يقول اختصاصي اجتماعي يعمل في إحدى مدارس دبي منذ ما يزيد عن 20 عاماً، إنه تواجد في إحدى مدارس المرحلة الإعدادية سنوات عدة قبل أن يطلب الانتقال إلى مدرسة أخرى في المرحلة الثانوية هرباً من كم المشكلات التي يعاني منها مجتمع الطلبة هناك، لا سيما المشكلات السلوكية الخطيرة التي لا يلتفت إليها أولياء الأمور.

«في تلك المدرسة رأيت «العجب العُجاب».. طلاب يدخنون في مختلف مرافق المدرسة، وآخرون يهربون منها قفزاً عن السور، ومنهم من يمارس سلوكيات مشينة أو التحرش ضد طلاب آخرين، وفوق ذلك كله تجد طلاباً يرسبون سنتين أو ثلاثا ما يضيف مزيداً من الأخطار على المجتمع المدرسي بحكم فارق السن بين المجموعات الطلابية»، والكلام هنا للاختصاصي الاجتماعي.

تلك المؤشرات تدل على خطورة المجتمع المدرسي ما لم يتم ضبطه بالوسائل التربوية المتعددة، منها الإدارة المدرسية المتكاملة والمعلمون المربون، والاختصاصي الاجتماعي، إلى جانب الاختصاصي النفسي.. وبمناسبة الحديث فإن ما يزيد على 500 مدرسة بنين وبنات على مستوى الإمارات الشمالية تكاد تخلو حتى اليوم من الاختصاصيين النفسيين الذين من الواجب أن يضعوا الحلول الناجعة لمشكلات لا يخلو منها مجتمع الطلبة، حيث إن تلك المدارس مجتمعة لا تجد سوى 23 اختصاصيا نفسيا لايقدرون على علاج أو تلافي مشكلات بسيطة داخل المدرسة الواحدة.

حلم التطوع

كلثم سالم الدهماني تحمل شهادة علم نفس منذ سنوات، وقد ظلت تحلم بيوم تجد فيه نفسها قريبة من مجتمع الطالبات لمساعدتهن على تخطي أعباء ومشكلات الحياة الاجتماعية والنفسية لفتيات مراهقات، لكنها لم تنجح، والسبب أن وزارة التربية والتعليم لم تبادر حتى يومنا هذا إلى تعيين اختصاصيين نفسيين، وفي النهاية تمكنت كلثم من العمل كمتطوعة في مؤسسة حكومية لسبب وحيد وهو مساعدة الآخرين ورعايتهم بالقدر الذي يحقق الرضا النفسي لديها.

وتوضح كلثم أنها وخلال فترة التدريب الجامعي لجأت إلى مدارس عديدة للخوض في مشكلات المجتمع المحيط، وطرحت على مدار شهرين متواصلين ما يزيد على 500 استبيان على طالبات المرحلتين الإعدادية والثانوية للتعرف على طبيعة المشكلات التي من الممكن أن تناقشها الطالبات مع الاختصاصية النفسية في المدرسة، مشيرة إلى أنها واجهت في البداية صعوبة كبيرة في كسب ثقة الطالبات بحكم أنهن لا يملكن صورة واضحة عن طبيعة عمل الاختصاصي النفسي لكون أن العديد من المدارس تفتقد هذا الدور.

سلوكيات خطيرة

ضمن مجموعة من المشكلات التي تجرأت الفتيات على البوح بها، رصدت الدهماني جملة من السلوكيات الخطيرة في مجتمع مدارس الطالبات، حيث تقول إن الأنثى مخلوق سريع الحساسية والتأثر النفسي، فكيف إذا كانت في عمر الزهور وفي سن المراهقة، مشيرة إلى ضرورة التطرق إلى بعض المشكلات التي يعاني منها مجتمع الطلاب والطالبات في المدارس، ليس بغرض التشهير أو التخويف وإنما للمساعدة على وضع الحلول والتقليل من تأثير حدتها على الفرد وعلى الأسرة والمجتمع.

من تلك المشكلات كما ذكرت كلثم الدهماني، إدمان الكمبيوتر والغرق في المنتديات وغرف الدردشة، إضافة إلى تقمص بعض الفتيات بعض سلوكيات الأولاد، والخوف من المستقبل أو التأثر النفسي نتيجة مشكلات عائلية، وبالتالي قد تصدر عن تلك المعطيات سلوكيات غير لائقة ناتجة عن مرحلة المراهقة التي تتاثر بها الطالبة نفسيا وربما تؤثر سلباً على من حولها.

مشكلات وخجل

إحدى الطالبات المستطلاعات في عينة الاختصاصية النفسية، أبدت رغبتها في تغيير سلوكها المتشبه بالأولاد والتخلص منه، وطالبة أخرى تريد التخلص من القلق النفسي الذي يراودها من المستقبل، وثالثة تود إنهاء علاقتها الهاتفية مع الشباب بما يكفل لها الخلاص الآمن، وغير ذلك الكثير من المشكلات، التي تحتاج إلى الحديث الصريح أو حتى مجرد الاستماع وتقديم النصيحة والمشورة في مواضيع لا تستطيع الفتاة الإفصاح عنها لأسرتها أو حتى لأحد أقاربها، كما توضح كلثم الدهماني.

وتشير إلى وجود مشكلات كثيرة يجب الإلتفات إليها من مختلف الجهات سواء كانت الأسرة أو المدرسة أوحتى المجتمع بشكل عام، فلم تعد مشكلاتنا قديمة ومعروفة، فمثلما تطرأ على المجتمع تغيرات وتطورات في شتى المجالات، تتجدد في الطرف المقابل مشكلات أبنائنا الطلبة وبالتالي نحتاج إلى حلول تواكب هذه التطورات، مشيرة إلى مجموعة من الظواهر التي انتشرت نتيجة عدم الرقابة على وسائل الإعلام، والتي تتمثل في تشبث مجموعة من الطالبات بسلوكيات الأولاد أو العكس عند الطلاب، إضافة إلى التدخين والوقوع في أفخاخ ما يدعونه من وجهة نظرهم حبا، والانسياق وراء ما تبثه بعض القنوات والأفلام الهابطة.

