أطلقت مدرسة محمد بن خالد الثانوية «مدارس الشراكة» في أبوظبي مشروع «الإدارة الذاتية» والذي هدفت من ورائه إلى دعم شخصية طالب المرحلة الثانوية وتحقيق جوانب من رؤى مجلس أبوظبي للتعليم.

والأهم أنها عالجت من خلال مشروعها المتميز مشكلة طول اليوم الدراسي وما خلفه من شكوى من الطلبة وأولياء أمورهم وحتى المعلمين الذين كانوا يلمسون إرهاق الطلبة وإحساسهم بالخمول في الحصص النهائية.ورغم فكرة المشروع التي أعطت الطالب أريحية في الإحساس بأنه صاحب القرار في حضور الحصص وممارسة النشاط الذي يريده وكأنه طالب جامعي يدير يومه الدراسي بذاته.إلا أن البعض في المدرسة كان متخوفا في بداية التجربة التي أرادتها الإدارة وذلك لتخوفهم من عدم تحمل الطلبة لمسؤولياتهم، ولكن كانت النتيجة مفاجئة للجميع من معلمين ومسؤولي الشراكة وكذلك الزوار.

المشروع تضمن منح الطالب المسؤولية الذاتية في الالتزام بالحصص الدراسية دونما توجيه من أحد، واستقطاع خمس دقائق من كل حصة وإضافتها للفسحة ليتسنى للطالب ممارسة النشاط أو إعداد تقرير أو بحث في إطار «التعلم الذاتي»، وتطبيق نظام القاعات الدراسية.ناصر عيسى مدير ثانوية محمد بن خالد وصاحب فكرة المشروع أوضح أن مشروع «الإدارة الذاتية» يقوم على خلق إحساس لدى الطالب بالمسؤولية تجاه ذاته ومستقبله وأنه يدرس ويحضر الحصص ويتفاعل مع المعلم لأن ذلك سينعكس عليه.فنحن بحاجة لخلق الدافعية لدى الطلبة وأن تكون لديهم الرغبة في الدراسة دون أن يكون هناك من يراقبهم ويجبرهم على الالتزام، لأن هذا الإلزام جعل الطالب ينفذ المطلوب منه خوفا من العقاب بينما نحن نريد الطالب الذي يسعى للدراسة خوفا على مستقبله.

موضحا أن الطلبة كانوا يعانون من ضغوطات في ظل كم الدراسة اليومية وعدم إيجاد المساحة الكافية لهم لممارسة نشاط ومن ثم العودة للمنزل مثقلين بالواجبات ومتطلبات التقويم والاختبارات.كذلك كانت هناك شكوى من أولياء الأمور لصعوبات يواجهها أبناؤهم وأيضا المعلمين الذين يبذلون جهدا مضاعفا لضمان استمرارية الطلبة في الاستيعاب حتى الحصة الأخيرة.***خمس دقائق***وأضاف أنه تم أيضا استقطاع خمس دقائق من كل حصة وإضافتها للفسحة الأولى المخصصة للإفطار لتصبح (40) دقيقة ويكون لدى الطالب الفرصة الكافية للراحة وممارسة الرياضة وإثراء دروسه والفسحة الثانية (20) دقيقة، حيث فتح لهم الملعب والصالة الرياضية وغرفة الحاسوب والنادي الاجتماعي والمسجد للراغبين في تعلم التجويد وحفظ القرآن.

كذلك تركت أبواب المكتبة مفتوحة لهم ليتمكنوا من الاستفادة منها في إنهاء تقارير أو بحوث والقراءة بما يشجع على «التعلم الذاتي»، وأشار إلى أنهم عمدوا أيضا لإلغاء فكرة الجرس بين الحصص واقتصاره على الجرس الذي يدل على انتهاء الفسحة، وتعويد الطالب معرفة زمن الحصة وبمجرد انتهائه ينتقل للحصة الأخرى دونما قرع الأجراس الذي اعتاد الطلبة انتظاره.

وأوضح عيسى أنهم مع انطلاقة الفصل الثاني طبقوا نظام «القاعات الدراسية» بحيث يتوجه الطالب مع بداية كل حصة إلى القاعة الدراسية المخصصة للمادة مما يؤدي لتغيير الجو والبيئة الصفية ويساعد على توفير بيئة تعليمية تخدم احتياجات كل مادة.

