تصر الأيام بتقلباتها المتلاحقة على كشف المستور ورفع لحاف النفاق الذي يتغطى به البعض حتى مع أنفسهم، وهي بذلك تعلمنا بأن زيف العلاقات وإن طال أمدها لا بد أن يُكشف وأن يصبح كل شيء حقيقة ملموسة.

وقد يؤدي هذا الكشف بالبعض إلى سلوك طرق عديدة للتخلص من حياتهم أملين أن يجدوا في الموت راحة مما يعيشون، خاصة عندما تكون الحياة بالنسبة لهم عبارة عن صفقات تجارية رابحة أو خاسرة.

تلك القاعدة وأخرى كانت تعتمدها أمنية في حياتها، فإلى جانب الربح والخسارة تؤمن بأن للحظ دوراً في تغيير طرق الحياة، ولذلك لم تحاول أبداً أن تضع الحجارة في طريق زواجها، فمع أول عريس دق باب بيت والدها، وافقت عليه حتى لا يفوتها قطار الزواج وتبقى حبيسة سجن العنوسة الذي تخافه بنات المجتمع العربي عموماً.

الإنسان الذي اختارته أمنية زوجا لها لم يكن يؤمن بطول فترة الخطوبة، ويفضلها أن تكون لأيام معدودة، لأن طولها قد يجلب القيل والقال وهو أمر لا يحبذه، الأمر الذي لم يمكّن أمنية من الإبحار في قلب خطيبها وسبر أغواره، وقد فشلت في ذلك مرات عديدة ولسان حالها يقول سأنجح في المرة القادمة.

ومع اقتراب الليلة الكبيرة ظنت وبحسب وعود رجلها أنها ستنتقل من بيت والدها إلى جنة تكون هي ملكتها وصاحبتها، وقد زادها أملاً بذلك كم الهدايا البراقة التي أغدقها عليها خلال فترة الخطوبة التي عاشتها معه.

وكلمات الحب التي برع في تأليفها، ولذلك فأمنية لم تخف في ليلتها الأولى وإنما استقبلتها بكل صدر رحب مليء بالجرأة والحماسة، فقد كانت تعد الليالي لتجتمع مع زوجها تحت سقف واحد، وبمرورها بدأ الحظ يتعثر في خطواته معها، فلم تجد في «جنتها» ما كانت تحلم فيه، لتبدو أحلامها كأنها سحابة صيف.

مع مرور الأيام بدأت تكتشف أمنية زيف العلاقة التي بدأتها مع زوجها، فقد وجدت فيه إنسانا آخر يجيد النفاق والتدليس، لا يستمع ولا يعترف بآراء الآخرين.

ويعتبرها نوعاً من الغيرة والحسد، وجدته إنسانا ضيق الأفق، أنانياً لا يفكر بغير نفسه، ومتسلطا، ويحاول جاهدا أن يعيد زمن «سي السيد» في علاقته معها.

في كل مرة كانت تفكر فيها أمنية بمخالفته لا تجد رداً سوى الإهانة والضرب وهو ما زاد حياتها سوءاً وتدهوراً، ليتوقف معها نبض العلاقة بينها وبين زوجها الذي لم يكن يعترف بوجودها في البيت، لتتحول أمنية إلى مجرد قطعة أثاث يكتمل بوجودها ديكور البيت.

في كل ليلة كانت أمنية تحاول الهروب من البيت نحو البحر تبثه أحزانها، وهو ما دعا زوجها إلى استغلال فترات غيابها لتلبية رغباته، فقد كان هاتفة المتحرك مليئا بأسماء الفتيات اللواتي احترفن الخيانة العاطفية.

وفي ذات يوم عادت أمنية التي تعودت على برودة سريرها، وقد رسم التعب خطوطه على وجهها، لتفاجأ بزوجها وبصحبته احدى بائعات الهوى، وهو ما حول أمنية إلى «تسونامي» هائج وقد اسودت الدنيا في عينيها.

ولم تجد أمامها سوى شرفة البيت لتلقي بنفسها نحو الأرض في محاولة منها لتتخلص من حياتها أو على الأقل من زوجها الذي لم يرحم مشاعرها وعقلها ولم يحترم أنوثتها في يوم من الأيام، لتكتشف أمنية في تلك اللحظة بأنها كانت تتاجر في سلعة خاسرة.

غسان خروب