«التاريخ 18 يناير 2010، منذ ستة أيام بدأنا بتسلق جبل فنسون، واليوم سنحاول الوصول لقمته.

لقد بدأ اليوم برياح عاتية ولذلك قررنا التريث قليلا أملا بأن تهدأ الرياح قليلا، درجة الحرارة المتدنية (20 تحت الصفر)، أجبرتني على ارتداء الكثير من الملابس لأتحمل الظروف الجوية القاسية، بعد أكثر من ساعتين قررنا البدء بالتسلق، لقد كانت الرياح شديدة لم يسبق لي رؤيتها كذلك. ورغم ذلك دفعنا أنفسنا أكثر وقبل وصولنا للقمة بساعة واحدة، كانت درجة الحرارة قد وصلت إلى 37 تحت الصفر، ثم إلى 50 درجة تحت الصفر تصاحبها الرياح، في تلك اللحظة كان كل جزء في جسدي يحضني على الاستمرار، ويدعوني لعدم الشك بقدرتي، فقد كنت على وشك الوصول.

بعد ساعة بالضبط وقفت على قمة أعلى جبل في القارة القطبية الجنوبية، بارتفاع 4898 مترا عن سطح الأرض، لأصبح أول فتاة عربية تتسلق وتصل لقمة «فنسون»، احدى القمم السبع اللائي أنهيت منهن أربع. لم أقف على القمة إلا لدقائق قليلة بسبب الرياح الشديدة.ورغم أنها ليست المرة الأولى التي أتسلق فيها الجبال، إلا أن ذلك منحني شعورا غامرا بالفخر، بأن كنت في قائمة الـ 700 متسلق الذين وصلوا لقمة جبل فنسون منذ 1966، وأفخر بأن أكون أول امرأة عربية تقوم بذلك، وأن أتحمل الظروف المناخية القاسية دون أن افقد أيا من أصابعي العشرين».

هكذا كتبت الفلسطينية سوزان الهوبي، ضمن مذكراتها التي كتبتها أثناء وجودها على جبل فنسون، الأعلى في القارة القطبية الجنوبية، لقد بدت سوزان واثقة بنفسها، فقد تحدت بوجودها هناك الكثير من الصعوبات وأبرزها الصقيع الذي استوطن قمة الجبل.

البيان التقت سوزان، حيث أطلعتنا على تجربتها في تسلق الجبال، والتي ساهمت في تغيير الكثير من شخصيتها وزادتها ثقة بنفسها، وخلق في نفسها ثورة تمردت فيها على الملل.

بداية الهواية

تقول سوزان عن بدايتها في تسلق الجبال: بدايتي في تسلق الجبال ليست بعيدة فهي تعود إلى 2002، في ذلك الوقت كان الملل قد بدأ يتسلل إلى حياتي الاجتماعية وطريقة معيشتي رغم أنني وصلت إلى مستوى جيد في عملي.

وطوال الوقت كنت أشعر بأن شيئا ينقصني، وان في الحياة أشياء لها طعم خاص ومختلف، وفي ذلك العام سافرت لأفريقيا، وتضمنت خطتي زيارة شمال تنزانيا وجنوب كينيا.

وفي اليوم المخصص للسفاري كنت قد وصلت إلى منطقة «مورشي»، وفي الطريق أوقف المرشد سيارته وطلب مني النزول، وأشار بيده إلى جبل بعيد وضخم، وقال لي هذه هي قمة جبل كلمنجاروا، الأعلى في أفريقيا، وهو مشهور بقمته الجليدية.

والتي بدأت تذوب نتيجة للاحتباس الحراري. نظرت إلى الجبل بتمعن وفجأة قلت للمرشد: في العام المقبل سأعود وسأتسلقه، ومن هذه اللحظة بدأت خطوتي الأولى في تسلق الجبال.

لقد كان جبل كلمنجاروا كفيلا بنقل سوزان إلى عالم أخر لم تعتد عليه، فقد استطاع أن يبهرها بعلو قمته التي ترتفع إلى 6000 متر، ليقنعها بأن هذا هو الشيء الذي كانت تبحث عنه منذ زمن.