كما أن الطلبة أصبحوا يتنقلون بين القاعات بسلاسة وخلال دقائق التنقل يلتقون ببعضهم وبمعلميهم ويشعرون بنوع من الراحة استعدادا للحصة التالية.

فكرة إيجابية

التقينا بمسؤولي شركة الشراكة للتطوير المدرسي (سةذ) التي تشرف على تطوير مدرسة محمد بن خالد لاستطلاع رأيهم في المشروع، حيث تحدث كل من غرايم لودمان مدير فرع الشركة بأبوظبي.

وبول ايفيريت مدير فريق الشركة بالمدرسة بإعجاب كبير بفكرة إدارة المدرسة وحجم ما تحقق رغم تخوفهم في البداية من ردة فعل الطلاب، وقد أوضحا أن مشروع «الإدارة الذاتية» يتماشى مع رؤية مجلس أبوظبي للتعليم في أن تأخذ كل مدرسة برؤيتها الخاصة في إدارة بيئتها المدرسية.

فالمجلس يؤكد كثيرا على مؤشر الإدارة والقيادة الناجحة في المدرسة، والمشروع الذي تبنته المدرسة يؤكد رغبتها في تطوير أداء طلابها وتوفير البيئة التعليمية الجاذبة.

وقد حققت التجربة تنمية لمهارات القيادة وتحمل المسئولية والثقة والاعتماد على الذات وإتاحة المجال للتعليم الذاتي. وأضافا أنهما بناء على ما لمسوه من تغير ايجابي تعاونوا مع الإدارة في التطبيق وأيدوا المشروع خاصة أن الإدارة تهتم بجانب المتابعة والملاحظة المستمرة للإيجابيات والسلبيات للفكرة.

وأنها حرصت على لقاء العاملين بالمدرسة وأولياء الأمور والطلبة قبل التطبيق، فهذه خطوة إصلاح جيدة ستخلق تغييراً في تفكير الطلبة وعاداتهم وسلوكياتهم وتعدهم ليكونوا طلبة جامعيين ورجال المستقبل.

وأشارا إلى جانب هام تم تفعيله وهو المعني بالأنشطة، فالإنسان ليس بحاجة للتعليم فقط بل بحاجة لبناء شخصيته ومساعدته على التفاعل مع الحياة، والأنشطة تبني هذا الجانب لأن الطالب ينمي جسمه وعقله ويعتاد خلال النشاط على العمل بروح الفريق والتفكير وتحديد الأهداف.

كما أن النشاط يدعم أداء الطالب داخل الفصل ويثري خبراته، فالتعليم ليس مجرد ورقة وقلم، وهناك العديد من الدراسات التي أكدت أن الطلبة وخاصة الذكور بحاجة لممارسة الأنشطة وخاصة الرياضية منها لمساعدتهم في التعلم.

إنجاز التقارير والواجبات

الطلبة عبروا عن مدى استفادتهم من هذا التغيير وأنهم سيثبتون جدارتهم بالمشروع وأنهم لا يرغبون في العودة للنظام السابق، حيث ذكر الطالب علي جهاد من الحادي عشر العلمي أن المدرسة اعتمدت مع الفصل الثاني تجربتين الأولى نظام القاعات الدراسية والذي جعل الدراسة أكثر متعة.

لأن كل مادة لها قاعة خاصة بها تسمح للتعليم بطريقة مختلفة تخدم المادة مع الإحساس بتغيير البيئة الصفية، كما أن الدقائق التي تحتاجها عملية التنقل من قاعة لأخرى تعطي نوع من الراحة والاستعداد للحصة التالية.

أما بالنسبة لمشروع الإدارة الذاتية فهو خطوة مثالية للتعامل معهم كطلاب كبار ومسؤولين، فلم يعد لديهم إحساس بالضغوط اليومية، واليوم الدراسي يمر بسلاسة وهم في حالة تفاعل مع المعلمين، وذكر علي أنه خلال الفسحة الأولى يتردد على قاعات الكمبيوتر والرياضة، وأحيانا يذهب للمكتبة لإنجاز بحث أو تقرير مطلوب منه مما جعله يعود لمنزله اقل ضغطا من السابق.

