قرر صابر فتحي شريف وشقيقته نعيمة، تحدي الحياة معا جنبا إلى جنب والتغلب على إعاقتهما من خلال بيع الزهور والدمى، وصناعة المسابح، حيث يعملان ليل نهار من أجل توفير لقمة العيش، ويصبران على أوجاعهما رغم قسوة الكرسي المتحرك.. «البيان» التقت بهما في محاولة للتماس مع تجربتهما والتعرف على طريقة معيشتهما.

يقول صابر: أعمل في مجال الهدايا، والدمى، وبيع الزهور، والمسابح التي أصنعها بنفسي من الأحجار الكريمة والتي تعلمت صناعتها من والدي، ولست متذمرا من إعاقتي، لأنها قدر من الله عز وجل ولا اعتراض على حكم الله.

كما أنني لا أعتبر نفسي معاقا، لأنني أعمل وأجني الأرباح الجيدة ولدي عقل يفكر ويعمل، كما أنني متزوج ولدي طفلة رائعة، والإعاقة الجسدية لا تمنع الإنسان من مواصلة عمله وإثبات وجوده في الحياة.

مدرس بالثانوية

عاش صابر 15 سنة تقريبا في دبي، وقد أثنى على نهج دبي في معاملة ذوي الاحتياجات الخاصة وتشجيعهم على العمل وقال: شعب الإمارات رائع يشجع ذوي الاحتياجات الخاصة على الإنتاج وإثبات الذات. كما عمل صابر كمدرس للصم والبكم في أبوظبي وعن هذه التجربة قال: ذوو الاحتياجات الخاصة بحاجة إلى الرعاية.

وعلى الرغم من أنني حاصل على شهادة الثانوية العامة فقط، إلا أنني تعلمت لغة الإشارة وبدأت أتعامل معهم ببساطة ويسر وسهولة، ولكنني لم أكمل في هذا المجال لأنني أحببت التجارة أكثر.

وعن صعوبة الاندماج في المجتمع قال صابر: لم أواجه صعوبات تذكر، بسبب وقوف عائلتي إلى جانبي ودعمي لأصل إلى النجاح الذي وصلت إليه اليوم، حيث يندهش الكثيرون من حولي من قدرتي على العمل، ولدي زبائن يبحثون عني ليشتروا من بضاعتي.

وعما إذا كان يتمنى أن يكون بلا إعاقته الجسدية قال صابر: لم أتمن هذا في يوم من الأيام، لأن من يبتليه الله في ماله أو نفسه أولده سيذهب إلى الجنة من دون حساب، ولا أحسد أي شخص لأنني قادر أن أكون مثل أي إنسان عادي.

سعادة زوجية

وعن زواجه قال صابر: قمت بإجراء الفحوصات الطبية اللازمة قبل الزواج وكثر من قالوا إن زواجي مستحيل، ولكن الله كان إلى جانبي وأعطاني بنت الحلال، حيث كانت تعمل رئيسة ممرضات في إحدى مستشفيات الأردن، وعندما عرضت عليها الزواج مني قالت: «أريد الآخرة وليس الدنيا».

والحمد لله أنجبنا طفلة جميلة عمرها الآن ثلاث سنوات ونصف تتحدث معي بأسلوب رائع، كما أصطحبها معي عندما أذهب مع زوجتي للتسوق أو للتنزه، وأنا الذي أصرف على عائلتي ولا أنتظر مساعدة من أحد لأنني لست بحاجتها.

وعندما طلبت من زوجتي التوقف عن العمل وافقت، لأنني قادر على تحمل أعباء الحياة لوحدي، وعلى الرغم من دهشة الناس في البداية، إلا أنهم ينظرون لنا نظرة إعجاب وتقدير.

سيارة خاصة

أما بالنسبة لكيفية انتقاله من ركن إلى آخر داخل بيته قال صابر: أستعين بكرة السلة منذ أن كنت في السادسة من عمري، لأنها تساعدني على التنقل في أرجاء البيت، وعندما أريد الصعود على السرير أستعين بكرسي صغير.

