يتضمن العدد الثاني من مجلة «ذاكرة مصر المعاصرة»، (مارس 2010) الماضي، الصادرة عن مكتبة الإسكندرية، باقة من الموضوعات الغنية والشيقة، التي توثق وتعرض لنوادر وكنوز وحكايات ممتعة في تاريخ مصر المعاصر.

ضمت الموضوعات المطروقة مجموعة من التحقيقات والحوارات المعمقة، إلى جانب دراسات خاصة، ومواد طريفة منوعة، وأبرزها خبر عن رسوم المرور على كوبري قصر النيل، يطلعنا على ماهية القواعد والأطر الناظمة لمنوال التعاطي بشأن حركة التنقل على جسر(كوبري) النيل سابقاً، حيث كان الناس يدفعون مبلغاً مالياً محدداً لقاء عبورهم هذا المكان ..، مستعينين بالجمال والأبقار، أو العربات لأجل هذا ..(نعم المرور بفلوس).

وفي صبغة تشويق منمق، يوضح لنا الموضوع المذكور كيف أنه كانت تتمايز وتختلف التعريفة المطلوبة، فالجمل المحمَّل بقرشين، والفارغ بواحد فقط، أما الجاموس والأبقار فبقرش و15 بارة لكل واحدة.

وفي المقابل هناك عربات «الكارو المجوز»، تبلغ كلفة التنقل والعبور فيها ثلاثة قروش، إذ يدفع الرجال والنساء معاً، سواء «فارغين» (من دون حمولة وأمتعة)، أو «شايلين»، أي يحملون أشياء أو أمتعة معهم، يدفع كل فرد منهم، مئة بارة.

ولكن أمثل أوجه الطرافة المتسمة بمنحى جمالي في هذا السياق، تتبدى في أن الأطفال المارين مع أقاربهم، وحتى السادسة من العمر، معفون من دفع الرسوم، وتفيدنا المجلة في المقالة ذاتها، أننا نتبين هذا بوضوح في خبر موسع نشر في الصحيفة الرسمية، «الوقائع المصرية» بتاريخ 27 فبراير 1872، يفسر أن هذا الإجراء والعرف أتى وفقًا للمرسوم الصادر من المجلس الخصوصي.

وذلك بعد مرور 17 يومًا من افتتاح الكوبري للمرور، كما أشار المرسوم عينه إلى أن هذه الرسوم التي سوف يتم تحصيلها من المارة، ستخصص للإنفاق على لوازم الكوبري!. كما يحوي العدد أيضا المزيد من القضايا المطروقة، ومنها الحديث عن السباق الأول للطيران في مصر، وشهادة عتق لأحد العبيد.

مستقبل التاريخ

وفي مقالة حيوية بعنوان «مستقبل التاريخ»، يطرح الدكتور خالد عزب، رئيس تحرير المجلة، تساؤلاً مهماً حول مستقبل التاريخ في مصر، ومزايا وعيوب النشر الرقمي والكتاب.

ويقص لنا الدكتور عماد الدين أبو غازي، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، وفق أسلوب إمتاع زاخر، حكاية روائع النحات والفنان المصري محمود مختار، صاحب تمثال نهضة مصر، وذلك في مقال مطول مزود بنوادر الصور، يشرح ويرصد مشوار حياة هذا المبدع.

«العفريت»

وضم العدد كذلك، عددا من المقالات المتنوعة، ومنها: مسلتا الإسكندرية في لندن ونيويورك، لعبد الوهاب شاكر، وآخر عن تاريخ مصر في الدورات الأوليمبية لحمود عزت.

والخارجية المصرية من ترجمان لبلاد بحر بره إلى عضوية الأمم المتحدة لأميرة داود، ويضاف إلى ذلك عدد من المقالات التي تتناول مواضيع متفرقة، مثل: شوام في بلاط الصحافة المصرية لممدوح مبروك، وأيضا نتعرف مع حيثيات مقال سوزان عابد، سكرتير تحرير المجلة، وتحت عنوان «حكايات وروايات من مصر»، إلى قصة دخول «الترمواي» (القطار)، إلى أرض المحروسة.

ومدى الفزع والذهول الذي أصاب العامة من السرعة التي تسير بها عرباته، ما دعا العامة للاتفاق على أن يطلقوا عليه تسمية «العفريت». وفي باب «صدق أو لا تصدق».

بور سعيد

وتعمد المجلة لإطلاع قرائها على كنز تاريخي آخر في مصر، وهو فينسيا القاهرة المجسد لصفحة مشرقة من تاريخ العاصمة، عندما كان شارع بورسعيد جزءًا من تلك اللوحة الجميلة، فبالصور النادرة نرى شارع بورسعيد، الذي كان يعرف بالخليج المصري، بينما تسير فيه المياه، وتحيط به البيوت الجميلة ذات المشربيات المميزة، لندرك مع هذا المنظر، ومن الوهلة الأولى، أنها فعلا صورة مطابقة لجمال وروعة وتقدم القاهرة.

والتي شابهت فيها فينسيا، إذ تسير بين شوارعها، آنذاك، فتجد نفسك مع هذه الصور، وعمق الوصف (ضمن المقال)، ترقب وهج الحياة وملذاتها في أبدع الأمكنة، مستمتعا بالنظر إلى البيوت في طرازها الشرقي البديع والإطلالة على شارع بورسعيد.

بروتوكولات»

ويخصص العدد الجديد من المجلة، مساحة جيدة وجاذبة لجانب وموضوع الملابس الرسمية وبروتوكولات الأزياء في الحفلات العامة، والمناسبات التي يحضرها كبار الشخصيات.

فقد جاء العرض في هذا الصدد مفصلا ودقيقا، على صفحتين، وذلك تحت عنوان «بروتوكولات ومراسم الملابس الرسمية، القواعد الخاصة المتبعة عندما تجد على بطاقة دعوة عبارة :الدخول بالملابس الرسمية».

جدير بالذكر أن مطبوعة «ذاكرة مصر المعاصرة»، مجلة ربع سنوية، تصدر عن مكتبة الإسكندرية، وذلك في إطار مشروع ذاكرة مصر المعاصرة، الذي يمثل المكتبة الرقمية التي تضم تاريخ مصر، منذ عهد محمد علي، وحتى نهاية حكم الرئيس محمد أنور السادات.