ألقى الباحث الدكتور أحمد السري، الأستاذ في كلية العلوم الإنسانية في جامعة الإمارات، أول من أمس محاضرة بعنوان (رحلة ابن فضلان إلى بلاد البلغار بين الحقيقة والخيال) قدمه المهندس رشاد بوخش، مدير إدارة التراث العمراني في دار الندوة في منطقة البستكية.
استعرض الباحث في البداية الرحلات التي قام بها العرب الأوائل إلى البلاد الأسكندنافية خاصة والعالم عامة، وما نتج عنها من مؤلفات وكتب قيمة، ركزت على وصف الأمكنة وشعوبها، وعاداتهم وتقاليدهم وعقائدهم، كما اشتهر العديد منهم مثل الكندي واليعقوبي، وقدامه بن جعفر، وابن حوقل، وأحمد بن فضلان.
وأشار المحاضر إلى أن مخطوطة رسالة ابن فضلان عانت منذ أن دونها عام 924 تقريبا، أي قبل ألف وثمانين عاما، من الترحال والنسخ والضياع والنقل والإضافة. وأن أجزاء عديدة منها تم نقله من مصادر مختلفة قال ميتشل كريتون أنها ظهرت باللغات العربية واللاتينية والألمانية والفرنسية والدنمركية والسويدية والإنجليزية ووصفه بالعمل البالغ الصعوبة، وأن هذه المهمة لا يقوم بها إلا شخص على جانب عظيم من المعرفة والطاقة.
وقد قام بها بيير فراوس عام 1951 وهو الأستاذ المتقاعد الحائز على لقب الشرف للأدب المقارن في جامعة أوسلو بالنرويج، الذي جمع كل المصادر المعروفة، وبدأ مهمة الترجمة الضخمة، التي استغرقت حتى مماته في عام 1957. وقد نشرت أجزاء من ترجمته في صحائف متحف أوسلو الوطني خلال عامي 1959 ـ 1960.
وفي نفس الفترة تقريبا، كان هناك جهد مماثل في الجانب العربي لخدمة هذه المخطوطة، قام به المرحوم الدكتور سامي الدهان، عضو المجمع العلمي العربي بدمشق، وقد جمع بعض المخطوطات السالفة التي اطلع عليها ميتشل من النسخة العربية التي تم اكتشافها عام 1924 في مدينة مشهد الايرانية وكان أول من نشرها بالحروف العربية الباحث التركي زكي وليدي طونجان كما أشار المحاضر.
وأشاد الباحث بالجهد الذي قام به الدكتور حيدر غيبة، وقيمته الأكاديمية العالية، عندما أعاد تجميع وترتيب أجزاء .. رسالة ابن فضلان .. موفقا بين الطبعة الإنجليزية (كريتون) والطبعة العربية الدهان (مشهد)، ليؤلف منهما طبعة عربية جديدة، متضمنة كافة الأجزاء والفقرات التي حوتها الرسالة في كافة الطبعات، وقد أصدرها في طبعة عربية جديدة عام 1994 أدهشت الباحثين والقراء الغربيين.
من أغرب ما شاهده إبن فضلان عند أهل الشمال الاسكندنافيين، ووصفه في رسالته وصفا دقيقا، مراسم الموت ودفن الميت عندهم حسب وصف شاهد العيان ابن فضلان، ولكن بلغتنا المعاصرة.
وأشار الباحث إلى الخيال الذي رافق رسالة ابن فضلان، بين الخيال المشوه لرحلته، شملت أساساً لرواية مايكل كريتشتون (أكلة الموتى) والتي صورت كفيلم روائي باسم (المقاتل الثالث عشر) حيث قام أنتونيو بانديراس بدور بن فضلان عام 1976. وتجمع الرواية بين نص ابن فضلان وملحمة اسكندنافية بطلها رجل يسمى بيوليف هر في القرن العاشر الميلادي. وصدرت الرواية مرات عديدة في أميركا وآخر الأفلام المنتجة عن هذه الرحلة كانت في عام 2007 (رحلة ابن فضلان وبيولوف).تمت ترجمة هذه الرواية إلى اللغة العربية بعنوان(مغامرات سفير عربي إلى بلاد أسكندنافيا). وكذلك صدور رواية محمد الأسعد( شجرة المسرات: سيرة ابن فضلان السرية).
ومن المشاهد التي يسردها المحاضر أنه في حفلة تنصيب ملك أسكدنافيا يطلبون منه أن يغني بهذه المناسبة، فلا يعرف ابن فضلان الغناء مما يضطر إلى تجويد آيات قرآنية لهم، وهم يستقبلونه على أساس أنه غناء. وقد وصفهم ابن فضلان بأنهم أوحش الناس كلاماً وطبعاً وكلامهم يشبه صراخ الزارير ونقيق الضفادع. قام المحاضر بشرح واف لهذه الرحلة المثيرة وتتبع خطواتها على خارطة رقمية قام بتنفيذها ابنه رافد أحمد السري مما سهل على الحضور فهم أبعاد هذه الرحلة ومساراتها.
دبي ـ شاكر نوري