في حين رأى محمد أشرف في الثاني عشر أنه لم يعد يشعر بقيود في التعليم فهو يحضر الحصص لأنه يدرك أهمية ذلك بالنسبة له، فالمعلم لن يعيد الشرح أو الاختبار وبالتالي عليه عدم إضاعة أي حصة، وخلال الفسحة لديه مساحة للقاء أصدقائه والتحدث إليهم في النادي الاجتماعي أو ممارسة الرياضة.

الطالب يوسف نصحي في الثاني عشر يشعر أن الدراسة أصبحت أقل هموما، فهو يدرس لأجل الدراسة وليس لأن هناك من يراقبه ويحاسبه، ويستغل الفسحة في بعض الأحيان في إنهاء واجب أو مراجعة درس غير مفهوم.

بخلاف توجهه للرياضة أو البحث في عبر الانترنت في موضوعات تثري معلوماته في بعض المواد، مشيرا إلى أن الطلبة جميعهم يحضرون للصف في الوقت المحدد ولم يعد هناك علاقة الخوف من المعلم وعقابه بل هناك مودة لأنهم يعاملونهم كرجال وليس كأطفال.

الطالب موضع مسؤولية

محمد ناصر بالثاني عشر علمي عبر عن تقديره وشكره لإدارة المدرسة لهذا التعامل والثقة بهم وأنها المدرسة الوحيدة التي نظرت للطالب بشكل خاص حتى أن زملاءه من مدارس أخرى يسألونه دائما عن التجربة.

موضحا أنهم طلبة كبار تخطوا مرحلة المحاسبة الدقيقة كغيرهم في المراحل الصغرى وأنه يجب إعطاؤهم الفرصة للاعتماد على ذاتهم، فالمشروع يعطي حرية ولكن بمسؤولية، موضحا أن مساحة الفسحة أعطته الفرصة لإنهاء واجبات وتقارير بالإضافة للمشاركة في الأنشطة والعودة للمنزل بضغوط أقل بكثير عن السابق.

الطالب مبارك الجنيبي ذكر أن المشروع يدل على ثقة الإدارة بطلابها، فهو مثلا لا يوجد من يجبره في المنزل على الذهاب للمدرسة والدراسة والأمر متروك له، ولكنه يأتي رغبة منه في إكمال تعليمه.

الكادر التدريسي يؤكد نجاح الفكرة

أشار خالد الصالحي الأخصائي الاجتماعي بالمدرسة إلى متابعتهم لأداء الطلبة منذ تطبيق فكرة الإدارة الذاتية ولديهم إحصاءات توضح التغييرات التي حدثت، حيث قلت حالات التأخير الصباحي بشكل ملحوظ، وقلّ خروج الطلبة من الحصص ومشكلاتهم اليومية التي كانت تأخذ حيزاً كبيراً من عمله اليومي.

وبتعبير أدق كما قال خالد «قل تواجد الطلبة في الإدارة»، وأن تلك التأثيرات الايجابية أعطته المساحة للتفرغ لواجباته الأساسية كأخصائي اجتماعي من خلال تنظيم المسابقات والرحلات والأنشطة وغيرها.

واعتبر أن التجربة ناجحة بشكل كبير لأن الطالب لابد أن يأخذ في كل مرحلة جرعة من المسؤولية تزداد في المرحلة الثانوية لإعداده للمرحلة الجامعية التي قد تكون داخل الدولة أو خارجها، لذا يجب أن يؤهل على الاعتماد على الذات وإدارة يومياته ومواجهة الحياة.

عامل الطالب كرجل

حسام عمر مدرس اللغة العربية ذكر أن هذه فكرة جديدة وناشئة في الميدان، حيث تسعى الإدارة منها لتأهيل الطالب للمستقبل، ويقضي على فكرة أن أسوار المدرسة ملزمة وسجن للطالب، وأصبحت المدرسة بالنسبة للطلبة مكاناً للتعليم والنشاط والإنتاج ولقاء الأصدقاء.

وقد أبدى الطلبة التزاماً لم يكن متوقعا، مشيرا إلى أن الطالب إذا تمت معاملته على أنه رجل ومسؤول نجده لا يقبل أن يضع ذاته في موقف حرج لذا يتصرف بشكل أفضل، موضحا أن الطلبة شعروا بالتغيير وأنهم يذهبون للحصة من ذاتهم ولم تعد حالات الملل والخمول موجودة في الحصص الأخيرة التي كان مردودها الدراسي ضعيفاً على الطالب.

