تدوين الماضي بحس الحاضر هو محاولة لبعثه وإعادته وإحياء التراث والجغرافيا ومنعهما من الاندثار، دون الحوادث كما حدثت ويذكرها كما هي قبل أن ينسج عليها الدهر خيوط النسيان.
وبما أنه يؤمن بالتراث والتاريخ والأرض أشد الإيمان، فإن قضيته هي قضية انتماء وهوية، تألق واثبت جدارة بتجسيد المعاني الكبرى في الانتماء للأرض المباركة باعتباره نبتاً صحيحاً صحياً للثقافة الأصيلة لهذا الوطن الأصيل ينسج خيوطاً يربطها بين ماضٍ.
تولى وحاضر ومستقبل يتجلى تتلمسها بأصابعك فيوصلك كل خيط إلى حيث تريد يعود بك إلى 40 أو 50 سنة مضت وكأنها اليوم يوصف لك حالة المكان والزمان حالة اللاشيء وكيف صنع منه الرجال كل شيء، رجل تعلم الالتزام والمسؤولية، وتربى على العصامية.
كافح كثيراً وتعب أكثر ولكنه يجني الآن ما جاد له بستان الحياة من أنعام يبدأها بالأولاد الذين تربوا خير تربية وبالزوجة الصالحة والصحة والتزامه بدينه وتعاليمه.
انه خلفان بن محمد الفندي الشامسي يحدثنا قائلاً، أنا من الشارقة، ولدت في منطقة الحيرة بين عجمان والشارقة، وكنا نقطن منطقة قريبة من الرولة، كانت ذكريات الطفولة جميلة وأيام المدرسة والكشافة.
ما زلت أحن إليها فهي تذكرني بالشقاوة والنقاوة التي ما زلت أضعها عنواناً لي، بالنسبة لي أنا انتمي إلى قبيلة الشامسي ونحن أبناء عم النعيم، نحن من شوامس الحمرية وهناك شوامس في العين وشوامس بالشارقة.
الدراسة النظامية والكشافة
ابتدأنا الدراسة بالقرآن الكريم، كنا ندرس في مدرسة قريبة من بيت الشيخ سلطان بن صقر، نذكر من المدرسين أحمد بالرحيمة وعبدالله القيواني، وابتدأنا في المدرسة القاسمية.
حيث تبرعت الكويت بالمدرسين والكتب والملبس، وبدأ المدرسون بتدريس المناهج الحديثة وبدأت الدراسة تتطور وشكلوا لنا فرق كشافة وهي جديدة علينا كنا نذهب في رحلات إلى الذيد .
حيث نرتدي زي الكشافة، بعدها ومع تطور العلوم والمناهج تطورت الدراسة وأصبحنا ندرس اللغات أي الانجليزي وكنت نشيطاً في المدرسة خاصة المواد العلمية وبالنسبة للانجليزي تعلمته جيداً وهذا ما فادني مستقبلاً وطورته بالعمل مع الشركات الأجنبية.
قديماً كانت حياة الناس تشبه بعضها بعضاً فدوام الحال من المحال ولكن رغم الضنك إلا أننا كنا متكاتفين متعاونين نساند بعضنا بعضاً.
أيام صعبة
كانت أيامنا صعبة ولا توجد وسائل الراحة المتوفرة اليوم لكن الأيام جميلة، حتى الأمطار كانت تهطل باستمرار وكنا نذهب إلى البر، الحياة الآن رغد لكن زمان الطفولة والشقاوة جميل هناك مقولة تقول تحمل المسؤولية فهو بحد ذاته مسؤولية، عندما أتقنت العلم أصبحت أعلم إخواني حيث أحسست بقيمة التعليم حلمت أن أصبح مهندساً جيولوجياً.
حلمي أن أكون مهندساً جيولوجياً
أيام العطل الدراسية أذهب للعمل مع الشركات ومن ضمنها شركة سايزمي كمبنى تنقب عن النفط أعمل معها ثلاثة أو أربعة أشهر في السنة 1964، تعلمت الانجليزي على أيدي موظفيها وأخبرت رجلاً انجليزياً أنني سأصبح مهندساً، فكان يعطيني حجراً ويعلمني على الفلزات والمعادن.
ولكنه أخبرني أن هذا التخصص صعب جداً ويحتاج إلى سنوات من الدراسة والأبحاث، بعدها بدأت أقوي لغتي وأنا أنهيت الثانوية فقط لم أصل إلى الجامعة.
العمل في الشرطة
ذهبت إلى أبوظبي وكان المرحوم حمود بن علي في الشرطة مع الشيخ مبارك، قال لي تعال اعمل معنا في الشرطة وسنرسلك إلى العين، والعين في تلك الأيام 1964 لم يكن بها شوارع.
وقال لي هناك في المربعة لا يوجد عندنا ترخيص أو تسجيل سيارات، وكان معي رجل اسمه محمد سليمان داود - أردني - كان يعمل معي، حظي دائماً أن أكون مسؤولاً في أي عمل، عملنا مكاتب وكان خليفة حميد الظاهري ضابطاً معنا، ونحن مسؤولون عن أرقام السيارات وتسجيلها واستخراج رخص قيادة.
