قلما شهدت تركيا منذ تأسيس الجمهورية قبل أكثر من ثمانية قرون، وزير خارجيةٍ بثقل أحمد داوود أوغلو. فهذا الأكاديمي خريج قسم العلوم السياسية في جامعة البوسفور، التي تدرس موادها باللغة الانجليزية.

حطم الأرقام القياسية في مسابقات الدبلوماسية التركية التي عرفت في معظم الأحيان فتوراً في نشاطاتها بأحسن الأحوال وتعثراً في أسوئها.ومنذ توليه منصبه في مايو من العام الماضي، نفض أوغلو الغبار عن حقيبة الخارجية ذات الإرث الأتاتوركي الذي ورثه عن أسلافه وزرع بذور «العثمانية الجديدة» التي كان أحد أكبر مخترعيها إلى جانب نظرية «العمق الاستراتيجي» التي أسس لها عبر كتابه الذي ألفه وحمل الاسم ذاته.حققت تركيا في عهده، ومن ورائه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، قفزاتٍ كبيرة في علاقاتها الخارجية مع محيطها العربي والإسلامي وأبقت على شغفها المعهود بالغرب وحلمها الأزلي في أن ترى نفسها جزءاً من النادي الأوروبي.

وإن كان وزير الخارجية التركي رأى أن على أنقرة تفعيل أواصر الصداقة، التي اعتراها الشك، مع جيرانها بتقديم طبخةٍ سياسية جديدة تفتح شهية الجوار وتحفزه للجلوس على مائدة وريثة الإمبراطورية العثمانية.

وقد نجح نجاحاً منقطع النظير في إستراتيجيته تلك. باتت تركيا اليوم وسيطةً بين أطرافٍ عديدة في المنطقة من جهة وبين جيرانها والغرب في ما وراء المحيطات على الضفة الأخرى. تصالحت مع أرمينيا لتدفن بذكاءٍ «إنكشاري» إرثها العثماني.

وامتدت بفكرٍ عصري ممزوج بطموح بني عثمان لتطرح من نفسها، ليس مجرد حلقة الوصل بين الشرق والغرب فحسب، بل ودولة المركز التي تمسك العصا من منتصفها وتقف على مقربةٍ واحدة من الجميع، وفي الوقت ذاته صاحبة الدور الفاعل والمبادر في الأزمات الإقليمية والدولية.

انتهى أوغلو إلى الاعتقاد بأن لتركيا «هوياتٍ» وليس هويةً واحدةً فقط.

فهي بلقانية ومسلمة وشرق أوسطية وأوروبية وغربية.. وكفى !!.لقد رمى إذاً «مانفيستو» أتاتورك.

الذي ردد على الدوام أنه خير لبلاده أن تكون في مؤخرة الدول الأوروبية على أن تكون في مقدمة تلك الإسلامية في أدارج النسيان دون أن يمزق صكوك الغفران العلمانية المحمية بدرع المؤسسة العسكرية، ليكون بحق «ثعلب» الدبلوماسية التركية.

واليوم، يعزو الأتراك دورهم المتزايد على المسرح السياسي الدولي إلى ذلك «البروفيسور» الذي درس في الجامعة الإسلامية في ماليزيا منتصف التسعينيات، وأتقن الانجليزية والألمانية وشيئاً من العربية إلى جانب لغته الأم، فعلم وتعلم أن للتركي فعلاً أكثر من هوية.

رؤوف بكر