يرجع الكثير من المراقبين نشأة الحركة البيئية إلى كتاب «الربيع الصامت» الذي نشر عام 1962، والذي وثّقت فيه راشيل كارسون بعض التأثيرات الضارة للمبيدات الحشرية على البشر والحيوانات، وطالبت فيه بفرض قيود أكثر صرامة على استخدام المبيدات.
والآن بعد مرور أكثر من نصف قرن، لا يزال الكتاب نفسه مثاراً للجدل لكن لم يعد هناك شك أن المبيدات الحشرية، بالرغم من كل فوائدها، تسبب أضراراً هائلة أيضاً.
وتعتبر حالات التسمم بالمبيدات الحشرية مشكلة صحية كبرى. وفي كل عام يموت الآلاف من عمال المزارع بسبب التسمم بالمبيدات الحشرية، بينما يعاني ملايين آخرون من آثار صحية شديدة، لا سيما في البلدان النامية. وقد خلص مسح أجري في نيكاراجوا العام الماضي إلى أن 2 بالمئة من سكان البلد يعانون من تسمم المبيدات كل عام.
ثم هناك أيضاً التأثيرات البيئية. فالعديد من أنواع المبيدات الحشرية لها تأثير سام على طيف عريض من الحيوانات، وكثيراً ما يكون حجم الجرعة هو العامل الوحيد الذي يجعل المبيد قاتلاً للحشرات فقط.
وهذا يعني انه حالما يبدأ المزارعون باستخدام المبيدات، سيضطرون على الأغلب لمواصلة استخدامها وذلك نتيجة لتضاؤل أعداد الكائنات المفترسة التي تساعد في السيطرة على أعداد الحشرات بشكل طبيعي. وتبقى بعض المبيدات الحشرية في البيئة لعقود وتتراكم بشكل تصاعدي على الهرم الغذائي.
ومن بين الطرق المتبعة لحل هذه المشاكل تعديل النباتات جينياً بحيث تنتج مبيدات حشرية قابلة للتفكك الحيوي مثل «بي تي»، لكن هذا الأسلوب غير ناجع مع كل أنواع الحشرات، كما أن هناك معارضة شديدة للمحاصيل المعدل وراثياً في العديد من بلدان العالم.
لكن الآن يعمل الباحثون على تطوير جيل جديد كلياً من المبيدات الحشرية، يهدف إلى استهداف أصناف حشرات بعينها دون إيذاء الحيوانات الأخرى.
ويمكن رش هذه المبيدات المبتكرة على النباتات مثل المبيدات التقليدية أو دمجها وراثياً بالمحاصيل الزراعية. وهناك الآن شركة أميركية تحضر بالفعل للقيام باختبارات ميدانية على مبيد حشري يرش لاستهداف خنفساء البطاطس الشهيرة في كولورادو.
والمفتاح لهذا الجيل الجديد من المبيدات هو استخدام تقنية في الهندسة الوراثية تعرف بإسكات الجينات أو تشويش الحمض النووي الريبوزي (آر إن إيه آي)، والتي توصل إليها بعد سنين من البحث والتجارب بعد اكتشفوا في 1998 أن عند حقن شريط آر إن إيه مزدوج يطابق تسلسل جين معين في ديدان سلكية، يتم تعطيل أو إسكات ذلك الجين.
وربما تطورت خاصية تشويش الحمض النووي الريبوزي أصلاً كوسيلة دفاعية ضد الفيروسات التي تحتوي على أشرطة آر إن إيه مضاعفة، لكن الآن تعتمد عليها جميع النباتات والحيوانات للمساعدة في السيطرة على جيناتها الخاصة.
ومن اللافت ان ذلك التأثير يمكن أن ينتقل من خلية إلى خلية في بعض أنواع الفقاريات، عندما يتم حقن شريط آر إن إيه مزدوج في جزء واحد من الجسم، يتم على الأغلب إسكات الجين المطابق في أجزاء أخرى من الجسم أيضاً.
وكان من المفاجئ أيضاً اكتشاف أن إطعام أشرطة آر إن إيه مزدوجة للديدان يمكن أيضاً أن يسكت الجينات المقصودة، وإن كانت هذه الطريقة ليست بفعالية الحقن المباشر.
ولقد قام ستيفن ويارد وزملاؤه في المعهد الوطني الاسترالي لأبحاث الحشرات بتسجيل هذه التقنية الوراثية في براءة اختراع في 2006. ولقد قام ويارد، منذ ذلك الحين بالعديد من التجارب لدراسة إمكانية استخدام التقنية علمياً في تطوير مبيدات حشرية قادرة على استهداف أنواع معينة من الحشرات دون غيرها.