اتصال بعد 45 عاماً
تعرفت إلى صديق اسمه عبدالله السعيدي ؟ عماني - من آل بوسعيد، وكان يعمل في البرقيات ويجلس معي في السكن، ودائماً يضع خنجراً.
تعلمت منه الانجليزي، دارت الأيام وعرفت أن طارق بن تيمور كان نسيبه، وكان سعيد بن تيمور هو الحاكم قبل جلالة السلطان قابوس، وأصبح صديقي واتصل بي وكان بمرتب وكيل وزارة وبعد 45 سنة تلقيت اتصالاً هاتفياً، يقول خلفان، كيف حالك أتعرفني؟ قلت له : أشبه على صوتك، قال إذا ذكرتني أعطيك مليون ريال، قلت له: أنت عبدالله.
الفندي لقب وليس اسماً
جدي والد والدي كان عنده بوم كبير اسمه «الحشر»، وكان يذهب للغوص، وهو رجل كريم ومعروف، وفي الغوص حيث يبقون بضعة أشهر يأتي الطواويش الذين يشترون اللؤلؤ منهم أتراك ومصريون وهنود .
وكانت تجارة اللؤلؤ مزدهرة في الهند وجدي يسمونه مسؤول التجار فأطلقوا عليه اسم «الفندي» فكلمة الفندي تطلق على أي أحد منا على الوالد وفي أبوظبي محمد فندي المزروعي لأن جده كذلك مسؤول تجار.
عندما ذهبت إلى أبوظبي وعملت في شركة وكان راتبي جيداً وحال الأسرة كانت مستورة والدي غير متعلم أصبحت أحض أفراد الأسرة على العلم حاولنا إرسال أخي إلى جامعة بيروت أما أخواتي فكن في المدرسة هنا.
الحرب اللبنانية ودراسة أخي
عندما وقعت الحرب اللبنانية، كان واحد من الأصدقاء عند أخي راشد، جاء الشخص وهو صديق راشد أخي بالصدفة إلى لندن سنة 1975 وأنا كنت في لندن أيضاً في مهمة عسكرية، حيث كنت في لجنة المشتريات وجدته في الفندق وكنت قلقاً على راشد، سألته: هل رأيت راشد؟
قال لي: الحرب مشتعلة والسفارة لم تستطع أن تصلهم، ومن دبي مات مجموعة حيث أصاب صاروخ منطقة كورنيش المزرعة وراشد جاء صاروخ وأصاب شقته واحترق البيت وهو في الإنعاش.
عملت اتصالاً مع السفير عبدالعزيز بن ناصر العويس وهو صديقي، سألته عن أخي وقال لي إنه في المستشفى وهو مستقر وحالته جيدة، طلبت منه أن أتكلم معه، وقال هذا صعب لعدم توفر الاتصالات حيث انقطعت كل الخطوط نتيجة الحرب ولكنه حي.
عملي في شركات النفط
أعطوني إجازة 3 أشهر وذهبت إلى الطريف في تلك الأيام لا توجد استقالات ، عملت مساعد مدير التوظيف لمدة سنتين، بعدها ذهبت للربع الخالي للعمل مع شركات النفط.
وأخبرني المدير الأميركي أنني جيد باللغة وسنرسلك إلى أميركا، ولكن يجب أن تذهب معنا ستة أشهر للسعودية. كل شهر يعطوننا ستة أيام وكان المدير اسمه جون مكارمك ودائماً يأكل الجبن ويشرب البيبسي.
الشيخ فيصل وفضله علي
رجعت إلى أبوظبي بعد أن كنت في الرقوق «منطقة إبليس ضيع هله» وهي منطقة بين السعودية وعمان على الحدود وسميت كذلك لبعدها، أتيت إلى الشارقة وكان الشيخ فيصل بن سلطان وكيل وزارة الدفاع، وكان صديق الوالد، ذهبنا إليه في رمضان، وسألني أين أنت؟ فقلت له: بالبر.
أخبرني قائلاً: تعال واعمل بالجيش وسنعطيك رتبة ونرسلك دورات. عملت وأعطوني رتبة ضابط إداري، وجدت رجلاً مستشرقاً اسمه حاج عبده مالك، وكان مساعد الشيخ فيصل، وهو متدين مسلم.
قال لي الشيخ فيصل: اذهب إلى الحاج عبده مالك ليعمل لك اختباراً. سألني عن بعض الأشياء.. لم إذا تهوى البر وتعمل في الصحراء؟ فقلت له: طموحي أن أكون مهندساً جيولوجياً وأن أجيد اللغة الإنجليزية، وبعدها أذهب للدراسة في بريطانيا.
قال لي: هذا الفرع صعب وليس بالبساطة التي تفكر فيها ولا أسسها والأحسن لك أن تعمل هنا في الجيش نعطيك رتبة وسيارة وراتباً جيداً وتكون مدنياً الآن بعدها ندرسك لتصبح عسكرياً وهذا العام 1971.
