في قلب صحراء السافانا الإفريقية تقبع مدينة تعتبر أنموذجاً مثالياً للتنمية المستدامة. فأبراجها الناتئة مبنية بالكامل من مواد طبيعية قابلة للانحلال، وسكانها يعيشون ويعملون في حجرات مكيفة الهواء ومضبوطة الرطوبة، بدون استهلاك .
ولا حتى واط واحد من الكهرباء. الماء يأتي من آبار تتغذى من باطن الأرض، والغذاء ينتج بشكل مستدام في حدائق خاصة داخل أسوار المدينة، التي تتميز ليس فقط بكونها رفيقة بالبيئة، بل أيضاً بجمالها أيضاً، خاصة الجدران الحفورة والأقواس الفريدة. لكن هذه، بالطبع، ليست مدينة بشرية وإنما مستعمرة نمل أبيض.
وبخلاف النمل الأبيض وغيرها من الحشرات التي تبني أعشاشها بنفسها، فإننا نحن البشر لا نعير كثيراً من الاهتمام لبناء أبنية تنسجم مع البيئات التي نعيش فيها.
بل أننا «نخرج أحياناً بأفكار معمارية سخيفة دون أن نتحمل عقاب الاصطفاء الطبيعي مثل بقية الكائنات»، كما يقول جوهاني بالاسما من جامعة هلسينكي للتكنولوجيا في فنلندا، لكن بينما يستيقظ العالم إلى حقيقة التغير المناخي ونضوب الموارد الطبيعية الآن، بدأ الخبراء يبدون اهتماماً متزايداً بكيفية قيام الحشرات ببناء وإدارة بيئاتها المستدامة الخاصة، إذ يبدو أن هناك أشياء كثيرة يمكن أن نتعلمها من الحشرات صعيد بناء مدن المستقبل.
ولقد قام سكوت تيرنر، خبير النمل الأبيض في جامعة نيويورك وروبرت سور، من شركة فريدوم إنجنيرنج الهندسية البريطانية، بدراسة مبادئ التصميم المتبعة في بناء روابي نوع من النمل الأبيض الأفريقي يدعى «ماكروتيرم» في ناميبيا.
ووجد الباحثان أن جدران مستعمرات هذا النوع من النمل، أدفأ من مركز العش، وهو ما ينفي احتمال وجود تيار هواء يخرج ثاني أكسيد الكروبون من الخلية للحفاظ على انتعاشها، كما كان يعتقد في السابق. كما أثبت الباحثان، من خلال تجربة حقن غاز ملون خاص للمراقبة، انه ليس هناك دوران هواء في المستعمرة.
والتفسير البديل الذي توصل إليه تيرنر وسور الآن هو أن النمل الأبيض تستفيد من الاضطرابات التي تحدثها الرياح عندما تضرب جدران المستعمرات. وتحتوي كل نسمة هواء على دوامات وتيارات صغيرة تتفاوت في سرعاتها واتجاهاتها وتردداتها المختلفة.
ويتم بناء الجدران الخارجية للمستعمرة بحيث تسمح فقط للدوامات المتغيرة بترددات منخفضة بالتغلغل إلى داخلها. ونظراً لتغير نطاق ترددات الهواء من نسمة إلى أخرى، فإن الحدود بين الهواء الساكن في العش والهواء النقي الآتي من الخارج يتزحزح داخل جردان الخلية، بما يتيح بتبادل مواقع كتلتي الهواء، أي أن المستعمرة تعمل مثل رئة عملاقة.
لكن هذا يختلف كثيراً عن طريقة عمل أنظمة التهوية التي نستخدمها نحن البشر في أبنيتنا الحديثة، حيث يتم ضخ الهواء النقي من الخارج ليطرد بدوره الهواء الفاسد إلى الخارج.
ويعتقد تيرنر ان بإمكاننا الاستفادة من طريقة النمل الأبيض في تصميم هياكل مستعمراته. ويقول «يمكننا أن نقلب فكرة الجدار رأساً على عقب، «بمعنى أنه لا ينبغي لنا بعد الآن التفكير بالجدار بوصفه حاجز لمنع ما هو في الخارج من الوصول إلى الداخل، بل ربما علينا تصميم الجدران لتكون عبارة عن أسطح متكيفة نفوذة تستطيع تنظيم عملية تبادل الحرارة والهواء بين الداخل والخارج.
ويوضح «بدلاً من فتح النافذة للسماح بدخول الهواء النقي، ستوكل هذه المهمة إلى الجدار، لكن بشرط أن يقوم بها بطريقة دقيقة ومفلترة كما يفعل النمل الأبيض».
إعداد - علي محمد
