صورة دومنيك دوفيلبان، لا تفارقها الابتسامة، فهو يتحدث في السياسة دون أن تغيب الثقافة عنها، لذا فهي ذات مذاق خاص، عندما تكون مشحونة بطاقة شعرية وغنائية لا تفارق صاحبها.
انه يرفض كل ما هو منغلق، ما دامت الكلمات قادرة على إعادة خلق العالم. فهو شخصيات عدة في شخص واحد، يحمل سلاماً داخلياً في عالم مليء بالحروب والتوتر.
رجل إشكالي، متناقض، معقد، ومتردد، صفات ليست بالضرورة سلبية عند المبدع. ولو وضع بين خيارين: السياسة والشعر، لاختار الشعر (لأن الشعر يمكن أن يصبح قضية الحياة بكاملها).
منذ أكثر من ربع قرن إلى اليوم، يكتب الشعر، وهو شاعر كبير ينهل من التراث الفرنسي، ويشكل تكملة له، متواصل عليه دون أن يؤثر في مهامه السياسية، حين كان وزيراً للخارجية ثم للداخلية ثم رئيساً لوزراء فرنسا وهكذا أصبح الشعر بالنسبة له (الكلام الذي يُنقذ).
كلامه الجريء في أروقة الأمم المتحدة ضد الحرب الأميركية على العراق دليل واضح على ذلك، فهو لا يخشى أحداً سوى الشعراء الذين يحبهم أمثال: فيلون، بودلير، ريلكه، ايلوار، غارسيا لوركا، بونج، لأنه يعتبرهم (حلفاءه الجوهريين) يتأمل دروسهم، ويهضم رسالتهم، ويُسحر بكلامهم.
قام دوفيلبان بقراءة كم هائل من الكتب ليؤلف كتابه (مديح من أجل سارقي النار)، 823 صفحة، الذي يبلور فيه مفهومه للشعر عبر قراءته للشعراء الآخرين. كتب رواية (الشاهد الأخير)، ولم يسلم من هذا الإغراء الجميل الذي سار عليه أمثال جان لويس دوبري وفاليري جيسكار ديستان وغيرهما.
على هامش المؤتمر الاقتصادي الذي انعقد مؤخراً في عجمان، خصص الشاعر ورئيس وزراء فرنسا الأسبق دومنيك دوفيلبان حيزاً من وقته رغم مشاغله لإجراء هذا الحوار مع (البيان).
أليس من الصعب أن يكون المرء شاعراً وسياسياً في آن واحد؟ أيهما يخدم الآخر؟ وكيف؟
بين السياسة والأدب بون شاسع في الظاهر، ولكنها مرتبطان بوشائج خفية. إنني أنطلق من مبدأ أن الحياة غير مصنوعة بشكل جيد، لذا أسعى على الدوام إلى بناء الاستمرارية الإنسانية مع عملي كرجل سياسي، وهذه الاستمرارية هي الأدب.
لا أستطيع أن أؤلف كتاباً يسرد الأحداث والوقائع السياسية وأقول هذا جيد وهذا سيء. لم أفعل هذا أبداً، ولن أفعله مستقبلاً.
الكتابة الأدبية تجعلني قادراً على الانتقال إلى اليوم التالي بكل أمل. لأن السياسة عالم مليء بالمرايا، وإذا ما تبادلنا النظرات فيها، سرعان ما نصبح سجناء لنظرة الآخر. بينما يوفر لنا الشعر: الكبرياء، والصمت والغموض. وبدونه نجد أنفسنا مقطوعين عن الحقيقة، وحينها لا نجد سوى انعكاساتها.
نشاط يومي
هل هناك لحظات معينة لكتابة الشعر؟
لا توجد لديّ لحظات معينة لكتابة الشعر، ولكن هذا الاهتمام يرافقني في كل اللحظات على الدوام. وهو نشاط يومي لا أفارقه.
سان جون بيرس وبول كلوديل وبول موران مزجوا الأدب بالدبلوماسية، ما هو رأيك بهم؟
نهم مبدعون في الأدب والدبلوماسية. هؤلاء تأملوا أن يعم الشعر العالم. وكانوا يسعون إلى (إسكات الحرب العبثية في قلب الإنسان).
كما هو معلوم أنت تكتب انطلاقاً من تراث الأدب الكلاسيكي الفرنسي ولكنك رجل حداثي في الوقت ذاته، هل يمكن التوفيق بينهما؟
أجل أنا كلاسيكي وحداثي وهي مهمة صعبة أحاول أن أعبر عنها. الحداثة لا تقوم ضد الكلاسيكية بالضرورة، إنها حلقات في حياة الإنسان، يسعى إلى التعبير من خلالها.
