ما إن تجالس الدكتور محمد الشحي، نائب مدير سابق لجامعة السوربون ـ أبوظبي، حتى تشعر بشغفه في السفر والتنقل بين بلدان العالم، وتلمس حبه لمعرفة تفاصيل الحضارات الإنسانية التي تكونت في أوروبا والمشرق العربي، ورغم بعد السنوات إلا انه لا يزال يحفظ في ذاكرته صور تلك المدن.
بداية حكاية السفر مع الشحي كانت عام 1981، وحول ذلك يقول: «بولندا كانت أول دولة أزورها، وكان ذلك في ديسمبر 1981، حينها كان عمري 14 عاما، سافرت إلى وارسو في معسكر رياضي، حيث كنت ألعب كرة الطائرة في نادي الطليعة، وأقمنا فيها 18 يوما، في ذلك الوقت كانت الاشتراكية تحكم بولندا، وذلك لم يغط جمالها، ولم تنزع الطيبة من نفوس شعبها، في بولندا كانت المرة الأولى التي أركب فيها الحافلات العامة.
حيث لم تكن موجودة حينها بالإمارات، ورغم بردها إلا أنني سعدت جدا فيها وأتمنى زيارتها مرة ثانية، وفي فرنسا تعرفت على الكثير من البولنديين الذين هاجروا إليها إبان الحرب العالمية الثانية، ولا تزال تربطني بهم صداقات جيدة»، ويواصل: «الدولة الثانية كانت بلغاريا ومنها إلى تركيا، وكان ذلك عام 1986، حيث سافرت إليها برفقة أصدقائي، وقد فوجئنا بعاداتها وتقاليدها وحتى طعامها الذي لم نتكيف معه، واضطررنا للاعتماد على الفواكه لسد جوعنا، وذلك ما أجبرنا على الانتقال لتركيا التي وصلناها بالباص. كانت اسطنبول مختلفة بكل معنى الكلمة من حيث العمران والحضارة، وفيها زرنا المساجد والبازارات القديمة، وقد شغفني وقوعها على البوسفور واكتنازها بعديد الأماكن السياحية التي تفوح منها رائحة الحضارة الإسلامية.
شغف فرنسا
بعد زيارته لتركيا، عاد الشحي للإمارات ليسافر منها إلى فرنسا التي عاش فيها 14 عاما على ثلاث مراحل مختلفة مكنته من فهم طبيعة العقلية الفرنسية وتقلباتها المختلفة، وهو ما جعله شغوفا بها، يقول الشحي: «سافرت إلى فرنسا عام 1986، وإقامتي فيها تنقسم إلى مراحل ثلاث، الأولى هي المرحلة الدراسية والتي امتدت من 86- 92، ومن ثم الدراسات العليا (الماجستير) والتي بدأتها عام 1994 إلى 1996، وبعدها مرحلة إعدادي لرسالة الدكتوراه والتي كانت بين عامي 2001- 2007.
ولكل مرحلة مميزاتها، علما أن فرنسا كبلد لم تتغير طوال هذه الفترات إنما عقليتها هي التي تغيرت، ففي المرة الأولى عانينا من نواح سلبية كثيرة خاصة في ما يتعلق بالتعامل الإنساني، فاعتزاز الفرنسي بلغته مثل حاجزا أمامنا في التفاعل معه، وعموما فالفرنسي خاصة في تلك المرحلة كان منغلقا على نفسه ويرفض التعامل مع الآخر إلا إذا وثق فيه حينها تختلف معاملته كليا وتشعر بأنه يتقبلك بكل احترام وتقدير، أما الآن ومع الانفتاح فقد أصبح التعامل مع الفرنسيين أسهل خاصة بعد إتقانهم للانجليزية التي بدأت تنتشر في كل مكان بفرنسا، وعموما الشعب الفرنسي من الشعوب المثقفة جدا ويقدرون كل من يهتم بالثقافة ويفتحون له أذرعهم، وبتقديري أن هذا أكثر ما يميز فرنسا عن الشعوب الأوروبية الأخرى».
النور الباريسي
يعتقد الشحي بأن الذي أطلق على باريس بلد النور لم يكن خاطئا البتة، فكل مكان فيها تثور منه رائحة الثقافة والفن، نظرا لاكتنازها بالعديد من الأماكن التي تفوح منها رائحة التاريخ، وهنا يوضح: «باريس مدينة قديمة جدا لها رونق خاص في أزقتها وبيوتها المتساوية الارتفاع التي تعود إلى القرن التاسع عشر وابعد، كل ذلك يشعرك بأنك في بلد يحتوي على تنظيم معماري رائع.
وأعترف انه وبمجرد أن أقطع مبنى البرلمان نحو شارع سان جيرمان ومنطقة الحي اللاتيني أنني اشعر بروح باريس القديمة، ويمتد هذا الشعور حتى جامعة السوربون، وبالنسبة لي فأنا اعشق هذه المنطقة تحديدا من باريس، حيث تكثر فيها المقاهي الأدبية والفنية، وبتصوري أن قراءة أي كتاب في بعض المناطق الباريسية له طعم خاص، فكل المقاهي الموجودة هناك تفوح بالعراقة والتاريخ، مثل مقهي الدوما غو، ومقهي «بروكوب» الذي أنشأ عام 1700 تقريبا.
