نجحت دبي خلال السنوات الماضية في تأسيس قواعد اقتصاد المعرفة، وفقا لتوجيهات ورؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.
وهو ما جعلها بيئة جاذبة لعدد كبير من الجامعات العالمية، والتي وجدت في دبي أرضية خصبة لعملها من خلال المناطق الحرة التي أنشئت لتعزيز توجهات دبي لتكون وجهة تعليمية عالمية.ومن دون شك فإن خطة دبي الاستراتيجية لعام 2015 وتوجهات الحكومة الاتحادية من خلال استراتيجيتها لعام 2020 قد دعمت توجهات دبي المعرفية.في ظل المنافسة القوية مع بقية دول الخليج التي تعمل هي الأخرى على تعزيز اقتصاد المعرفة فيها، وهو ما يثير عديداً من الأسئلة حول إمكان تحول دبي لوجهة تعليمية تستقطب طلبة العلم من كافة أنحاء العالم.***تنمية بشرية***يقول الدكتور كاظم أيوب، المدير التنفيذي لمدينة دبي الأكاديمية العالمية وقرية دبي للمعرفة.
حول نجاح دبي في التحول نحو المجتمع المعرفي: «بداية يجب التوضيح أن اقتصاد المعرفة يشمل قطاعات التعليم، والصحة، والصناعة، وصولاً لعمليات الأبحاث والتطوير.كما أنه يرتبط بعملية التنمية البشرية، وخلال السنوات الماضية قطعت دبي شوطاً كبيراً نحو بناء المجتمع المعرفي، والذي تمثل بإطلاق العديد من المبادرات لبناء اقتصاد المعرفة بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.ولإرساء قواعد المجتمع المعرفي كان علينا خلق وتطوير المعرفة عن طريق البحث والتطوير، ونشرها بالتعليم والتدريب، وتوظيفها للاستفادة منها في تقديم المُنتجات والخدمات الجديدة، بهدف الارتقاء بالمجتمع وإمكاناته.كما أن الوصول لمجتمع المعرفة يجب أن يرافقه ارتقاء بخدمات التعليم بكافة أشكاله ومراحله، وتطوير مراكز البحث العلمي وتشجيع الالتحاق بالدراسات العليا، واستقطاب الكفاءات والتخصصات النادرة للاستفادة منها».***بيئة مناسبة***ومن جهته.
قال د. عبدالله الشامسي، مدير الجامعة البريطانية في دبي: «الدخول في اقتصاد المعرفة عملية صعبة ولو نسبيا، وقد سعت دبي بكل إمكاناتها لتأسيس بيئة مناسبة للارتقاء بالتعليم الجامعي.
فتم بناء قرية المعرفة ومدينة دبي الأكاديمية، وتهيئة الظروف المختلفة لجذب أعداد كبيرة من الطلبة من داخل وخارج الدولة.كما تم التنسيق مع بعض الجهات الأخرى مثل «دبي تيك»، وواحة السيلكون وغيرها من المؤسسات التي يمكنها الاستفادة من الأبحاث العلمية التي تنجزها المؤسسات التعليمية المختلفة.
ولهذا يعتبر اقتصاد المعرفة بمثابة قضية متشابكة تدخل فيها المؤسسات التعليمية والقطاعات الصناعية المختلفة الموجودة، وفي تقديري نحن ما زلنا في مراحلنا الأولى في ما يتعلق باقتصاد المعرفة الذي يحتاج إلى عامل الوقت لإثبات قوته.
وإلى التقاء كل القطاعات الموجودة في الإمارة لمواكبة أبحاث المؤسسات التعليمية التي يجب أن تقوم بالمطلوب لاستمرار عمل القطاعات الأخرى.
ويمكن القول إن دبي تسير في الاتجاه الصحيح، ولكنها بحاجة لتدعيم ذلك بإيجاد صناعات جيدة وسياسات واضحة تتعلق بعلاقة الجهات العملية والصناعية مع الجهات التعليمية.
وأشار الشامسي إلى أنه لا يمكن تحديد سنوات معينة لتتمة اقتصاد المعرفة لارتباط التعليم بالتنمية، منوها أن الهدف لن يتحقق بشكل كامل، لأن كل مرحلة تفرض المزيد.
وقال د. الشامسي: لقد أوجدت دبي البنية التحتية التي يحتاجها قطاع التعليم والتي أوجدت بدورها البيئة التعليمية التي نحتاجها، ولكن المرحلة المقبلة يجب أن تكون لوضع السياسات وسن القوانين، بحيث يكون هناك تزاوج بين القطاعات التعليمية والعملية.