أنت تكتب الشعر وتسعى إلى تنظيره أيضاً كما في كتابك (مديح لسارقي النار)، هل يلخص تجربتك الشعرية؟
لست منظراً بالمعنى الحرفي، لكني ذهبت في كتابي (مديح لسارقي النار) إلى استنباط روح الشعر في حياتي، فهو كتاب يمتد إلى طفولتي. وهنا لا بد من التذكير بالمفهوم الرامبوي ـ نسبة إلى الشاعر الفرنسي آرثر رامبو ـ لفعل الكتابة.
لذلك أركز على شعراء القرن التاسع عشر والقرن العشرين من هيغو ونيرفال وبونفوا ودوبري ودوترمونت إلى ريلكه واليوت وبورخيس وأدونيس.
هل يعني هذا أنك متأثر بالشاعر آرثر رامبو؟ لماذا؟
يعرف رامبو أن الشعر لا يقدر أن يغير الحياة إذا لا توجد هناك ثورة شاملة أو حب، الحرية والشعر يرتبطان مع بعضهما. هناك على الدوام صعود ممكن من العدم نحو الضوء بفضل الذاكرة والذكريات والشواهد، ولذلك أحب رامبو.
هل يمكن أن تحدد لنا سؤال الشعر الراهن الذي يشغل بالك؟
يتمثل السؤال الكبير للشعر في معرفة كيفية استدامة الكلام الحيّ وليس كلام القوالب الجاهزة. ومازلت أتساءل: أما زال في الاستطاعة إبداع قصيدة في عالم الأنانية؟ لقد قلت مراراً ان البربرية واللامبالاة تهددان الكلام الشعري.
هل تفكر بالعيش في مكان معين؟
لا أفكر بمشاعر الحنين إلى مكان آخر بل أريد أن أعيش عصري وبلدي.
كتبت عن الشجرة، وهي رمز من رموزك الأليفة، ما هي قصتها؟
عندما غادرت مبنى ماتينون (مقر رئاسة الوزراء الفرنسية) كنت مسكوناً بحلم العيش في حيوات أخرى بعيداً عن لعب الأدوار وغيرها من كواليس السياسة. حينها أشار أحد أصدقائي إلى الطريق الأنسب لكي أسلكه (لماذا لا تحكي قصة شجرة؟) وشرعت في سرد حكاية الشجرة لأنها (نظيرتنا) وهي ليست سوى استعارة تتكلم عن الناس عامة.
أدونيس ترجم أشعارك، ونشرتها دار (النهار) بالعربية أولاً؟
أدونيس شاعر كبير وصديق عميق. وقبل مجيئي إلى الإمارات التقيت به. إنها تحية إلى اللغة العربية، كتبته بالفرنسية، وصدر في العربية بصداقة أدونيس. وربما لأن جذور هذا الكتاب تنغرس في أرض قريبة.
قوة الشعر
ما هي ذكرياتك عن الشاعر الراحل محمود درويش؟
إنني أؤمن بما يؤمن به الشاعر الراحل محمود درويش في إيمانه بقوة الشعر والثقافة ومدى مساهمتهما في التخفيف من المعاناة الإنسانية.
وشعره يتميز بحيوية وغنائية، وتعلق بالأرض. وهو يذكرني بإيمي سيزير، في النضال ضد الاستعمار. وكما تعلم فقد حرصت على حضور مراسيم تشييع جنازته، ولي الشرف في ذلك.
ما هو رأيك بالشعر العربي؟
أحب الشعر العربي كثيراً، ولي علاقات مع شعراء من المغرب والجزائر وتونس، وكل مرة أجد الفرصة في سماعه أو قراءته فانني أفعل ذلك. وكنت أتابع بشغف وحب ما يكتبه أدونيس وصلاح ستيتية ومحمد بنيس، وأخص أدونيس الذي تربطني به علاقات صداقة وإبداعية عميقة.
.. وهل اطلعت على الرواية العربية؟
وأحب الرواية العربية أيضاً ولكن الترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى لا تزال بطيئة، وهناك روايات عربية تسحق التعريف والانتشار أكثر. وبعض كتاب الرواية أمثال نجيب محفوظ والطيب صالح أصبحوا رموزاً عالمية.
ثمة من يسأل: ماذا ينفع الشعراء؟
لينشدوا الكلمات إلى العالم، ويعيدوا تكوينه، ويعملوا على أغنائه. والشعر يستطيع، بنفسه القوي، أن يحمل العبء الإنساني الثقيل، عبء الأحياء والأموات، عبء المسرات والآلام.
كتابان مترجمان إلى العربية
يمكن للقارئ العربي أن يتعرف إلى دومنيك دوفيلبان عبر كتابين شعريين صدرا له مؤخراً، الأول في الدار البيضاء بالمغرب، عن بيت الشعر، بعنوان (راهنية الشعر يليه قصائد مختارة) عربه الشاعر المغربي محمد بنيس، والثاني في بيروت عن دار النهار، بعنوان (الأرض الملتهبة) عرّبه الشاعر السوري ادونيس.
