لا يعرف الأبناء قدر الأم إلا بعد أن يتزوجوا ويصبحوا آباء وأمهات، ويمروا بتجربة الأمومة والأبوة، وكيف أن الأم لا يغمض لها جفن إذا ما أصاب احد أولادها أي مكروه أو مسه سوء.

وقد ذكرني الاحتفال بيوم الأم بما قامت به والدتي مع العجوز «أم حسن» قبل سنوات طويلة، فأم حسن كانت تعيش وحيدة في بيت أشبه بالكوخ بعد سفر أبنائها خارج البلاد للعمل، وقد اكتملت مأساتها بوفاة زوجها قبل هذه الواقعة بشهر.

في تلك الليلة كانت السماء تصب على الأرض ماء منهمراً، والريح تكاد تقتلع ما يعترضها من أشجار وبيوت ضعيفة، وفي هذه الأجواء العاصفة رأيت والدتي تنطلق كالسهم خارج البيت، ولكن دون أن اعرف إلى أين تتجه وعمن تبحث، فكل إخوتي كانوا يتحلقون حول «كانون» النار، ولم يكن ينقصنا أي شيء لتحضره لنا والدتي.

تقول والدتي إنها تذكرت العجوز أم حسن، فهي في حالة من الضعف والعجز لا تقدر فيهما على مواجهة مخاطر الشتاء، وعندما دخلت عليها غرفتها وجدتها ترتعد من البرد والمياه تحيط بها من كل جانب، بعد أن تمكنت الرياح من فتح النافذة بسهولة، فتدفقت منها المياه ومن تحت عتبة الباب أيضاً.

فحاولت إصلاح وضع البيت قدر استطاعتي، ثم أسرعت بإشعال النار في كومة من الحطب وقربتها من العجوز فبدأت الحرارة تسري في أوصالها كما تدب الروح في جسد الميت.

وقالت بصوت منخفض إنني جائعة ولم آكل أي شيء منذ الصباح، فليس في البيت حتى قطعة خبز، فقفلت عائدة إلى بيتنا وأحضرت لها بعض الطعام، وتركت العجوز وأنا أفكر إذا كان ما قمت به من عمل يعد كافياً ويدفع عنها أي مصيبة قد تلحق بها.

خصوصاً أن المطر لم ينقطع عن النزول والسماء ما زالت ملبدة بالسحب، ومن الممكن أن تتعرض العجوز لمخاطر لا تستطيع درءها.

ودخلت البيت لا أدري ما الذي يتوجب علي أن أفعله لانتشال هذه العجوز من ورطتها، وعندما سألني زوجي عن سبب شرودي أخبرته بوضع العجوز، فقال إنها ما زالت في دائرة الخطر ويجب إخراجها من ذلك البيت المتهالك.

فذهبنا فوراً إليها وقام زوجي بحملها على ظهره وعاد بها إلى بيتنا ووضعها بين الأولاد وأوصاني برعايتها كأي فرد من أفراد الأسرة، لعل البركة تحل على البيت ببركة هذه العجوز المسكينة.

عندما قامت والدتي بعملها هذا تجاه العجوز لم تكن تعلم شيئاً عن يوم عيد الأم، وإنما دفعتها المشاعر الإنسانية ومشاعر الأمومة، وكلها أمل بأن لا تتعرض هي شخصياً لموقف كهذا، وأصبحت تردد على مسامعنا لا أريد منكم أي هدايا في عيد الأم، ما أريده هو أن أبقى بينكم إلى أن يتوفاني الله، فلا تتركوني وحيدة.

موسى أبوعيد