العنف الأسري

ولم تغفل كلثم الدهماني الجانب الأسري، فالمشكلات العائلية تترك أثراً سلبياً لدى فئة من الطلبة الذين يعانون العنف الأسري وذلك بغياب أحد أطراف العائلة من الوالدين، أو نتيجة الطلاق أو الهجر أو الانشغال في أمور أخرى أو التسلط الأسري على الأبناء، أو حتى غياب الحديث الأسري الذي يعزز من ثقة الطالب بأسرته، إضافة إلى وجود تحرشات جنسية يتعرض لها الأبناء ولا تعلم عنها الأسرة.

وجهة نظر إبراهيم الملا الاختصاصي الاجتماعي في مدرسة عمر بن الخطاب النموذجية لا تبتعد كثيراً عمن سبقه، فهو يقول إن الواقع الميداني بشكل عام يؤيد وبقوة تعيين مزيد من الاختصاصيين النفسيين وحتى الاجتماعيين، والحاصل أن أعداد الطلبة في مختلف المراحل تتجاوز نصاب الاختصاصي في كثير من المدارس، مشيراً إلى الطلبة ينحصرون في سن عمرية حرجة، وهي سن المراهقة التي توجب على المسؤولين الالتفات إليها بكثير من الأدوات الوقائية، فكيف سيكون الحال في ظل عجز شبه عام في أعداد الاختصاصيين النفسيين على مستوى الدولة.

ويؤكد الملا أن مدارس الدولة تعاني أيضاً في جانب الاختصاصيين الاجتماعيين، الذين يعملون ضمن نصاب كبير من أعداد الطلبة، لافتاً إلى أنه وفي حالات محددة تجد أن بعض الاختصاصيين يستقيلون أو تنهى خدماتهم، ولا تجد في المقابل تعيين مزيد من الاختصاصيين، وهو ما يلقي بالعبء على الميدان التربوي الذي يعاني أصلاً من نقص في الاختصاصيين الذين من الواجب أن يظلوا قريبين من الطلبة

الخوف من المصارحة

لايزال البعض مسكوناً بالخوف من البوح بما يعاني منه مجتمع المدرسة من مشكلات، فيلجأ إلى ذكر المشكلات التربوية ويتناسى المشكلات النفسية وهي الأهم، إضافة إلى وجود كم كبير من الخريجين والخريجات في هذا المجال ينتظرون إتاحة الفرصة لهم للعطاء في مجتمع الطلبة، والحاصل أن وزارة التربية تحجم عن تعيين اختصاصيين نفسيين في المدارس التي هي بأمس الحاجة لهم، فمثلما لمعلم الموسيقى والرياضة وباقي المواد الدراسية موقع عمل، يجب أن تكون سلوكيات الطلبة منهاجاً تتخذه الوزارة بعين الجدية.وأضافت أنها لا تمانع حتى العمل من دون مقابل في التربية، وهي مستعدة للتطوع في هذا المجال خدمة للطلبة الذين يؤكد واقعهم حاجة ملحة لمن يخفف عنهم وطأة الحياة ومشكلاتها، ولكنها للأسف لم تجد حتى الآن مجيباً رغم أنها أوصلت صوتها لمختلف الجهات المعنية.

اختصاصيون نفسيون

الدكتور أحمد الخياط مدير إدارة الإرشاد الطلابي بوزارة التربية والتعليم، أكد ضرورة أن يتصف الهيكل المدرسي بالتوازن من حيث العاملين في مختلف المجالات، لذلك فإن وجود الاختصاصي النفسي أمر ضروري وحيوي خاصة في هذا الوقت، حيث إن الواقع يؤكد وجود الشللية لدى طلبة المدارس أو المتسربين من المدرسة.

وكشف الخياط أن أعداد الاختصاصيين النفسيين على مستوى مدارس الإمارات الشمالية التي تتجاوز 500 مدرسة، لا يتعدى 23 اختصاصياً، والواقع يؤكد وجود عبء كبير جداً على الاختصاصيين، مؤكداً أن توجه الوزارة يسير باتجاه تعيين أخصائيين نفسيين ومرشدين للطلاب على مستوى الدولة، ومن المنتظر أن تأتي هذه الخطوة خلال العام الدراسي المقبل بحسب التوقعات.

وشدد الخياط على ضرورة أن يضم الهيكل المدرسي أخصائيا نفسيا ومرشدا طلابيا في كل مدرسة، خاصة في ظل الواقع الحاصل حيث إن العديد من المعلمين لا يؤدون دورهم التربوي، ويهتمون فقط بالجانب المعرفي، لذلك فالمعلم يبقى عاجزاً عن إدارة الصف بالثقة المطلقة، وغالباً ما يلجأ إلى طرد الطالب إلى الاختصاصي، وهذا النهج طالما أنه يمارس من أكثر من معلم فهو يعزز تكوين الشللية بين الطلاب المطرودين، ناهيك عن أن بعض المدارس تغلق أبوابها في وجه الطلبة المتأخرين، وتلك الممارسات تدفع باتجاه ظواهر سلبية تتغلل في المجتمع المدرسي، وخلاصة القول فإن الاختصاصي النفسي مطلب مهم وحيوي للمساهمة في محاربة الواقع السلبي الذي يعيشه الطلبة.

دبي ـ عنان كتانة