطلب سوى نزع «الكندورة» والخروج بزي الرياضة الخفيف.

منتصف الوقت بين أذاني العصر والمغرب، تمتلئ المواقف الخاصة بحديقة الصفية القريبة من منطقة الخان السكنية في إمارة الشارقة بسيارات عشرات الشباب المواطنين وهم يرتدون زياً رياضياً ولا يعرفون إلا من لهجة يتبادلون بها جملاً لا تفارق وصف «الأخوة»..يترجلون من سياراتهم بسلاسة متعارف عليها منذ سنوات طويلة، ويعتلون سور الحديقة القصير قفزاً إلى ملعب يظل شاهداً على تقليد شبابي لا يزال متشبثاً ببشاشته وسط متغيرات كثيرة عصفت بكل شيء.***تجمع يومي***كل يوم في الصيف أو الشتاء وفي أيام العمل أو في الإجازة، اعتاد القاطنون في بنايات المجاز القريبة من حديقة الخان على وقت وصول العشرات من الشباب المواطنين من أجل ممارسة لعبة كرة القدم، والجلوس والبقاء معاً لساعات رشيقة قبل أن يعودوا إلى بيوتهم في هيئة مفعمة بالحيوية والنشاط..اقتربنا منهم فأحصينا مجموعة صديقة يصل عددها إلى 50 فرداً في بعض الأيام، وفي المجمل لا يقل عدد الحاضرين عن 30 شخصاً كل يوم..

وهم إما طلبة جامعيون أو موظفون في مؤسسات ودوائر وشركات حكومية وخاصة مختلفة، وجدنا مسميات عديدة منها موظف البنك والشرطي والدفاع المدني والعسكري، وجميعهم يقطنون منطقة واحدة وهي الخان، أعمارهم تبدأ من 20 عاماً ولا تتوقف عند حدود الأربعين، ولسان حالهم لا ينطق إلا بجملة وحيدة يحرصون على إنعاشها كل يوم «فرقتنا الوظيفة وجمعتنا الكرة».كيف لا وهم يحافظون على هذا اللقاء الكروي والتقليد الأخوي منذ نحو عشرة أعوام، دون أن يعيقهم عن ذلك المكان حر أو برد.***اتفاق عفوي***دأبت ظروف العمل والوظيفة على حرمان الأصدقاء والأقارب التمتع في أوقات جماعية يتفقون عليها من دون قصد، لا سيما في عصر السرعة والتطور في كل شيء.إلا أن مجموعة الشباب هذه حرصت ومنذ أعوام طويلة على الالتقاء في حديقة سكنية قريبة من مكان سكناهم يمارسون فيها رياضة كرة القدم ويتسامرون ويتبادلون أطراف الحديث الودي في مختلف شؤون الحياة، ولا يمنعهم من الوصول إلا طارئ يقف عنده فريق الأصدقاء وقفة رجل واحد.

سالم خميس المصلحي واحد من هؤلاء الشباب، ويبلغ من العمر 22 عاماً، وهو يعمل في هيئة الطرق والمواصلات في إمارة دبي، لكنه يسكن في الشارقة، ومنذ سنوات عديدة يحرص على قضاء فراغ ما بعد الدوام في ممارسة هوايته المفضلة وهي كرة القدم، والأهم من ذلك كما يقول، التواصل الودي مع أكثر من خمسين شاباً تجمعه بهم علاقات القرابة والصداقة والجيرة.

هموم وأحزان

ويضيف المصلحي: جميعنا موظفون ونعمل في مواقع مختلفة، كما نحرص على الالتقاء اليومي والتواصل الاجتماعي والرياضي للترويح عن النفس، وإضفاء مزيد من المتعة والبهجة على النفوس، خاصة وأن لقاءات الشباب تظل في إطار المرح والإثارة والتسلية، وهي حتماً تدخل الراحة النفسية إلى القلوب، وأهم من ذلك فنحن نحافظ بالرياضة على الصحة ونشغل فراغنا بالشيء المفيد.

صديقه بطي محمد أحمد الذي يسكن في نفس منطقته وهي الخان، ويعمل في الدفاع المدني في دبي بوظيفة منقذ بحري، ويبلغ من العمر 24 عاماً أكد أنه مولع بالكرة كثيراً وفيها يفرغ طاقته ويتخلى عن همومه وأحزانه، وأكثر منها يحب جمعة الأصدقاء والتقارب القوي بين أبناء الحي الواحد.

الأمر الذي يبعث على الراحة النفسية ويجدد في الشخص انطلاقته نحو العمل بمزيد من القابلية والإبداع، ناهيك عن كونها تحفظ وسيلة رياضية صحية واجتماعية تبقي من يحرص عليها بعيداً عن السهر في المقاهي أو التسكع في مراكز التسوق، أو التسمر خلف شاشات الكمبيوتر ومواقع الانترنت.

علاقات أخوية

وينصح بطي الشباب أينما كانوا أن يمنحوا الرياضة حصة يومية من حياتهم، لأنها بذلك تمنحهم الصحة والثقة والصلابة في مواصلة حياتهم، إضافة إلى تدعيم أواصر الصداقة والمحبة بين الشباب.