وقدّمه بكلمة موجزة قال فيها: (أجريت، باتفاق مع الشاعر، تعديلات طفيفة في الصياغة والتعبير، من أجل تطابق شعري أكثر غنى بين لغة الأصل ولغة النقل.
والغاية هي تحقيق الشعرية في الترجمة، على الوجه الأكثر إفصاحاً وجمالاً، وفقاً لتجربتي الخاصة في ترجمة الشعر، ولخبرتي الحية: إيثار ارتكاب الأخطاء الحرفية، حيث تقتضي الحال، واجتناب الأخطاء الشعرية، في أية حال).
ابداع
مختارات من ديوان «الأرض الملتهبة»
فصل
نارٌ مناراتٌ/ للأشرعة كلها/ انطلاقاً وعودةً/ في ثغرة المرفأ/ حيث يترصَّد البريقَ
العُصاةُ/ صرخات عديدة/ تحرثُ بِسككها/ البحرَ الذي لا اسْمَ له/ المنفى فصلي/ بعيداً/ امتدحْ الغِلالَ النيَّرة/ الزّوارقَ الخفيفةَ في ضحك السّيول/ العطشَ المهدّأ في تجاويف الصّخر/ تحت الدّوابّ المقرونة/ تحمل الأرض جرحها/ كأنّه اعتراف/ رجلٌ ينطلق بعيداً/ على الذّروة الصّخرية/ في ضلال الشّمس.
على العتبة
أضواء باطلةٌ انطفأت/ في أنفاس الكروم/ الرُّحَّلُ المزّينون بالنّجوم/ يخيّمون على عتبات اللّيل/ في كلّ شكْلٍ/ يقشرُ الحَمْضُ اللَّوزة/ يخنقُ الطّمْيُ البذارَ/ لكن مِن أجل/ انْباريّ اللّه/ كلّ شيء ضياءٌ/ كلامُ حَقْلٍ من الملح.
سقوطٌ
خطواتٌ أولى خارجَ حلُمٍ/ سَوّدتْهُ الطّلاسم/ لا تَمْتَثِلْ/ على درجات الهيكل الأولى
أقمارٌ وأيْدٍ مقطوعة/ الكسوف يجدّد الكارثة القديمة/ وجَنْباً إلى جنب/ يرقد عارضو الأزياء والدُّمى/ منارات أضْناها الزَّبد/ وحدها بعض الكلمات تقول/ الرُّعْبَ وخَنقاً
هيهات أن يروّضه المساء.
القَسم بالسيف
يؤبّد الاسترحام/ غداً على الأرض/ كُلٌّ يُصبح بريقاً وانشقاقاً/ بذار
عنايَةٌ إلهيّة/ عذابُ البشر/ المسمّرين في الأرض العدوّة/ وجوه مفتوحة
جامدة/ تواجه عربة السّنين/ شهودٌ/ ترفعهم يد الحلم/ لكي تُضلِّلَ/ مَكَائِدَ
الذّاكرة
البلاد الأماميّة/ في لحظة الإهانات الكبرى/ وراء سُجُفِ السَّماء/ تحت الميازيب
تتحرّك المزاهر/ في نار بيت المعموديّة/ حنقُ الصوّان/ يبعثر الرّماد/ في أحشاء الأرض المحروثة.
إعصار
ذاكرةٌ مختومة/ في قوارير الفخّار/ جزرٌ صغيرة سُمْرٌ تقفزُ/ بين الغدران/ قمرٌ مجوّفٌ.
علامةٌ على الرّفض
يدان تحملان خضوع النّهار/ تحت رشقات الرّصاص/ من أطراف الشفاه
تندفعُ الصّرخة/ الغاضبة/ المُكبَّلة بالورقة/ صلاة السَّحر/ تحفر المبخرة
سماء الفجر/ مؤبّدة تقديس الأوثان الأولى/ ليكن ممجداً/ في شاطئ الهذيان
الأثر الذي تركته في مجرى السّيل/ الانتجاعات العالية.
صيد
على المنحدر الحجري/ تتسارع النّسور/ متحديّةً الأرق/ صعاليكُ وحفّارو قبور متبعثرون/ الشطآن الصّامتة/ تستقبل رفقاءنا ذوي الحظّ العاثر/ تحت العين
المفْرَدة
عندما يمرّ سرْبُ كلاب الصّيد/ يهدأ القلب/ القلب المثقوب/ كلامٌ تحت الزّيتونة
في المنحدر المخمور بالنّعنع والزيزفون
/ تَلْتَفّ الحُمُر/ في زفير الطّبول/ يَنحت الخاتمُ التّحالُف.
