على صفيحة الماء يرسم الفنان التركي حكمت بارتجوغيل بحرفية عالية، بينما تحتفظ الأوراق البيضاء، بهذه اللوحات التي شكلت 30 قطعة منها معرضه الذي نظمه قصر جيراغان كمبينسي. (الذي يعتبر مأوى الفنون التشكيلية ) في فندق قصر الإمارات في أبوظبي، أخيرا ولمدة يوم واحد.
يوم واحد كان كافيا للتعرف عن قرب على فن (الإبرو) الذي يحترفه حكمت، وقدم في هذا المجال العديد من اللوحات، التي ظهر فيها الماء كعنصر أساسي، بحر هائج تظهر على شواطئه الخيول بوضعيات مختلفة وأشكال مختلفة، ما بين خيل هائج، وآخر ساكن وكأنه في حالة من التأمل الأزلي. وما بين مجموعة من الخيول يركضون على شاطئ البحر، ليصل في لوحات أخرى لتجسيد السفن والبحار، التي تذكر المشاهد بزمن غابر من خلال الشخصيات الموجودة، في إحدى زواياها. والتي استحضر أزيائها من قصص ألف ليلة ولية، أو هناك قصور، مليئة بالزخارف يظهر جزء من عمارتها، بينما تغطي الأمواج جزءا كبيرا من تفاصيلها الأخرى، وكأنه يقول هناك جزء كبير اندثر تحت تأثير الزمن.
كما رصد الفنان تقاليد الصحراء و تقلباتها المناخية، وفي كل مرة تحضر قافلة الإبل، يرصد حالة مختلفة من حالتها مرة يجسد مشهد الترحال، ومرة أخرى استراحة من عناء السفر، وإلى جانب الرسم قدم حكمت مجموعة من لوحات الخط العربي، وكتب العبارات على خلفية تظهر براعته بفن (الإبرو) أي الرسم على الماء.
والذي استخدم من قبل كخلفية وحدود للخط العربي، إذ يعتبر فن (الإبرو) أحد أقدم فنون الورق التركية، والمعروفة بأوروبا باسم الترخيم، أو الورقة التركية، الذي يعتبر اليوم فنا تجريديا يعكس رؤية الفنانين، وتبرهن على مدى حرفيتهم، ومن هنا تابع الجميع بإعجاب شديد طريقة حكمت في الرسم على الماء وذلك عقب افتتاح معرضه.
وهو ما عكس تجربته التي بدأت عند دراسته الفنون في أكاديمية الدولة للفنون الجميلة في كلية الفنون التطبيقية الصناعية الرئيسية، في تصميم المنسوجات، ولدى لقائه مع البروفسور أمين بارين قال: (إنه يفتش عن الخط التقليدي) وحينها اكتشف الفنون الجميلة من (الترخيم) الذي أصبح عشق حياته لاحقا.
وذلك بعد أن واصل أبحاثه وتجاربه على (الترخيم) خلال السنوات الثلاث التي قضاها في انجلترا لدراساته العليا بين عامي 1978 و 1981 وتكونت فكرته الأساسية من أن الفن يجب أن يكون في حياة الناس اليومية من أجل بقائه حيا، وبناء على هذا الأساس قام بإعادة تحديد جوانب فن ( الإبرو) مع نهج علمي وتمكن من نقل هذا الفن ودمجه مع الاختصاصات الأخرى من العمارة إلى الحرف الشعبية.
(الإبرو) فن متجدد
يعتبر فن (الإبرو) من أقدم الفنون التركية للزخرفة وتزيين الورق، وتعني كلمة ( أبرو ) العروق الرخامية استعملت في إحدى لغات آسيا الوسطى، وقدم هذا الفن إلى إيران بواسطة طريق الحرير، وسميت (إبرو) أي سطح الماء، أو (إبري) كالغيم.
ويدعي المؤرخون بأن (إبرو) المتعدد الألوان الذي يعرف اليوم، كان قد ولد في آسيا الوسطى في (تركمنستان) وهو المكان الذي كان مركزا للكثير من الثقافات، ولكن بالضبط أين ومتى لا يزال غير معروف.
وفي تركيا استخدم (إبرو) كخلفية وحدود في الخط، مع الاستخدام المتزايد للخط، وزادت قيمة ورقة الخلفية، ولكن مع نهاية القرن العشرين، حدثت تغيرات وإبداعات كثيرة على هذا الفن وأصبح لـ (إبروستان) الذي أقيم كأول مركز لتعليم (الإبرو) دورا كبيرا، ساهم عبر دوراته بأن يصبح هذا الفن شعبيا.
أبوظبي - عبير يونس

