في المشهد الثقافي المحلي الخالص، المعني بثقافة اهل البيئة، وهي ثقافة شفاهية، قبل ان تتطور الاهتمامات وتنهض مشاريع التدوين والتوثيق والجمع، يبرز الشعر في حياة أهل الإمارات في المقام الأول من بين أجناس الإبداع الأخرى.

فالشعر هو الأول في حياتهم، وهو اللصيق الضارب في عمق التاريخ، لهذا يشكل الشعر الحامل الأول والرئيس للخطاب الفكري والثقافي والمجال الأوحد للإبداع.فمنذ أيام حياة الصحراء وأيام حياة البحر وأيام حياة أهل الريف، لم يجد الإماراتي، إلا الشعر يتغنى به ويحمله حكمته ويقرأ به تجارب الحياة، وبما أن الشعر هو اللصيق الأوحد من بين صنوف الإبداع الأخرى.فإنه أيضا الإرث الأوحد الذي ورثه عن أجداده، والضرب الوحيد من الإبداع الذي تعاطاه كموروث، تناقله الأجيال السابقة جيل بعد جيل، وبتقصي آثار هذا التأثر والعودة به إلى الجذور، فإن تاريخ الشعر في الجزيرة العربية وأطرافها يخوض في رمال التاريخ عودة إلى الحقب ألقديمة.

أراد سالم الزمر أن يرحل في مفردات الشعر العامي الإماراتي، أو النبطي الإماراتي بحثا عن تلك الجذور، ليثبت نظريته التي أراد الدفاع عنها من خلال أدلة واستدلالات قبل سنوات عبر نشر أبحاثه في الصحافة والمجلات المحلية.

رابطا مفردات الشعر العامي بجذرها في اللغة العربية، مستبسلا من اجل إقناع القارئ الآخر للشعر النبطي الإماراتي بأنه شعر يتكئ على قاعدة اللغة العربية ولم ينفك منها، وانه في جميع وجوهه وصنوفه عائدا إلى لهجات الجزيرة العربية المنحدرة من اللغة الأم.

ثم يصب ذلك الجمع الدوؤب والبحث الذي يبدو بلا شك مضنيا في بوتقة واحدة، دفعة واحدة، هي كتابه الجديد (النبطي الفصيح غوص في اعماق لغة الشعر النبطي) الذي صدر مؤخرا عن دار الصدى.

والكتاب يعد واحداً من المراجع الفريدة القليلة التي تمكن الباحث، وبالذات الباحث العربي، الغريب على لهجة أهل الإمارات، من الاقتراب كثير من إبداعات الشعر المحلي.

يقع الكتاب في 165 صفحة من القطع المتوسط، وينتهج فيه الباحث الزمر أسلوبا بحثيا قائما على المقارنات والمقاربات، واستحضار مقاطع من الشعر المحلي لعدد من الشعراء اللامعين.

والتأشير على مفردات بعينها ثم الذهاب بها في رحلة إلى الجذور منقبا عن أصلها العربي، وبهذا الأسلوب يصل الزمر إلى أصول عدد كبير من مفردات العامية، شارحا لها عبر نماذج شعرية ومعرفا بها..

الأمر الذي يوفر حصيلة ثمينة للبحاثة في شعر الإمارات تسعفهم على الإدراك والفهم، والأمر الذي يساهم في تقريب الشعر النبطي الإماراتي وتوسيع دائرة تعاطيه وتقبله، وهما أمران لا زالت التجربة الشعرية المحلية ومخزونها الكبير بحاجة إليه..

فاليوم وللذين يقرؤون ويفككون بنى الثقافة المحلية يصطدمون بحاجز اللهجة عند الاقتراب من الشعر الشعبي، او النبطي المحلي، وبما أن عطاء الثقافة، والعطاء الأغنى عند أهل الإمارات يذهب باتجاه الشعر، فإن البحاثة تكاد تغيب عنهم كنوز مهمة إنارتها، حيث تصبح واجبا وطنيا، وأمانة لابد من حمل شقائها للذين يخشون على هذا الكنز الثمين من التواري.

مشروع قدير تحتاجه كثيرا المكتبة العربية لإضاءة منطقة الشعر النبطي الإماراتي، وعمل بحثي قيم يسعى إلى تجذير التجربة الشعرية المحلية في تربتها العربية.

في كتاب (النبطي الفصيح) يكتب الشاعر الباحث سالم الزمر في مقدمته: (أن الشعر الشعبي المسمى بالنبطي في الإمارات ليس بدعا من الشعر وليس هجينا بعيدا عن العربية، بل هو ابنها، لغته لغتها لولا تحلل من قواعد النحو والصرف في العربية الفصحى وشعرها).

دبي - مرعي الحليان