في أعالي المتاريس
يشتعل طقسُ هاوية/ حيث يجرحُ الحصادُ/ أيدينا/ نحو الغروب
تنقضّ بنات الفيضان/ على ظلال الطّريق/ رِعدة/ تسأل اليدُ الوحي/ وتكتم القيء/ هناك حيث يلتقي/ البحر والسّماء/ تتمدّد الأرض/ في أفق بلادٍ عتيقة/ طائرة الورق تحمل القناع/ تبتزُّ غنيمةً/ من اللآلئ والعار/ سلامٌ على البحر/ بلا عمر/ تتقدم الهجرة/ راياتٍ ممزّقة/ ينفجر الكلامُ/ في جرح ناضج.
تحت الأمواج السّاكنة
يمشي المبتهل والكافر/ صديقين/ بأحشائهما المفتوحة/ كعربات مَلأى/ الكوّة يرفع الرّائدُ المشعل/ / الذي ينبثق منه سلاح المهرّج/ تقول الزيتونة الولاء/ تقول الجرّة التضحية/ خارجاً المرايا/ عندما تتألّق الحياة/ تحيّي الولادة الخلاص.
هروب
بخطوط الأرض المقوّسة/ يُعلن السّاعة/ حرّاس الاسم/ ألقيت مرساةُ البنّائين
تحت الأمر والسّوط/ استأصل الخوفَ/ امْحُ وجهكَ/ داعبْ في الينابيع/ المسبحة البعيدة/ للجُزُر الهادرة/ مسرح الظلّ/ نُوّارات المسرح شاحبة/ خطبٌ مسنّنة/ ترتفع الكلمات والأيدي/ حتى شفرة المقصلة.
مركز الرّصد
يلتهب/ آياتٌ/ مهيأة على الشاطئ الآخر/ القناة تتّسع/ مبقّعة بأرض ميتة/ عَضّة السّجن تتلاشى.
نبذة
مؤلفات دوفيلبان
ـ مئة يوم أو روح التضحية 2001
ـ صرخة الضفدعة 2002
ـ مديح لسارقي النار 2003
ـ عالم آخر 2003
ـ القرش والنورس 2004
ـ تاريخ الدبلوماسية الفرنسية 2005
ـ الرجل الأوروبي 2005
ـ راهنية الشعر 2005
ـ العولمة 2006
سيرة حياة الشاعر
ولد دومنيك دوفيلبان في نوفمبر عام 1953 بالرباط ودرس في المدرسة الوطنية للإدارة بباريس التي يتخرج فيها عادة كبار موظفي الدولة الفرنسية العاملين أساسا في القطاع العام.
عمل دبلوماسيا في فنزويلا والولايات المتحدة الأميركية، وأصبح معروفاً لا في فرنسا فحسب بل في العالم أجمع عام 2003 بعد الخطاب الشهير الذي ألقاه من على منبر مجلس الأمن الدولي واعترض فيه على الحرب الأميركية على العراق.
وبعد أن تقلد بعض المناصب في الدواوين الفرنسية شغل منصب أمين عام قصر الاليزيه أي طوال الفترة الرئاسية الأولى التي قضاها جاك شيراك على رأس الدولة وكذلك وزيراً للخارجية والداخلية ومن ثم رئيساً للوزراء.
معنى الحياة
قال دومنيك دوفيلبان في محاضرة افتتاحية للدورة ال16 للمعرض الدولى للنشر والكتاب في الدار البيضاء خلال فبراير الماضي فى موضوع (الثقافة من أجل الحياة في عالم اليوم) إن الثقافة وخاصة الشعر ضرورية في زمن التدهور، لأنها تصبح مقاومة في مواجهة الحتمية والخوف.
وهي الوسيلة المثلى للحصول على فضاء خاص وامتلاك الطبيعة وتغيير الحياة والإنسان أيضا. وان هذا الفعل لا يتأتى بقراءة ألف كتاب ومشاهدة ألف فيلم أو ألف لوحة تشكيلية ولكن بالتأمل فيها والإنصات إليها.
واعتبر دوفيلبان ان في عالم اليوم الذي يعرف أزمات متعددة، تصبح الثقافة ملحة، وأننا لا نستطيع تجاوز دورات الإنتاج والاحتكار والاستهلاك المفرطة والرغبة المادية التي تعتبر عناصر في فخ التحديث هذا.
والثقافة والشعر، اللذان يعتبران في رأيه بمثابة عملية التنفس، يكشفان عن القدرة على الخلق في مقابل كل حتمية، مشيرا إلى أن كل إنسان يحصر نفسه فى إطار اليقينيات وينغلق في سجن من الأفكار.
حوار - شاكر نوري
