اجتمعت مجموعة من طالبات العلوم الصحية بجامعة زايد على أن المجتمع بحاجة إلى جهود كبيرة لتحقيق التوعية الفاعلة في العديد من القضايا الصحية التي ترتبط بالعادات الغذائية واليومية السيئة، أو بأسلوب الحياة ذات الإيقاع السريع، وحتى تلك المرتبطة بالمشكلات الصحية المتعلقة بالبيئة، وكلها تصب في المجمل في عدم وجود الوعي والمعرفة الكافية لدى الأفراد حول الأمراض التي يمكن أن يصابوا بها نتيجة تلك الأسباب السابقة، كما رأين أيضا ضرورة لفت انتباه الطلبة لتخصص العلوم الصحية وحاجة المجتمع لكوادر مواطنة تؤدي دورها في هذا القطاع الذي أصبحت له أهمية كبيرة لدى العديد من المؤسسات وجهات العمل.

من هذا المنطلق عملت طالبات العلوم الصحية بالجامعة على تطوير النادي الصحي الذي كان محدود النشاط داخل إطار الجامعة، وانطلقن إلى تأسيس ناد صحي حمل اسم «شيب»، وهي عبارة تمثل اختصارا باللغة الانجليزية لمعني «نادي التوعية والتثقيف الاجتماعي»، ليكون نقطة انطلاقة لطموح كبير في تحقيق هدفين أساسيين، أولهما جذب الطلبة لتخصص العلوم الصحية ورفع نسبة الإقبال عليه انطلاقا من أهميته، والهدف الثاني تحقيق توعية وتثقيف مجتمعي صحي بالعديد من القضايا التي يحتاجها المجتمع المحلي، وأن تشمل تلك الجهود مختلف إمارات الدولة.

لكل مجتمع مشكلاته

الدكتور أسامة العلمي الأستاذ في تخصص العلوم الصحية بجامعة زايد تحدث حول فكرة نادي «شيب» موضحا أن «شيب» هو مؤسسة للتثقيف الصحي كان قد أنشأها خلال عمله في بريطانيا كرئيس لقسم العلوم الصحية بجامعة برمنجهام عام2006، وهدفها التثقيف والتوعية الصحية في ظل وجود العديد من المشكلات التي يعاني منها المجتمع البريطاني كالسمنة وتعاطي المخدرات وإدمان الكحول، وقد حقق نجاحات كبيرة من منطلق أن التثقيف ينطلق من فكرة أن «الوقاية خير من العلاج».

مشيرا إلى أن لكل مجتمع خصوصيته من المشكلات التي يعاني منها أفراده ، لذا أراد تطبيق الفكرة ذاتها في الدولة من خلال عمله لدى جامعة زايد، وفي ظل وجود ناد صحي للطالبات وحماسهن الكبير لتفعيله مجتمعيا رأى إمكان تطوير هذا النادي وتوسيع مجال عمله. وأضاف أنه بدأ العمل في تأسيس النادي الجديد وفق الرؤية المطورة بالتعاون مع الطالبات، فكانت انطلاقة النادي في يناير 2010، ونفذ بعض البرامج في إطار ذلك، كما تم وضع خطة للمرحلة المقبلة وتحديد أكثر الجهات المستهدفة والتي يمكن مخاطبتها، خاصة المدارس والأمهات والتوعية للجمهور العام من خلال تنظيم فعاليات في أماكن مفتوحة كالمراكز التجارية.

وذكر د. العلمي أهمية دور الشباب اليوم في تحقيق رفع مستوى الوعي باعتبارهم قادة المستقبل ومؤسسي الأسر، فهذا الوعي سينعكس عليهم بشكل كبير، موضحا أن هناك العديد من القضايا الصحية التي نحتاج للتوعية بها، فطبقا لتقرير هيئة الصحة بدبي العام 2004 أوضح أن معظم الوفيات تحدث بسبب الأمراض غير المعدية مثل «القلب والسرطان» وهذه الأمراض يمكن الحد من انتشارها من خلال برامج التثقيف الصحي.