نواة مهمة
لقد مثلت المدن المعرفية التي أنشأتها دبي مع بداية العقد الحالي، نواة مهمة لنشوء المجتمع المعرفي في دبي، وقد أسهمت بتعميق توجه دبي نحو المجتمع المعرفي، وحول ذلك .
قال د. أيوب: لقد أسهمت مجمعات الأعمال التابعة لـ «تيكوم» للاستثمارات بوضع أساسات المجتمع المعرفي، حيث جمعت ركائز هذا المجتمع من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والإعلام، وكذلك التعليم والأبحاث والتطوير.
ولذلك استقطبت دبي للانترنت شركات تكنولوجيا المعلومات من جميع أنحاء العالم، في حين أن مدينة دبي للإعلام عملت على استقطاب أهم الشركات الإعلامية التي حولت دبي إلى منارة إعلامية.
أما قرية دبي للمعرفة فقد تأسست كجزء من خطة استراتيجية بعيدة المدى تهدف لخلق وتطوير مركز استقطاب للمواهب في المنطقة، للمساهمة في تسريع الخطوات نحو تحقيق اقتصاد المعرفة.
ومنذ أن بدأنا العمل فيها تمكنا من استقطاب نحو 450 مركزاً لتنمية الموارد البشرية والتدريب وغيرها، ونظرا لتشابك القطاع التعليمي فقد ارتأينا إنشاء مدينة دبي الأكاديمية العالمية، والتي اهتمت باستقطاب الجامعات والكليات التي تقدم برامج تعليمية مختلفة.
وقد نجحنا خلال السنوات الماضية باستقطاب أكثر من 30 جامعة ومؤسسة تعليمية عالمية تطرح برامج دراسية متميزة في مجالات مختلفة تلبي احتياجات السوق.
وفي هذا الإطار قال د. الشامسي: لا يمكن إنكار مساهمة هذه المدن بدفع اقتصاد المعرفة إلى الأمام، ولكن لم يكن بالمستوى الذي كنا نطمح إليه سابقا، ولذلك أعتقد بأن الهدف الذي وضعت لأجله سابقا لم يتحقق بالكامل حتى الآن.
فما زالت الكثير من الشركات تنظر لهذه المدن على أنها مقر للتسويق والعلاقات العامة وعقد المؤتمرات والندوات، وليس لإنتاج المعرفة، ولهم الحق في ذلك، لأن المؤسسات العلمية والبحثية لدينا غير ناضجة بشكل كاف.
حتى تحقق رغبات هذه الشركات، وفي تقديري أن نمو المؤسسات العملية والتعليمية في دبي ووجود سياسات تربط بين قطاعي الصناعة والتعليم سيسهمان كثيرا في تغيير هذه النظرة.
وجهة تعليمية
وحول توقعاتهم بأن تتحول دبي خلال السنوات القادمة إلى وجهة تعليمية عالمية، قال د. أيوب: في تقديري أن ذلك أصبح ممكنا؛ لتوافر عدة عوامل تدعم تحول دبي التي تمتلك موقعا استراتيجيا، إلى جانب امتلاكها للإمكانات والخدمات والبنية التحتية اللازمة، وأرقى المعاهد والجامعات العالمية.
ومن جهة أخرى، فإن وجود أكثر من 200 جنسية في الإمارات أغلبها من فئة الشباب، واهتمام الحكومة الاتحادية باقتصاد المعرفة وتركيزها عليه في استراتيجيتها لعام 2020، بلا شك يدعم هذا التحول.
أما د. الشامسي فقال: تسعى دبي لأن تكون مقرا إقليميا وعالميا في التعليم العالي، رغم المنافسة العالية مع دول الخليج في هذا الإطار، ولكن طبيعة التركيبة السكانية الموجودة في دبي أعطت الجامعات الموجودة فيها ميزة ومكنتها من النجاح.
رغم أن عدد الطلبة القادمين من الخارج بهدف الدراسة في دبي ما زال متدنيا، وسيبقى كذلك لحين اكتمال البيئة التعليمية في الدولة.
وتبقى فرص دبي والدولة عموما أكبر من غيرها؛ نظرا لجاذبيتها لمختلف القطاعات الصناعية، وهذا بحد ذاته قد يشكل مدخلا قويا لتحول دبي لوجهة تعليمية عالمية.
التصنيف العالمي للجامعة أهم معايير دبي الأكاديمية
تعتمد دبي الأكاديمية في عملية اختيارها للمؤسسات التي تريد فتح فروع لها في دبي على معايير صارمة يصل عددها إلى 34 معيارا، أبرزها تصنيف الجامعة العالمي، ومدى تلبية برامجها الدراسية لاحتياجات السوق المحلية والمجتمع، وقدرتها على الاستدامة، وغيرها.