ويضيف: نحن كأصدقاء ترعرعنا في منطقة واحدة وفي تجمع إخواني، فمنذ الطفولة نحرص على البقاء قريبين في كل شيء، لذلك ترانا كل يوم نأتي إلى الحديقة نمارس الرياضة ونتبادل أطراف الحديث ولا نمل البقاء معاً لساعات طويلة.

أما ناصر حمود المصلحي الطالب في كليات التقنية العليا بالشارقة، فيقول إنه يرتبط مع أصدقائه بعلاقات أخوية لا حصر لها، لذلك فهو يحرص على التواجد كل يوم ضمن مجموعة كبيرة من الأصدقاء.

يمضون معاً أجمل الأوقات، ولا يتخلون عن الوقت طالما أنهم في حضرة الصداقة التي تربوا عليها منذ الطفولة، خاصة وأنهم يسكنون منطقة واحدة، ويعيشون باستمرار حالة متعة تعززها لعبة كرة القدم التي لا يتخلون عنها صيفاً أو شتاءً.

ويؤكد ناصر إنه يأتي برفقة مجموعة كبيرة من الأصدقاء عصر كل يوم من أجل البقاء في أجواء أخوية ممتعة ومسلية وتعززها لعبة كرة القدم، وذلك على شكل تقليد يومي لا يتخلى عنه أحد منذ أعوام طويلة.

تقليد يومي

عبدالرحمن الملا شاب يعمل في بنك الإمارات دبي الوطني، وهو يتواجد كل يوم ضمن مجموعة من الأصدقاء مساهمة منه في الإبقاء على ذلك التقليد حياً في نفوس الجميع، لا سيما وأن الحاضرين يحرصون على معرفة الكثير من التفاصيل الحياتية التي تهم مجموعة الأصدقاء.

ويؤكد عبدالرحمن أنه يجد في نفسه متعة كبيرة وهو ضمن مجموعة الأصدقاء تلك، خاصة وأن ظروف العمل تشتت الجميع بشكل يومي، لذلك يحرص الجميع ضمن تقليد سنوي على التواجد معاً للترويح عن النفس والتسلية وكسب مزيد من الفائدة في الصحة واللياقة التي يحتاجها الجميع، خاصة في عصر السرعة والعمل والخمول الذي يعيشه الجميع.

وجبة كروية

أما هشام السويدي، الذي يبلغ من العمر 30 عاماً، ويعمل في القوات المسلحة، فأكد أن اللقاء لا يبتعد عن كونه وجبة كروية يومية تدعم علاقات الصداقة والأخوة بين الحاضرين الذين يقارب عددهم 50 شخصاً، وجميعهم موظفون.

مشيراً إلى أن ظروف العمل تفرق الجميع وفي المقابل فإن لعبة كرة القدم توفر لنا متسعاً للبقاء ضمن مجموعة صداقة لا تمل مضي الساعات، خاصة وأن الجميع يأتي إلى هذا المكان طلباً للمتعة والتسلية والمرح، وبالتالي تظل أسباب الترويح عن النفس كثيرة ومتشعبة، وهي حتماً توافق ما يشتهيه الحاضرون.

الشاب خليفة السويدي يعمل في شرطة الشارقة، أكد أن الهدف من «لمة» الصداقة يتجاوز حدود الكرة والرياضة إلى الشعور الجماعي، وقد أصبح اللقاء تقليداً يومياً لا غنى عنه بالنسبة للجميع، ونادراً ما تجد أحداً يتخلى عن الحضور لهذا المكان طالما أنه لم يواجه ظروفاً قاهرة، لذلك فإن أسباب المتعة لا تنقطع أبداً وهي تتكاثر في ربوع الصداقة واللقاء اليومي.

تقارب

علاقات اجتماعية راسخة منذ القدم

نتناول اليوم حكاية مجموعة كبيرة من الأصدقاء الشباب المواطنين الذين تربوا منذ الصغر في ظروف تبدو متشابهة في منطقة الخان بالشارقة، فحافظوا على علاقاتهم التي امتدت إلى ما بعد التحاق كل واحد منهم بجهة عمل، مما يعني أننا أمام مجموعة تستعيد ولو بطريقة غير مباشرة بعضاً من إرثنا الاجتماعي.

ذلك الإرث المفعم بعلاقات الجيرة المتينة في «الفريج» الواحد، والذي ينشأ فيه الصغار متقاربين متحابين، ثم وهم يحافظون على هذه العلاقات مهما تقدم بهم العمر.

في الصباح يتوجه الجميع إلى وظائفهم منطلقين بثقة تأمين أسباب عيش كريم، وقبيل المساء يتجمعون على قلب رجل واحد في أجواء تفيض بمعاني الأخوة والصداقة والمتعة والإثارة.

هدفهم الصريح لعبة كرة القدم التي يعشقونها كما هو لسان حال الجميع، أما أهدافهم الدفينة فتبدو أكبر من حجم تلك اللعبة، طالما أن تواجدهم معاً يظل في إطار تقليد يومي متوارث منذ ما يقارب الأعوام العشرة..

إنها علامات مضيئة للصداقة والتقارب والحب والتواصل الاجتماعي في زمن لا تسطع فيه سوى ملامح التغير والبعد والانشغال.

عنان كتانة