بداية من الجامعة

الطالبة عائشة الحوسني من قسم العلوم الصحية تخصص الصحة البيئية ورئيسة نادي «شيب» أوضحت أنه قبل تأسيس النادي الصحي وحتى مشروع «شيب» كان الإقبال على تخصص العلوم الصحية قليلاً، ولكن لقناعتهن بهذا التخصص بدأن في تأسيس ناد صحي متخصص يمكن من خلاله تعريف الطالبات بهذا التخصص وطبيعة المجالات التي يمكن لخريجيها العمل به وإفادة المجتمع، وذلك من خلال أنشطة فعلية.

ونظمن حملة للتوعية بسرطان الثدي وخصص ريعها لمصلحة مستشفى توام، وقد لاقت نجاحا كبيرا، واستخدمن أساليب متنوعة في الحملة لأن المحاضرات كأسلوب توعوي لم تعد جاذبة بقدر الأنشطة العملية والجاذبة التي يمكنها لفت أنظار الطالبات، والأفلام المصورة التي تعرض حقائق واقعية وتجارب كلها أساليب أكثر تأثيرا اعتمدن عليها في أنشطة النادي، كما أشارت الحوسني إلى أنهن من خلال نشاط النادي يعرفن بمساقاتهن الدراسية، بل ويمارسن تطبيقا عمليا لها.

وسائل لمخاطبة الأطفال

وعملت الطالبات على تنفيذ حملة حول «الصحة الغذائية» وركزن خلالها على تغذية الأطفال من عمر خمس سنوات، من خلال فعاليات جذابة حرصن خلالها على إحضار طلبة مدارس صغار لإفادتهم، وكان وجودهم لافتا للطالبات اللواتي تفاعلن معهم، وتضمنت الحملة تطبيقات على ممارسة الرياضة، وحث الطلبة على تناول وجبات صحية تم تقديمها لهم، وعرض أفلام كارتون من إنتاج الطالبات حول الغذاء الصحي. كما توجهن خلال فترة الصيف لتنظيم حملة بكيفية التعامل مع «حرارة الجو» وضرورة شرب المياه الكافية في هذه الفترة، وكذلك الأدوات التي يمكن استخدامها للوقاية من مشكلات التعرض للشمس والحرارة، وسلبيات تعامل البعض مع تلك المواد والأدوات بشكل خاطئ.

هوس الوزن والحمية

واعتادت طالبات النادي على تلمس احتياجات طالبات الجامعة في مجال التوعية، ولاحظن اهتمامهن بموضوع الحفاظ على القوام الرشيق، ولكن البعض يتعامل مع هذه القضية بشكل خاطئ بالامتناع عن تناول أطعمة ووجبات مهمة، وكذلك اتباع أساليب حمية خاطئة، لذلك عملن برنامجا للكشف الصحي للطالبات، وتم خلاله قياس الوزن والطول وضغط الدم، وتوضيح لكل طالبة وضعها الصحي، حيث وجدن أن من بينهن من لديها أقل من الوزن المثالي وتتخوف باستمرار من السمنة، لذا كانت توعيتهن بسبل الحفاظ على صحتهن والتغذية السليمة لوقايتهن من الأمراض.

ومن منطلق تلك الجهود والأنشطة للنادي تتساءل طالبات العلوم الصحية بالجامعة حول سبب قلة الإقبال على تخصص العلوم الصحية، رغم أهميته، وإسراع الغالبية للالتحاق بتخصصات الإدارة والتجارة وتقنية المعلومات والاتصال الإعلامي والطب، مشيرة إلى أن العلوم الصحية تخصص مهم وقبل الطب لأنه يعنى بالوقاية التي تحمي الشخص من المرض أصلا، لذا كان النادي الصحي يستخدم كواجهة لإظهار هذه الرؤية والتي عملن على التوسع فيها مطلع هذا العام لتأخذ بعدا مجتمعيا.

