أول ما يلفت نظرك في أي مكان تقصده في اليابان، سواء أكان شارعاً أو حديقة أو مسرحاً أو مقراً لشركة أو مصنعاً، هو النسبة المرتفعة للمسنين التي تجدها حيثما ولّيت وجهك في بلاد الشمس المشرقة، ذلك أن الكثرة الكاثرة من اليابانيين تنتمي بامتياز إلى سنوات العمر التي تتجاوز الستين أو السبعين.
وهذه الملاحظة ترتبط في الوقت نفسه بظاهرتين جليتين، أولاهما النشاط الذي يتمتع به المسنون اليابانيون، والذي يحسدون عليه حقاً بكل المعايير، والظاهرة الثانية هي محدودية عدد الأطفال في الشارع والبيت الياباني.
وذلك على الرغم من البرنامج الكبير الذي تبنته حكومة الحزب الديمقراطي، الفائز في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، لتشجيع اليابانيين على الإنجاب، عن طريق المدفوعات النقدية المباشرة والإعفاءات الضريبية والدعم للتعليم لكل أسرة يابانية تدخل دائرة الإنجاب.
ولكن رعاية الصغار لا تعني في اليابان إهمال كبار السن، وإنما الأمر على العكس من ذلك تماماً، فقد أطلقت جامعة طوكيو، أخيراً، مشروعاً عملاقاً لتحويل مدينة كاشيوا، الواقعة في مقاطعة تشيبا، وتبعد نصف ساعة بالقطار عن طوكيو، إلى دار هائلة لرعاية المسنين، تضم مجتمعاً يدور حول الكبار والعناية بهم.
ووفقاً لهذا المشروع ستضم كاشيوا تسهيلات دور لرعاية الكبار على مدار 24 ساعة يومياً، ومجمعات سكنية تضم أماكن عمل وتسهيلات عديدة أخرى مصممة لتناسب كبار السن، من حيث الحركة والنشاط والقدرة على الاستيعاب.
وبالطبع لم يأت هذا المشروع العملاق من فراغ، فمن يبلغ عمرهم 65 عاماً فأكثر كانوا يشكلون 20؟ من سكان اليابان في عام 2005، ومن المعتقد أن هذه النسبة ستقفز إلى 32؟ في عام 2030، ومن ثم تصل إلى 41؟
في عام 2055، وسيرتفع عدد من يزيد عمرهم على 75 عاماً بسرعة أكبر، الأمر الذي من شأنه أن يترك نظام الرعاية الصحية السائد في اليابان حالياً عاجزاً عن التعامل مع هذا الاتجاه الديموغرافي، الذي لا يعتقد أنه في سبيله إلى التراجع، أياً كان ما ستبادر السلطات اليابانية إلى اتخاذه من إجراءات.
ويشير الخبراء إلى أن التحدي الكبير الذي تواجهه اليابان حالياً، ويتعين عليها النجاح في التصدي له، هو أن يحصل المجتمع على أقصى عائد من كبار السن، الذين لا يزالون يتمتعون بالنشاط والحيوية والقدرة على الانتاج والعطاء، وذلك من دون ضغط عليهم أو تجاوز لقدراتهم الفعلية.
وتعد مدينة كاشيوا المرحلة الأولى في هذا المشروع، ومن هنا تأتي أهميتها الاستثنائية، فهي تضم عدداً من السكان يصل إلى 400000 نسمة، وتعد امتداداً تقليدياً لطوكيو، حيث لا تبعد إلا مسيرة نصف ساعة بالقطار عن قلب العاصمة اليابانية.
وتعاني كاشيوا، في الوقت الحالي، من مجموعة لا يستهان بها من المشكلات، التي يتعين علاجها في غمار تنفيذ المشروع، حيث إن العديد من مبانيها بحاجة عاجلة إلى الإصلاح والصيانة بدرجات مختلفة، كما أن أكثر من ثلث سكانها تزيد أعمارهم على 65 عاماً، وهي النسبة التي سيصل إليها المسنون في اليابان كلها بعد عشرين عاماً من الآن.
وفي غضون ذلك، يعرب الكثير من سكان كاشيوا عن تفاؤلهم بالنتائج الإيجابية المترتبة على المشروع، بالنسبة لهم ولعائلاتهم وأعمالهم وللحياة في المدينة بصفة عامة، وهم يرون أن العيب الوحيد في هذا المشروع هو أنه تأخر حتى الآن، ولم تتم المبادرة إلى تنفيذه قبل سنوات طويلة.
قسم الترجمة