وبحسب د. أيوب، فخلال عام 2008 تمت الموافقة على 6 طلبات فقط من أصل 41 طلبا، حيث توافقت مع كافة المعايير التي تعتمدها المدينة، والتي لا ينحصر تركيزها فقط على جامعات الصف الأول، وإنما على جامعات الصف الثاني أيضا، لتوفير فرص التعليم للجميع.
في المقابل أكد د. أيوب أن قرية المعرفة ودبي الأكاديمية تعملان على تقليص الفجوة بين سوق العمل ومخرجات التعليم، وقال: «إلى جانب ما نصت عليه خطة دبي الاستراتيجية لعام 2015، قمنا بإعداد دراسة شاملة بغية التعرف إلى القطاعات التي يعتمد عليها اقتصاد دبي.
مثل البنوك والسياحة والإعلام، ولذلك نجد أن هناك أكثر من 80% من الجامعات الموجودة حاليا في دبي تطرح برامج ماجستير في إدارة الأعمال، ونتطلع لإيجاد برامج خاصة بالخدمات اللوجستية وقطاع الضيافة الذي يشكل نحو 25% من الدخل الإجمالي للإمارة».
في المقابل، قال د. الشامسي: «وجود فروع للجامعات الأجنبية بالدولة يعتبر أمراً جيدا، ولكن لا يمكن الاعتماد عليه كليا، لأن الأصل في اقتصاد المعرفة هو أن تعمل الدولة على خلق جامعاتها الخاصة التي تعتمد على تجارب الآخرين وتتبنى سياساتهم وبرامجهم وتطورها وتوطنها.
وأعتقد بأن وجود هذه الجامعات أحدث نوعا من التنافس الجيد أدى لرفع مستوى جامعاتنا المحلية مقارنة مع السنوات الماضية، وهو ما نحتاج إليه فعلا، خاصة في ما يتعلق بقضية الأبحاث».
وفي ظل العدد الكبير للجامعات والمعاهد التي تم استقطابها إلى دبي، هل فعلا أصبحت دبي أرضية خصبة لعملها؟، ..حول ذلك قال د. أيوب: «نجاح قرية دبي للمعرفة باستقطاب نخبة من المعاهد والمؤسسات العالمية دعانا في 2007 لإطلاق مدينة دبي الأكاديمية العالمية.
التي تعتبر المنطقة الحرة الوحيدة في العالم المخصصة لخدمات التعليم العالي، حيث تمكنا من توفير مقومات النجاح لعمل هذه المؤسسات، وهو ما مكننا من جمع كافة عناصر بناء المجتمع المعرفي من تعليم وتدريب وصقل للمواهب في مكان واحد.
في المقابل نجحت هذه المؤسسات باستقطاب الطلبة ليصل عددهم اليوم إلى 15 ألف طالب، يدرسون في 32 جامعة من 13 دولة، علما أن العدد في عام 2003 لم يتجاوز 2000 طالب يدرسون في 6 جامعات، ونتطلع حاليا لرفع هذا العدد إلى 25 ألف طالب مع حلول عام 2015.
ونوه د. أيوب في حديثه إلى تقرير منظمة اليونسكو الأخير والذي أشار إلى أن الجامعات الموجودة في قرية المعرفة ومدينة دبي الأكاديمية تمثل 53% من الجامعات الموجودة في الإمارات، و25% من عدد الجامعات الموجودة في الخليج العربي، و7% على مستوى الشرق الأوسط، وهي نسبة جيدة خلال 7 سنوات فقط.
28% من ميزانية الحكومة للتعليم العالي
رصد كتاب «4 أعوام من الإنجازات» الذي يفصّل تقرير أعمال حكومة الإمارات خلال 2006 - 2009، الأهمية البالغة التي يحظى بها التعليم في الدولة من القيادة الرشيدة، حيث جاء في أولويات استراتيجية الحكومة الاتحادية.
نظرا لأهمية دوره في إعداد الكفاءات العلمية والمهنية وتأهيل الكوادر الوطنية ورفد المؤسسات الحكومية والخاصة بالموارد المعرفية.
وخلال السنوات الأربع الماضية، وضعت الحكومة قطاع التعليم العالي والبحث العلمي في أولويات اهتماماتها، وانعكس ذلك في استراتيجيتها، حيث جاءت استراتيجية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لتحقق الموازنة بين متطلبات سوق العمل ومخرجات التعليم العالي في الدولة.
والارتقاء بالجامعات والكليات الإماراتية إلى مصاف أفضل المؤسسات التعليمية، باعتماد أفضل الممارسات والمعايير الدولية وتوظيفها وفقا للظروف والاحتياجات المحلية، وخصص للتعليم العام والعالي مبلغ 9 .9 مليارات درهم، وبنسبة 28% من الميزانية النقدية في 2009.
دبي - غسان خروب