وقال لي عملك في المشتريات يحتاج إلى اللغة توظفت (راتب إداري مدني) واستمررت في عملي إلى أن جاء الترفيع سنة 1973، ورتبتي ملازم، لبست الزي العسكري وتدربت في القوات الخاصة، بقيت في المشتريات للعام 1975، وأنا دائماً عضو في لجنة المشتريات.
دورة قادة سرايا
سنة 1980 تحديداً شهر 3 سرنا دورة إلى بريطانيا دورة دولية كنا 12 ضابطاً من الأردن ومصر والسودان والكويت وواحد من دبي، وأنا بقيت فيها ستة أشهر وهي تعتبر بديلاً عن دورة قيادة السرايا حتى أترفع من رتبة نقيب إلى رتبة رائد.
أولادي كل شيء في حياتي
أولادي درسوا في الخارج، أحمد وعبدالله وطارق كلهم والحمد لله (يصلون ويصومون) وكان هدفي أن أرى اخوتي وأولادي ليكونوا فاعلين في المجتمع، كذلك زوجتي لها أكبر الفضل في تعليمهم وتربيتهم.
أسعد بخدمة الناس
في سيرتي من الدراسة إلى العمل إلى التقاعد، عرفت المجتمع وعرفني أفراده، زوجت طارق وأحمد وهو دكتور وعبدالله، (والله يطول عمر حاكم الشارقة، أعطانا الأراضي ووجدنا من يده الخير) وأنا لا أتوانى في خدمة أي أحد، وأفرح عندما أساعد أحداً، وسعيد لأنني لم أؤذ أحداً.
بالعقل لا باليد تحل المشاكل
الصعوبات التي كنت أواجهها في الحياة أحلها بطريقتي ودياً دون مجافاة أحد، لا أتذكر أنني يوماً فقدت أعصابي أو مددت يدي على أحد، بل على العكس بكل رقي كنت أحل الأمور. أتجنب المشاكل وفاعليها، هناك من حاول أن يوقع الضرر بي ولكنني سامحت وعفيت والله المسامح.
رجل عصامي
أنفذ القانون سواء عندما كنت في الجيش أو خارجه. عندي مبدأ في الحياة أسير عليه «اتق شر من أحسنت إليه». والإنسان في هذه الحياة موجود لخدمة دينه ووالديه ووطنه والحاكم. أنا قنوع ولست أنانياً..
حب لأخيك ما تحب لنفسك، وأنا قارئ قرآن وخاصة في الليل، وصلاتي على موعدها، أطالع كتب التاريخ، ولكن عندما اقرأ الكتب العلمية وأصل إلى صفحة أو جزء عن الجيولوجيا أقلب الصفحة، وأحب كتب الطب، وأقرأ عن الأدوية والأغذية وأطالع المجلات والجرائد.
حاكم الشارقة ولي أمري
ثقتي بالله ثم بصاحب السمو رئيس الدولة وولي عهده، أحب كثيراً وأفدي صاحب السمو حاكم الشارقة بدمي وأولادي لأنه رجل عز الزمان أن يلد مثله فهو أب ومعلم وحاكم عادل.
رسالته في العلم والتعليم واضحة وضوح الشمس حتى أصبحت الشارقة عاصمة الثقافة العربية، والدي قبل أن يتوفى جمعنا وقال ولي أمركم صاحب السمو الشيخ سلطان.
محل ثقة
ثقتي وبعد تجربة الحياة وصلت لنتيجة مؤداها أن الثقة يجب أن تعطى للشخص الذي جربته والذي عشت معه.
1980
سنة 1980 تحديداً شهر 3 سرنا دورة إلى بريطانيا دورة دولية كنا 12 ضابطاً من الأردن ومصر والسودان والكويت وواحد من دبي، وأنا بقيت فيها ستة أشهر وهي تعتبر بديلاً عن دورة قيادة السرايا حتى أترفع من رتبة نقيب إلى رتبة رائد.
قنوع
عندي مبدأ في الحياة أسير عليه «اتق شر من أحسنت إليه». والإنسان في هذه الحياة موجود لخدمة دينه ووالديه ووطنه والحاكم. أنا قنوع ولست أنانياً.. حب لأخيك ما تحب لنفسك، وأنا قارئ قرآن وخاصة في الليل، وصلاتي على موعدها، أطالع كتب التاريخ.
الإمارات محل تقدير
نهضة الإمارات العمرانية بفضل نظرة المغفور له الشيخ زايد، وكل شيوخنا، الله يطول عمرهم،.
وصاحب السمو حاكم دبي أوصل دبي إلى مصاف الدول المتقدمة والمتحضرة، وصاحب السمو حاكم الشارقة نشر الدين وخدم الدعوة الإسلامية. في أوروبا وأميركا يفرحون عندما يعرفون أننا من الإمارات، لأنهم رأوا الحضارة والأمان عندنا.
أعدها - عبد المنعم الشديدي