العنف الأسري

ومع انطلاقة نادي «شيب» بدأ الاهتمام بمشاركة طالبات العلوم الصحية في المؤتمرات الصحية التي تعقد داخل الدولة وخارجها، وهذا مهم لتطوير خبراتهن واطلاعهن على الجديد في مجال العلوم الصحية، كذلك بدأت عمليات توعية مجتمعية بمشكلات السرطان وأمراض القلب والتدخين، وقد نفذن حملة مؤخرا من خلال «شيب» حول «العنف الأسري» والتي كانت خارج الجامعة في أحد المراكز التجارية بدبي.

وأوضحت طالبات النادي أن الهدف لم يكن مجرد توعية الناس بالعنف الأسري ومفهومه وأسبابه، بل هدفهن مساعدة من يتعرضون للعنف الأسري على التواصل مع الجهات والمؤسسات التي يمكنها حمايتهم ومساعدتهم في حل مشكلاتهم، موضحات أن الميزة في مؤسسات الدولة المعنية بهذه المشكلات أنها تعمل على حل تلك المشكلات، وليست مجرد مؤسسات لإيواء ضحايا العنف الأسري، كما هو الحال في بعض الدول الأوروبية. واعتبرن أن العنف الأسري أمر مرفوض دينيا واجتماعيا وأخلاقيا، وهو ظاهرة لا يقبلها أي مجتمع متقدم.

الوازع الديني

أما الطالبة ميرفت إبراهيم فتطرقت إلى أهمية الاهتمام بالجانب الديني عند تنفيذ الحملات التوعوية، وليس فقط الجانب الصحي، فالتعاون مع الجهات الدينية كالأوقاف يمكن من خلالها التأثير في العديد من الأفراد بتوضيح موقف ورأي الدين من بعض العادات والسلوكيات الخاطئة وغير الصحية التي يقوم بها الأفراد، كالتدخين مثلا، كذلك أشارت لمشكلة البيئة وطريقة البناء المتبعة وقلة الزراعة كلها تقود لمشكلات صحية، ويجب أن تتوفر التوعية للعمال القائمين على تنفيذ المشاريع البنائية، فاستهلاك البيئة بالطريقة الخاطئة يعرضنا لمشكلات بيئية متعددة، من هنا يجب التوعية بالحفاظ على البيئة للوصول للصحة البيئية.

ورأت طالبات النادي أن لديهن العديد من الخطط المستقبلية حول الموضوعات التي سيتم التركيز عليها للتوعية المجتمعية وكذلك الفئات المستهدفة، فبالإضافة لمشكلات السمنة والسكري، سينصب اهتمامهم بشكل كبير على الصحة البيئية في ظل زيادة أعداد وكميات المخلفات التي يلقيها الأفراد يوميا، ومشاكل التلوث البيئي بسبب دخان عوادم السيارات وكثرة السيارات اليوم، ودخان المصانع وحرق مخلفاتها الصناعية، لأن كل تلك الأجواء غير الصحية تقود للإصابة بأمراض متعددة، كالسرطانات وأمراض القلب والضغط وغيرها.

الصحة الغذائية

الطالبة شمسة الكتبي من كلية العلوم الصحية والعضو بالنادي، رأت أن أكثر حملة تفاعلت معها الطالبات كانت حملة سرطان الثدي، لأن هناك نسبة عالية في الدولة من الإصابات بهذا المرض وحتى بين صغار السن، لذا كان هدفهن التوعية بأسبابه وكيفية الوقاية منه وأهمية التشخيص المبكر، كما رأت أن الموضوعات التي يجب التركيز عليها التوعية في مجال التغذية من خلال الاهتمام بقضايا السمنة والسكري، وتبعات انتشار تلك المشكلات الصحية على المجتمع في الإمارات، مشيرة إلى أن التوعية يجب أن تركز على جانبي التثقيف بالإضافة للتخويف، بمعنى استخدام التخويف لحد ما بهدف إثارة القلق لدى الفرد على صحته إذا استمر في السلوك السلبي الذي يقود للمرض، لدفعه للابتعاد عن العادات الغذائية والسلوكيات اليومية الخاطئة.

