عندما أعلنت وكالة الفضاء الأميركية ناسا في 2004 أنها بصدد إلغاء المهمة الأخيرة لإصلاح التلسكوب الفضائي المتداعي هابل، مصدرة بذلك حكم الإعدام بحقه، تلقت الوكالة رسالة من فتاة في التاسعة من عمرها أرادت التبرع بمصروفها اليومي لإنقاذ هابل. وكانت تلك واحدة من آلاف الرسائل المشابهة التي أرسلها أناس عاديون تعبيراً عن حبهم للمرصد الفضائي الذي يصادف هذا الشهر عيد ميلاده العشرين.
ومنذ إطلاقه إلى المدار في 24 أبريل 1990، نهض هابل مراراً من بين الرماد لينتج صوراً منقطعة النظير بدرجة وضوحها وجمالها. ولقد سجل المرصد ما يقارب مليون صورة وطيف خلال 110 آلاف دورة قام بها حول الأرض. ومن بين أروع الصور التي التقطها، والتي تحولت إلى بطاقات معايدة كونية، صورة تظهر كدمات على سطح المشتري أحدثتها شظايا متطايرة من أحد المذنبات، وأخرى لنجوم هرمة ملفوفة بغلاف خارجي من الغاز المتوهج وكأنها هدايا، ولقطات فريدة لأذرع مجرات لولبية وسحب كونية تتوهج بضوء النجوم حديثة الولادة.
وهذه كلها إنجازات رائعة بالنسبة لتلسكوب اعتبر في يوم من الإيام رمزاً «للإخفاق التقني الكبير» بعد اكتشاف عيب فني في مرآته الرئيسية. لكن حالما قام رواد الفضاء بإصلاح تلك المشكلة خلال سلسلة من المهام المعقدة في أواخر 1993، عاد هابل بقوة ليرتقي إلى مستوى الآمال المعلقة عليه والوعود الكبيرة التي ارتبطت باسمه منذ البداية، باعتباره أول تلسكوب ضوئي يحلق فوق الغلاف الجوي الأرضي الذي يسبب بتشويه الصور الفضائية الملتقطة من الأرض.
ولقد نجح هابل في مناسبات عديدة في إعادة كتابة كتب علم الفلك. وربما كان أحد أكثر إنجازاته إثارة دراسته للانفجارات النجمية البعيدة التي قدمت دلائل مهمة على تسارع معدل توسع الكون، مما دفع العلماء إلى التكهن بوجود الطاقة الداكنة في الفراغ الكوني. وتمكن هابل أيضاً من جمع بيانات تنطوي على تأكيدات جازمة على أن الكون قد نشأ وتطور بالطريقة التي تنبأت بها نظرية الانفجار العظيم. كما سجل هابل أول صور على الإطلاق لكوكب خارج منظومتنا الشمسية.
لكن برغم كل هذه الاكتشافات العلمية المثيرة، فإن جمال الصور الفضائية التي التقطها هابل يعتبر من أبرز إنجازاته، حيث تعرض وره الآن في أشهر المتاحف العالمية وأغلفة ألبومات الصور الشخصية، فضلاً عن ظهورها في عدد من الأفلام السينمائية. ويسجل معرض صور هابل الإلكترونية على الإنترنت حوالي 200 مليون زيارة كل شهر.
وفي شهر مايو الماضي، قام رواد الفضاء بإجراء آخر مهمة صيانة، محولين التلسكوب هابل إلى مرصد جديد أصبح بمثابة جهاز للسفر عبر الزمن إلى المجرات البعيدة. وذلك بعد تزوديه بكاميرا جديدة تعمل بالأشعة تحت الحمراء، تمكنت بالفعل من رصد مجرات يعتقد أنها أبعد مجرات سجلها العلم حتى يومنا هذا. ولأن التحديق في أعماق الفضاء الكوني يوازي في المحصلة الرجوع إلى الوراء في الزمن، فإن الصور التي التقطها هابل تظهر المجرات كما كانت بعد بضعة مليارات السنين فقط من الانفجار العظيم الذي ولد فيه الكون.
وإذا كانت مهمة الصيانة الأخيرة بمثابة هدية مبكرة من الأرض إلى هابل بمناسبة عيد ميلاده، فإنه بالتأكيد قد رد لها الجميل مضاعفاً بتلك الصور المثيرة للمجرات الموغلة في القدم، والتي حملتنا إلى بدايات نشأة الكون.
إعداد: علي محمد
