لم يعد يقتنع كثيرا بما تعلمه في سنواته المبكرة، فكل شيء أصبح عنده سواء، فمواقف الحياة قادرة على تغيير القواعد واثبات الزيف الداخلي، ورغم كبر سنه لكنه ما زال يذكر جيدا عندما كانوا يقفون في ساحة المدرسة ويصرخون بصوت واحد جهور «.. كاد المعلم أن يكون رسولا»، لأنه كان بالفعل يمثل رسالة الأخلاق والثقافة والعلم والمعرفة.
لم يعد محمد مقتنعا بهذه الكلمات، بعد أن تبادر إلى ذهنه كلمات ولده التي استشف منها قيام معلم ابنه الخاص ببعض الحركات الغير أخلاقية، مستغلا الهدوء الذي توفره العائلة لابنها وتلك الغرفة المغلقة إلا من ضوء الشمس، حتى يتمكن الطفل من النهل بأكبر قدر ممكن من وعاء معرفة المعلم.
يقول والد الطفل: أنا كالآخرين طالما حلمت وزوجتي بأن يكون لنا ولد نلعب معه ونربيه ونكبر معه، وهو ما جعلنا نصر على أن يتلقى تعليما جيدا، حتى يكون مستواه العلمي عاليا، ودارت علينا الأيام وتقلبت، وفيها كنا نرى ابننا يكبر ونفرح كلما رأينا ابتسامته، ما زلت أذكر جيدا يومه الأول في المدرسة، في ذلك اليوم كان فرحا جدا، ارتقت معه فرحتي.
واعتدت في كل يوم على أن يخبرني بما يحدث معه في المدرسة، كبر ولدي وكبرت معه أثقاله فأصبح يحتاج إلى معلم خاص يعينه على بعض المواد التي تحتاج إلى تكثيف في الدراسة، ولم أجد أمامي طريقا لهذا المعلم سوى بعض الإعلانات التي كنت أطالعها في الصحف، وبعد جهد حصلت على معلم لولدي توسمت في وجهه الخير، ولا اعرف لماذا، ليبدأ ولدي مرحلة جديدة في حياته.
مرحلة جديدة بدأها الطفل مع معلمه الذي كان يحضر إلى البيت خمس مرات في الأسبوع، ليستقطع من وقت الطفل نحو ثلاث ساعات يراجع معه كل المواد ويعينه على انجاز واجباته المدرسية، ومع مرور الأيام بدأ إقبال الطفل على الدرس الخاص يخف بعض الشيء، لدرجة انه كان يكره تلك الساعات ويتمنى أن تمضي بسرعة البرق، وشيئا فشيئا بدأ الطفل يخاف كثيرا من غلق الأبواب.
حيث يستحضر من خلالها مشاهد مشينة تحدث معه كل يوم في أوقات الدرس الخاص.
ويقول والده : لم أكن أتوقع يوما ما أن يتعرض ابني لمثل هذا الموقف من قبل مدرسه والذي يفترض أن يكون حاملا لرسالة سامية قوامها العلم والأخلاق، ففي البداية كنت استغرب كثيرا من خوف ولدي وبكائه عندما يغلق باب غرفته عليه ليلا، وفي البداية ظننت بأنها رهبة الليل وعتمته.
ولكني صعقت كثيرا عندما بدأت ألحظ ارتباك ولدي ومحاولته التظاهر بالنوم أو المرض عند حلول موعد الدرس، خاصة وانه كان في بداية الأمر مقبلا عليه بفرح وسرور ولكنه مع الوقت بدأ يتغير، في المرة الأولى لم أدرك معنى حركات ولدي وظننتها «حركات طفولية» يقومون بها عندما لا يرغبون بالقراءة والتعلم، وبالتالي لا يجب الوقوف عندها.
ولكن مع تكرارها وملاحظة الأم لها بدأ الشك يساورني، في أن شيئا ما يحدث خلف تلك الجدران لا أعرفه، ولكي أقطع الشك باليقين طلبت من والدته الحديث معه علها تصل إلى شيء، لأفاجأ بأن ولدي يتعرض إلى التحرش من قبل معلمه في قلب بيتي.
في تلك اللحظة حاول الأب والأم التخفيف من روعة الولد، وأخذاه بحنانهما حتى لا تتحول الدراسة إلى عقدة في حياته، وحتى لا تكون الغرفة المغلقة سجنا له، وفي اليوم التالي حاول الأب مواجهة المعلم بفعلته وقد أنكرها معتمدا في أقواله على صغر سن الولد وأنه لا يفهم معنى الكثير من الحركات.
في تلك اللحظة قرر الأب طرد المعلم وتخليص ولده من براثينه، وقرر عدم الاستعانة بأي معلم مهما كان نوع العلم الذي يحمله، فقد نزع ذلك المعلم بفعلته الثقة بين محمد وولده وقوائم المعلمين.
غسان خروب