استفادة

برامج توعوية وتثقيفية للمجتمع

تحدث الدكتور أسامة العلمي حول تنفيذ كورس تدريبي خاص ضمن أنشطة «نادي شيب» تحت مسمى «أقران التثقيف الصحي»، والذي يهتم بإعداد طالبات متخصصات في التثقيف والتوعية الصحية من خلال مهارات ذلك العمل وخبراته.

موضحا أن التثقيف الصحي هو علم بذاته له أسسه ومهاراته، وقد نفذ الكورس التدريبي الأول والذي شاركت فيه أربع طالبات من العلوم الصحية، وأنهم خلال شهر ابريل الجاري سينفذون كورساً جديداً لمجموعة جديدة تضم 20 طالبة من عضوات نادي «شيب»، لسن جميعهن من تخصص العلوم الصحية، ولكن بإمكانهن الخضوع للكورس والاستفادة من المهارات والمعارف التي سيتلقينها حول كيفية عمل توعية وتثقيف للمجتمع على أسس صحيحة، ويمكنهن توظيف مهاراتهن من خلال تخصصاتهن المختلفة في تفعيل مشاركاتهن في الكورس.

برنامج العلوم الصحية بجامعة زايد يضم ثلاث تخصصات وهي: علوم التغذية وعلوم الصحة البيئية وعلوم التوعية والتثقيف الصحي، ويضم حاليا فرع الجامعة بدبي نحو 18 طالبة في هذا التخصص، بينما كان في العام الماضي يضم 12 طالبة، وستعمل عضوات نادي «شيب» على التعريف أكثر بهذا التخصص وأهميته للمجتمع.

انعكاسات الإجهاد

أيضا لدى الطالبات توجه للاهتمام بطرح مشكلة «الإجهاد» لدى الفرد، فالإمارات دولة متقدمة وفيها العديد من المشاريع والتطوير، وكثير من الناس يعانون من الإجهاد بسبب نوعية الحياة وطبيعة نمطها السريع، والإجهاد قد يكون بدنيا أو نفسيا، والإجهاد النفسي قد يؤدي في حالة عدم علاجه لمشكلات بدنية (عضوية) وأمراض، لذا سيعملون على طرح حملة للتعريف بالإجهاد بأنواعه وأسبابه، وكيفية مواجهة الإجهاد اليومي والسيطرة عليه، لأن الإجهاد يقلل من إنتاجية الفرد، وهذا جانب صحي له انعكاسات اقتصادية واجتماعية. كما ترى الطالبات ضرورة التوجه بالتوعية ليس فقط للجمهور العام في حملات مفتوحة للجميع، بل سيعملن على استهداف جهات محددة لتأثيراتها المستقبلية.

حرص كبير

أكد الدكتور سليمان الجاسم مدير جامعة زايد على أن الجامعة تحرص بشكل كبير على تطوير مهارات طالباتها المختلفة بحيث لا يقتصر دورها على التعليم الأكاديمي فقط، بل ضرورة أن تكتسب الطالبة الجانب التطبيقي للمهارات المتعلقة بمساقاتها الدراسية وكذلك تلك التي تساهم في بناء شخصيتها وربطها بالمجتمع المحلي، معتبرا أن تأسيس الأندية الطلابية هو أحد الجوانب التي تهتم الجامعة بتشجيع الطالبات عليها لما لها من دور في تعويدهن على العمل الجماعي والتخطيط وتحديد الأهداف وتنظيم الفعاليات والأنشطة التي تبرز مهاراتهن ومواهبهن في مختلف المناسبات والأحداث.

وذكر أن تأسيس نادي شيب وتوسع دوره التوعوي والتثقيفي الصحي خارج أسوار الجامعة سيكون له تأثير كبير على مجتمع الجامعة والمجتمع المحلي، في ظل خلق الوعي لدى الطالبات بطبيعة وأهمية تخصص العلوم الصحية بمختلف مجالاته

أبوظبي- لبنى أنور