وقد أصبح في الثلث الثاني من القرن الثامن عشر أشهر مقهى أدبي وسياسي على الإطلاق، وكان كان يتردد عليه فولتير وديدرو، ودالمبير، وبوفون، وجان جاك روسو، وهو المقهى الذي كان يجتمع فيه كبار رجال الثورة الفرنسية، وغيرها الكثير من المقاهي المشهورة والتاريخية، ولذلك أعتبر أن شوارع باريس بحد ذاتها متحف طبيعي، وهي تختلف عن روما التاريخية، وما يميز باريس أن لكل فصل من فصول السنة جمالية معينة».
للريف الفرنسي نصيب وافر في قلب الشحي الذي اعتاد أن يراه بعين الجمال والشغف للطبيعة الحية، وحول ذلك يقول: «الريف الفرنسي جميل ولتوزيع القرى فيه جمالية خاصة، وفيه يختلف تعامل الفرنسي لأنه قليل الاحتكاك بالأجانب، إلى جانب أن فيه الصناعات التقليدية مثل الكريستال والفخار والأواني وصناعة الأخشاب.
وعموما هناك اختلاف في مناخات فرنسا ما بين الجنوب والشمال، وقد وجدت اختلافا جوهريا بينهما ليس في العقلية فقط وإنما في طريقة نطق اللغة الفرنسية وإذا لم تكن معتادا عليها قد لا تفهمها، وفي مدينة ستراسبورغ وهي مقر البرلمان الأوروبي والعديد من المؤسسات التابعة للمفوضية الأوروبية يوجد لغة خاصة هي الالزاسية».
رائحة الحضارة الإسلامية
اسبانيا كانت من ضمن الدول التي زارها الشحي، وتحديدا مدينه مورشيا التي لا تزال تحتفظ هي الأخرى بعبق الحضارة الإسلامية في مبانيها وأماكنها السياحية، وحتى في سكانها الذين يقتربون جدا من الدم العربي في أشكالهم وتصرفاتهم. ومن اسبانيا انتقل الشحي إلى المغرب التي زارها ثلاث مرات، آخرها كانت بدعوة من الدكتور مانع سعيد العتيبة، مستشار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة.
ويقول فيها: «لقد قلبت المغرب جميع مفاهيمي، فقد اكتشفت مدى اهتمامهم بالثقافة والفكر الذي يتفوقون فيه على المشرق العربي، وتبين لي مدى اهتمامهم بنوعية العلوم التي تدرس هناك مثل الفلسفة والآداب واللغات وقد نبغوا فيها، وقد فتحت هذه العلوم آفاقا كبيرة أمامهم في الفنون الأخرى، وشعرت باهتمام كبير باللغة العربية، ورغم صعوبة التعامل لغويا مع الشعب المغربي إلا أنني وجدته بسيطا وطيبا، ويحترم ضيوفه بطريقة جميلة جدا، وفي المغرب زرت مراكش أو المدينة الحمراء، ووجدت فيها طابعا معماريا رائعا جدا، وفيها نوع من الشجر يشبه البرتقال وهو يزرع لتلطيف الطقس لديهم».
بطاقة هوية
ولد الدكتور محمد الشحي في أغسطس 1967 برأس الخيمة، بعد تخرجه من الثانوية توجه إلى فرنسا التي تعلق بلغتها أثناء دراسته للقسم الأدبي في الثانوية، وتوقع حاجة الدولة مستقبلا لهذه اللغة.
حصل الشحي خلال إقامته في فرنسا على شهادة الليسانس في اللغات الحية، وعلى شهادتي ماجستير الأولى كانت عام 1996 في الترجمة، والثانية عام 2001 في القانون والاقتصاد الدولي والتنمية، وحصل في 2007 على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة رينيه ديكارت.
أربع ساعات
من حديثه عن الفن تشعر بمدى شغفه به، ولأجله احتمل الدكتور محمد الشحي السفر لمدة 12 ساعة من فرنسا إلى هولندا ويقول عنها: «زرت هولندا عام 2006 لمدة أربع ساعات فقط، حيث ذهبت برفقة صديقي لزيارة معرض فني أقيم بمناسبة مرور 400 عام على مولد الرسام الهولندي الواقعي «رامبرانت»، وقد جمع هذا المعرض نحو 37 لوحة لرامبرانت والايطالي «كرافاجيو» الذي يشترك معه في ذات الفن من 25 مدينة حول العالم.
ولذلك أعتبر نفسي محظوظا بزيارة هذا المعرض الذي جمع لوحات تمثل الفكر الهولندي القديم وتعكس الشخصية الهولندية». أما بلجيكا فقد زارها لأكثر من مرة بحكم قربها من فرنسا حيث تفصلها عنها مدة ساعة وثلث بالقطار السريع.
وكانت المرة الأولى عام 1992 في رحلة مع الجامعة، حيث مر في طريقه على لوكسمبورغ، وزاروا فيها البنك الأوروبي، ومنها انتقلوا إلى بروكسل حيث زاروا مقر حلف الناتو. لم تتوقف جولة الشحي عند هذا الحد فقد تجاوزته نحو الدول العربية التي يرى فيها نكهة خاصة مختلفة عن بقية دول العالم، حيث اعتاد على السفر لبيروت كل عام لزيارة معرض الكتاب فيها، وكذلك مصر التي يعتبرها أم الدنيا، ويعشق فيها حس الفكاهة.
غسان خروب