فمع كسر الروتين تغير الأمر ورأينا أن طلابنا بحاجة لهذه الخطوة، منوها إلى أن اقتطاع خمس دقائق من الحصة التي تقدر بساعة لصالح الفسحة لم يؤثر بشكل سلبي عليهم.

تفاعل في الحصة

في حين ذكر فيصل الدرمكي معلم الجغرافيا أن التجربة ناجحة بالنسبة للمعلم والطالب، خاصة أن النظام السابق لا يتماشى مع طبيعة المرحلة الثانوية، رغم تخوفهم كمعلمين من الفكرة في البداية، ولكن «الإدارة الذاتية» ساهم في تثقيف الطالب وإعداده للمرحلة المقبلة.

وأنه لمس حضور الطلبة بنفسية مختلفة للمدرسة دون شعور بالإجبار أو الكراهية، وقل الخمول والشكوى وأصبح الطالب أكثر تفاعلا مع الحصص، ولم يعد بحاجة للسهر يومياً والحضور المتأخر للمدرسة لأن مساحة النشاط موجودة والبعض يستغلها في إنهاء واجبات ومتطلبات دراسية والآخر يفرغ فيها طاقاته بممارسة الأنشطة المختلفة.

نجاح

تجربة الإدارة الذاتية تحقق رؤى مجلس أبوظبي للتعليم

يرى ناصر عيسى مدير ثانوية محمد بن خالد أنهم بعد تجربة للفكرة استمرت شهراً تقريباً تمكنوا من تفعيل وتحقيق جوانب من رؤى مجلس أبوظبي للتعليم والمعنية بدور المدرسة في خلق البيئة الجاذبة والمحفزة للطالب وتفعيل دوره كعنصر فاعل ومنتج وليس مجرد متلقٍ للدروس، وتنمية الروح القيادية والاعتماد على الذات.

خاصة أن طالب المرحلة الثانوية مقبل على مرحلة جامعية ولا يعقل أن يبقى منذ الصف الأول وحتى الثاني عشر يعامل بذات الأسلوب من المتابعة والتلقين والتوجيه وملاحقة من يتخلف عن الحصة من قبل المدرسة.

بل إنه في ظل إشراف المدرسة لابد من إعطاء الطالب الثقة بالذات وبأنه المسؤول عن مستقبله ويكون لديه القدرة على التفكير والتعامل مع قراراته.

مؤكدا أن المشروع سار بخطى مدروسة ومتابعة من قبل الإدارة لضمان تحقيق أهدافه، وأكد أن المشروع ساهم في توفير جو أفضل للطلاب حيث انطلق من جعلهم المسؤولين عن أنفسهم وخلق الإحساس لديهم بأن عليهم التوجه للطابور والحصص دون أن يطلب منهم أحد ذلك وأنهم المسؤولين عن أنفسهم ولن يتدخل أي معلم أو مشرف إداري ليسأل الطالب عن عدم توجهه للحصة.

قناعة أولياء الأمور

خليفة الكعبي ولي أمر وعضو مجلس آباء مدرسة محمد بن خالد أكد أن المشروع رائع لأن إعطاء هذه الثقة لأبنائهم أمر يهم كل أسرة لأن المدرسة تساهم بذلك في بناء شخصياتهم وإعدادهم كقادة ومسؤولين قادرين على الاعتماد على ذاتهم والتفكير في حياتهم واتخاذ القرار الأنسب.

مشيرا إلى أنهم كأولياء أمور لمسوا تحسناً كبيراً في أداء الطلبة واهتمام بعضهم بتوجيه زملائهم وليس بأنفسهم فقط، وذكر أن تخوف البعض من التجربة في البداية كان مبرراً لأن هذه الفرصة لم تعطَ للطلبة من قبل، ولكن الأمر يحتاج لمبادرة شجاعة في ظل تعاون المدرسة والشراكة مع ولي الأمر، والنتيجة جاءت إيجابية وقلت الضغوط بشكل ملحوظ على الطلبة.

أبوظبي ـ لبنى أنور