ذكريات عتيقة تفوح بتجارب الزمن الجميل، مع إشراقات صباح باكر تمتزج بعمل أيادي الجدات وأهازيجهن، وعلى صوت تجريش الرحى لحفنات الحبوب والشعير، لحظات جميلة تعود بذاكرة الإنسان إلى رحلة صناعة الحياة، التي بدأت بأدوات بدائية أمنت لهم لقمة العيش، وسردت لهم حجارتها قصص وحكايات الأولين.

***مطاحن الاسلاف***الرحى، مطاحن الأسلاف الأولين، تربعت ولفترة طويلة من الزمن في إحدى زوايا «حوش» البيت القديم، بسيطة كبساطة أهالينا الأولين، رقيقة في انسيابها بين أيادي الأمهات والجدات، صلبة في قوامها، قوية في عزيمتها التي تطحن وتصوغ كل ما يمر بداخلها.ورغم طبيعة الحياة المعاصرة التي محت دورها في الحياة اليومية، إلا أنها تظهر في المعارض التراثية والمتاحف القديمة لتروي لأجيال الزمن الحاضر تاريخ صناعة الخبز والرغيف في الماضي. بل وحملت الرحى لأصحابها مكانة خاصة، فقد كانت للرحى دلالات على رغد العيش والكرم، وكانت الأسر ميسورة الحال من تمتلك الرحى. غالبا ما يخصص للرحى مكان ثابت في إحدى زوايا البيت الخارجية إما ساحة البيت أو تحت العريش، لتستعمله كل من تريد من الجارات استخدامه، وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على كرم ربة البيت، وصورة من صور التكافل الاجتماعي بين العائلات في الماضي.

وعادة ما تتردد النساء على البيت الذي يحوي الرحى، وكانت صاحبة البيت تساعدهن في عملية الطحن وتعد لهن الطعام لاستغلال الوقت الطويل الذي تستغرقه الرحى في طحن الحبوب.

وجمعت الرحى حولها العديد من الحكايات، بل وكان الوقت الذي تقضية النسوة حولها فرصة لتبادل الحديث عن الخطبة والزواج وقصص حياتهن اليومية كما تغنت الأمهات ببعض الأغاني التي تعلق ذكرها بجلسات الرحى، مثل :

«يا ميمتي يا وديده.... يا غاليا ما تهوني ....جيتي عليا بعيده.... لمني تشيع عيوني.... يا حاسه اللي انحسه..... يا ساهر الليل دوني.

يا ميمتي لو نشاكيك... نخبرك ما طرالي... نسقط عيوني نبكيك.... وانسهرك ليالي.

يا سعد من قال امي.... ومن بيتها واجباته .... تاريك يا ام جنه ... يا تعس من فارقاته.

بيت الام مهدوم... وجامع بلا بوها خالي..... ورزق الا بلا خوي مقسوم..... يصفى قليل اللمالي.

يا خوي كانك وخي... انت الراي وانا الدباره..... كانك وخي النساوين... حتى غلاي خساره.

يا ميمتي يا وديده... يا غاليه في الضماير..... سول النبي والعقيده... تعالينا يوم زاير».

وتعد الرحى الأداة التي صنعها الإنسان بعدما عرف الاستقرار، وفلح الأرض وبذر البذور وحصد حبوبها.

وتخصص البعض في صناعتها إلى أن إحترفوا ذلك، فقد كانوا ينحتون قرص من حجر الصوان وهو من نوع البازلت أو الجرانيت، بسماكة عشرة سنتيمترات تقريبا، وبقطر يقارب الذراع، ويُحفر في محور القرص ثقب يدق فيه وتد معدني أو خشبي يثبت عليه قرص صواني آخر بنفس المقاسات.

ويتم حفر ثقب أو ثقبين متقابلين على أطرافه تثبت فيها أوتاد خشبية، ويمكن لامرأتين العمل على الرحى حيث تمسك كل واحدة بوتد ليدور القرص العلوي، وأحياناً تعمل امرأة واحدة اذا اضطرتها الظروف.

وما كان يمر يوم إلا والرحى في كل بيت في الفريج تطحن الحبوب، وتصنع الخبز والهريس والخبيص، هذا ما عكسته أهمية وجودها في كل بيت، ورغم صعوبة عملية الطحن وتحريك قرصي الرحى على المرأة إلا أنها لا تقبل أن يقوم الرجل بهذا العمل التي تعتبره جزءاً من المساندة في رعاية البيت وتأمين لقمة العيش بالتعاون مع زوجها.

تتشكل الرحى من حجرين مستديرين يوضع أحدهما فوق الآخر ويكون السفلي منهما ثابتا ويتحرك الحجر العلوي حول محور خشبي أو معدني.

وتكون قاعدته مثبتة في أسفل الحجر السفلي وعندما يدور حجر الرحى تمر فوق حبات القمح أو الشعير أو العدس التي توضع في فتحة دائرية صغيرة في وسط الحجر العلوي فتطحن تلك الحبات شيئا فشيئا كلما دار عليها حجر الرحى حتى تصبح دقيقاً ناعماً.

ولا يقتصر استعمالها على عمل الدقيق بل يمكن استخدامها لجرش القمح لإنتاج الجريشة.

وتثبت قطعة خشبية أو معدنية مستطيلة الشكل تعرف «بالفراشة» وفي أوسطها ثقب يعمل على تثبيت المحور الخشبي المحرك للقرص الرحى والذي يعرف بـ «الهاوي» ويمنعه من التزحزح ويكون ذلك بصورة عرضية في أعلى الحجر العلوي.

صوف الغنم

ويبسط الثقال هو عبارة عن قطعة منسوجة من صوف الغنم وشعر الماعز، أو حصيرة تحت الرحى ليسقط عليها الدقيق أو الحب المجروش، وتنظف بعد كل استعمال عن طريق فكها ورفع الحجر العلوي وتنظيف الباطن لمنع اختلاط بقايا حبوب القمح مع الشعير وغيرها من الحبوب.

ويتم تغطيتها بقطعة من قماش كبيرة لمنع تعرضها للغبار والأتربة ودخول الحشرات، لحين إعادة استخدامها. تبقى الرحى حكاية رحلة سلكتها الجدات بصبر وعزيمة، لتأمين خبز اليوم بانتظار غد أشهى.

الفجيرة ـ ابتسام الشاعر