السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ***في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ
بيضُ الصَّفائحِ لاَ سودُ الصَّحائفِ في***مُتُونِهنَّ جلاءُ الشَّك والريَبِ
والعِلْمُ في شُهُبِ الأَرْمَاحِ لاَمِعَة ***بَيْنَ الخَمِيسَيْنِ لافي السَّبْعَة الشُّهُبِ
أَيْنَ الروايَة بَلْ أَيْنَ النُّجُومُ وَمَا***صَاغُوه مِنْ زُخْرُفٍ فيها ومنْ كَذِبِ
يَا يَوْمَ وَقْعَة عَمُّوريَّة انْصَرَفَتْ***منكَ المُنى حُفَّلاً معسولة الحلبِ
أبقيْتَ جدَّ بني الإسلامِ في صعدٍ***والمُشْرِكينَ ودَارَ الشرْكِ في صَبَبِ
أتتهُمُ الكُربة السَّوداءُ سادرة ***منها وكان اسمها فرَّاجة الكُربِ
جرى لها الفالُ برحاً يومَ أنقرة ***إذْ غودرتْ وحشة الساحاتِ والرِّحبِ
لمَّا رَأَتْ أُخْتَها بِالأَمْسِ قَدْ خَرِبَتْ***كَانَ الْخَرَابُ لَهَا أَعْدَى من الجَرَبِ
كمْ بينَ حِيطانها من فارسٍ بطلٍ***قاني الذّوائب من آني دمٍ سربِ
بسُنَّة السَّيفِ والخطيَّ منْ دمه***لا سُنَّة الدين وَالإِسْلاَمِ مُخْتَضِبِ
لقد تركتَ أميرَ المؤمنينَ بها***للنَّارِ يوماً ذليلَ الصَّخرِ والخشبِ
غادرتَ فيها بهيمَ اللَّيلِ وهوَ ضُحى ***يَشُلُّهُ وَسْطَهَا صُبْحٌ مِنَ اللَّهَبِ
حتَّى كأنَّ جلابيبَ الدُّجى رغبتْ***عَنْ لَوْنِهَا وكَأَنَّ الشَّمْسَ لَم تَغِبِ
لوْ يعلمُ الكفرُ كمْ منْ أعصرٍ كمنتْ***لَهُ العَواقِبُ بَيْنَ السُّمْرِ والقُضُبِ
تَدْبيرُ مُعْتَصِمٍ بِاللَّهِ مُنْتَقِمِ***للهِ مرتقبٍ في الله مُرتغبِ
ومُطعَمِ النَّصرِ لَمْ تَكْهَمْ أَسِنَّتُهُ***يوماً ولاَ حُجبتْ عنْ روحِ محتجبِ
لَمْ يَغْزُ قَوْماً، ولَمْ يَنْهَدْ إلى بَلَدٍ***إلاَّ تقدَّمهُ جيشٌ من الرَّعبِ
لوْ لمْ يقدْ جحفلاً، يومَ الوغى، لغدا***منْ نفسهِ، وحدها، في جحفلٍ لجبِ
رمى بكَ اللهُ بُرْجَيْها فهدَّمها***ولوْ رمى بكَ غيرُ اللهِ لمْ يصبِ
مِنْ بَعْدِما أَشَّبُوها واثقينَ بِهَا***واللهُ مفتاحُ باب المعقل الأشبِ
وقال ذُو أَمْرِهِمْ لا مَرْتَعٌ صَدَدٌ***للسارحينَ وليسَ الوردُ منْ كثبِ
شعر: أبو تمام
حبيب بن أوس بن الحارث الطائي ( 803 ـ 845 ) أحد أمراء البيان، ولد بجاسم (من قرى حوران بسوريا) ورحل إلى مصر واستقدمه المعتصم إلى بغداد فأجازه وقدمه على شعراء، فأقام في العراق ثم ولي بريد الموصل فلم يتم سنتين حتى توفي بها.
كان أسمر، طويلاً، فصيحاً، حلو الكلام، فيه تمتمة يسيرة، يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب غير القصائد والمقاطع.
في شعره قوة وجزالة، واختلف في التفضيل بينه وبين المتنبي والبحتري، له تصانيف، منها فحول الشعراء، وديوان الحماسة، ومختار أشعار القبائل، ونقائض جرير والأخطل، نُسِبَ إليه ولعله للأصمعي كما يرى الميمني.
وذهب مرجليوث في دائرة المعارف إلى أن والد أبي تمام كان نصرانياً يسمى ثادوس، أو ثيودوس، واستبدل الابن هذا الاسم فجعله أوساً بعد اعتناقه الإسلام ووصل نسبه بقبيلة طيء وكان أبوه خماراً في دمشق وعمل هو حائكاً فيها ثمَّ انتقل إلى حمص وبدأ بها حياته الشعرية.