جهازا فيديو، وثلاث ثلاجات عدا الفريزر، وجهاز تلفاز في الطابق الأول وآخر في الطابق الثاني، وأجهزة مسجلات و«دي في دي» مختلفة الأنواع، وأثاث منزلي متنوع الأشكال، وتجهيزات مطبخ عالية المستوى وغيرها من الكماليات..

والسؤال بعد ذلك كله: إلى أي مدى تحتاج عائلة مكونة من ثلاثة أو أربعة أفراد إلى كل هذه الأجهزة والمسميات؟ وما الحدود المسموح بها في إطار ميزانيات العائلات؟هذه المقدمة العفوية والبريئة جاء بها الطالب المتميز في مدرسة محمد بن راشد الثانوية في دبي، محمد عبدالكريم الذي يبلغ من العمر ستة عشر عاماً، ضمن مشروع بحث طلابي يبدو متكاملا، عنوانه «ظاهرة الاستهلاك» ونفذه كمتطلب دراسي لإحدى المواد التي يدرسها.في مشروعه الأكاديمي، تطرق محمد عبدالكريم إلى مجموعة من الأسباب التي لا تزال تقود المجتمع إلى مزيد من الاستهلاك والإسراف بلا قيود، لعل أبرزها ثقافة التقليد والتبعية لدى الكثير من أفراد المجتمع.

حيث إن ظاهرة تقليد المغلوب للغالب وانبهاره به، كما يؤكد الباحث الصغير، هي سلوك غريزي، مشيراً إلى أن غالبية المجتمعات الشرقية تبدو منبهرة بالغرب، وهي بالتالي تقبل على مختلف الملذات والشهوات وتفتح قريحتها لكل ما هو آتٍ من هناك، من باب التقليد الأعمى لرفاهية ومتعة يعيشها أبناء تلك البلدان.***نماذج صارخة***وفي جانب التباهي والتقليد، يؤكد الطالب أن واحداً من نماذج المحاكاة الاستهلاكية، تجسده فساتين الزفاف التي لا تُلبس إلا مرة واحدة، وكذلك الإسراف في كميات الذهب المقدمة للعروس.وفي الولائم أيضاً يتجلى عنصر التفاخر بوضوح، أما النساء فتراهن يتهافتن لشراء مختلف أصناف أدوات التجميل والأزياء والأجهزة الكهربائية المختلفة، وذلك واقع تعيشه المجتمعات العربية كل يوم.

صورة أخرى معبرة، أوردها محمد عبدالكريم، تقول إن المدقق في حال الشباب العربي يجده عاطلاً وخاملاً، يقيم في المقاهي ويتسمر خلف أجهزة التلفاز والكمبيوتر، وفي المقابل تجد كل يوم شباباً من جنسيات مختلفة يطرقون أبواب بيوتنا لترويج منتجات مختلفة من دول معينة، وذلك واقع يصف حالة الاستسلام لثقافة الاستهلاك.

ثقافة الاستدانة

ويشير الشاب محمد عبدالكريم إلى ظاهرة أخرى سلبية ضمن مسببات الثقافة الاستهلاكية في المجتمع، والتي تتلخص في ثقافة الاستدانة، حيث أمست شريحة واسعة من الجمهور في قبضة البنوك بعد أن وضعت نفسها في خانة الاقتراض للحصول على أمور ملحة أو كمالية وشكلية.

لا سيما في ظل واقع يتيح للجميع الحصول على المال وبسهولة مطلقة، حيث تفتح البنوك أبوابها أمام المقترضين، وهي بذلك تدعم صناعة ظاهرة استهلاكية تبدو متجذرة في عالمنا العربي.

ويلتفت الباحث الصغير إلى واحد من الأسباب العصرية والمبتكرة، أودى بجمهور عريض، وجعله ينساق بلا تفكير إلى الاستهلاك وحسب، ويقول: فيما يبدع أصحاب شركات الدعاية والإعلان في تروج السلع والخدمات المختلفة، عن طريق إعلانات تعرض على شاشات الفضائيات.

ويتولى إعدادها أخصائيون بارعون في جوانب الموسيقى واللحن والإيقاع والإخراج والأفكار، ترى في المقابل شرائح كثيرة من المجتمع تتقن تجسيد ثقافة الاستهلاك وحسب، فالجميع يتباهى باختيار أنواع وأشكال براقة من أجهزة الهاتف المحمول أو السيارات على سبيل المثال.

ويستند الطالب محمد عبدالكريم في بحثه الأكاديمي والمجتمعي، إلى آراء عدد من الخبراء، التي لخصت واقع المجتمعات العربية التي تعاني من مرض استهلاكي يصل إلى مستوى الاستهلاك الترفي، خاصة أن أموالاً باهظة تنفق على سلع كمالية وفي مناسبات غير ضرورية، وذلك بقصد التباهي وحب الظهور وتعويض نقص اجتماعي معين.

وبحسب رأي الخبراء، فإن الاستهلاك الترفي يعد مرضاً اقتصادياً واجتماعياً وجد بسبب غياب الضابط الاجتماعي في عملية الاستهلاك، فالكثير من الإمكانات التي لا يستفاد منها بشكل صحيح، بمقدورها أن تشارك في عملية التكافل الاجتماعي، ولكنها للأسف تهدر بلا أدنى مسؤولية.

إنفاق

الثقافة الاستهلاكية تحيل المدن إلى ملاهٍ

بحسب ما جاء في البحث المدرسي، فإن إحصاءات التقرير الاقتصادي العربي الموحد، تؤكد أن العرب ينفقون سنوياً مليارات الدولارات على شراء أجهزة هواتف محمولة جديدة، فيما يعتاش عشرات الملايين، نحو ربع السكان العرب، على دولار واحد فقط في اليوم.

وأكثر من نصف العرب يتراوح دخلهم اليومي بين دولارين وخمسة دولارات.

وفي ختام بحثه، يقول الطالب محمد عبدالكريم، إن الثقافة الاستهلاكية أحالت مدننا إلى ما يشبه مدن الملاهي، تنتشر فيها المقاهي والمطاعم والملاعب والأماكن الترفيهية، عوضاً عن الجامعات والمعامل والمكتبات والمؤسسات الإنتاجية، فالكل يعمل من أجل أن يستهلك وحسب.

كما يرى الطالب الباحث أن مشكلة الشباب الاستهلاكية هي جزء من مشكلات مجتمعية، ويجب تضافر الجهود لحلها.

دبي ـ عنان كتانة