كما أنني أتناول الطعام لوحدي، وأقوم بحلاقة ذقني لوحدي، وأرتدي ملابسي من دون مساعدة أحد، كما أمتلك سيارة خاصة يقودها أخي بدون تذمر لأننا عائلة واحدة ونعمل سويا.

وعن كيفية شرائه لملابسه قال صابر: زوجتي تهتم بهذا الموضوع، حيث تقوم بتقصير البنطلونات، أما القمصان فلا تحتاج إلى تعديل. وعن المشكلات اليومية التي يواجهها قال صابر: قطع الكرسي المتحرك الأوتوماتيكي غالية جدا، وعندما تتعطل أواجه صعوبة كبيرة في التنقل.

أمن وحماية

أما شقيقته نعيمة فقالت: أعمل مع أخي صابر منذ الساعة الثانية ظهرا وحتى الساعة الثانية صباحا، وهذا يشعرني بالأمان والحماية، وأشعر أنني إنسانة عادية وأحمد الله على كل شيء.

ولكنني أتمنى تغيير الكرسي المتحرك العادي الذي أستعمله لأنه سبب لي ظهور فطريات على يدي علاجها الوحيد الكوي بالنار، وهذا مؤلم جدا.

وعن إعاقتها قالت نعيمة: أنا متصالحة مع واقعي وإعاقتي وأفتخر بها كثيرا، وقد تعودت على نهج حياتي، ولست متذمرة من عدم الزواج والإنجاب لأنني أطمح أن أكون حبيبة الله في الدنيا والآخرة.

وعن حياتها قالت: أفعل كل شيء بنفسي، ولكنني أستعين بوالدتي لتسريح شعري، كما أنها تختار لي ثيابي. كما تحدثت نعيمة عن شقيقها الآخر محمد، وهو لا يعاني من أي إعاقة جسدية.

وقالت: هو «روحنا وإجرينا وإيدينا» في الدنيا، كما أنه دنيتي التي أعشقها، فهو لا يقصر في خدمتنا ويعاملنا أحسن معاملة. وتتمنى نعيمة افتتاح سوبرماركت تديره بنفسها وقالت: أعمل أنا وشقيقي بجد واجتهاد وأتمنى أن يزيدنا الله نجاحا يوما بعد يوم.

روح التحدي وعلامات الرضا

من يرى الثنائي صابر ونعيمة وهما يبيعان الدمى والورود، ينظر إليهما بشفقة كبيرة، ولكن من يقترب منهما ويتحدث معهما سيشعر بسطحية نظرته مقارنة بروح التحدي وإشراقة الأمل التي ترتسم على محياهما، فهما مع إعاقتهما يشعران بالرضا.

ويحمدان الله على كل شيء، ويشكرانه على نعمة العقل والقدرة على التفكير المثالي والحكيم، كما ستنتقل إلى نفسه مشاعر جميلة عندما يسمع نعيمة تقول «أشعر بالأمان إلى جانب أخي صابر الذي لا يبخل علي بشيء»، وعندما يلمس بنفسه إصرار صابر على أنه إنسان سليم معافى وأن محبة الله له سبب ابتلائه.

القناعة كنزهما الوحيد، وحياتهما مليئة بالأمور المشوقة والمثيرة، فلدى صابر زوجة رائعة تقدره وتحترمه وتتعامل مع إعاقته بسلاسة، وابنة جميلة ترعاه وتطيعه، أما نعيمة فتطمح أن تكون حبيبة الله، ولديها أم حنونة تعينها على الاهتمام بنفسها.

ويحظى كل من صابر ونعيمة بحب وحنان أخيهم محمد الذي لا يعاني من أي إعاقة، حيث يقوم بإيصالهما إلى حيث يريدان الذهاب، كما يبقى معهما ويهتم بشؤونهما، ويحرص على راحتهما، وتلبية احتياجاتهما.

دبي - ريما عبد الفتاح