تقول سوزان: عندما بدأت بالتسلق لم أكن اعرف شيئا عنه، حتى العتاد المطلوب الذي اشتريته لم يكن مناسبا للتجربة، وقد ظننت في البداية انه عتاد عادي.

ولذلك اعتبر بأن كلمنغاروا هو أول جبل علمني الكثير، خاصة وأنني عانيت كثيرا أثناء تسلقه، كما أن قدماي قد أصيبت بعد ثلاثة أيام من التسلق بتقرحات وجروح والتهابات بسبب عدم ارتدائي للحذاء المناسب، ورغم ذلك تمكنت من الوصول إلى قمته.

وبعد نزولي من الجبل شعرت بأنه يجب أن أكرر المغامرة، ولكن يجب أن أكون مستعدة جيدا، وفور عودتي بدأت بتثقيف نفسي والانتماء لمجموعات أخرى لديها خبرة في التسلق، ومن خلالهم تعرفت على الأماكن التي اشتري منها العتاد المناسب، وكيف أكون ذكية باختياراتي، وكيف أختار المنطقة التي أبدأ منها وبناء عليها يكون التمرين.

أربع من سبع

تمكنت سوزان منذ بدء هوايتها وحتى الآن من تسلق أربع قمم من أصل سبع، والتي تعتبر الأعلى في قارات العالم، وتوضح لنا أن تسلق الجبال الثلجية يختلف عن تسلق الجبال الصخرية من حيث الطرق والعتاد.

وقد اعتادت في كل مرة مراجعة التكنيك وذلك حتى تتمكن من مجاراة ظروف الجبل الصعبة، وليتعود جسمها على مستويات الأكسجين المختلفة، وفي ذلك تقول: الجبل الجليدي يفرض تحديا اكبر بحكم علو قمته، وبالتالي فكلما زاد الارتفاع زاد نقص الأكسجين.

وفي ذلك مغامرة كبيرة، فإما أن يتعود الجسم على ذلك وبالتالي يمكن الاستمرار، أو لا يتعود وفي هذه الحالة هناك مغامرة اكبر، حيث يمكن إصابة المتسلق بأمراض نقص الأكسجين الخطيرة كاحتباس الماء في الرئة أو في الدماغ وهو ما يفرض نزول المتسلق بسرعة عن الجبل لان بقاءه في الأعلى يعني الموت.

وتضيف سوزان: حتى نتجنب الوصول لهذه المرحلة نعتمد في رحلتنا على فلسفة التسلق التي تعتمد على مبدأ «صعود نزول صعود»، وبذلك يمكننا تعويد الجسم على الطقس ومستويات الأكسجين، وهذه الفلسفة تزيد من حرفية المتسلق وفرص نجاحه في الوصول للقمة.

لا توجد شروط معينة لدى سوزان لاختيار أي من سلاسل الجبال في العالم، ولكن في المجمل يجب أن يكون الجبل عاليا، لأنه «كلما ارتفع الجبل زاد التحدي ويرفع من مستوى حرفيتي، ويثبت قدرتي على تحمل صعوبة الجبال» على حد قول سوزان التي تفضل أن يكون الجبل في المناطق التي لم يصلها السياح بعد.

وتشير إلى أنها تنظر إلى جغرافية العالم وأماكن تواجد الجبال فيها، كما ينظر السائح إلى الأماكن السياحية في الدول التي ينوي زيارتها، وتؤكد بأنه كلما كان الجبل أبعد عن المناطق المأهولة بالسكان زادت جاذبيته، لان فيه حس مغامرة أعلى لأنه يفرض نمط معيشة «صراع البقاء»، وأهم من كل ذلك هو الالتزام بالتمارين والهدف الذي يضعه المتسلق لنفسه.

لحظة الوصول

رغم أن المكوث على القمة لا يتعدى الدقائق، ولكن يكون لها طعمها الخاص ونشوتها، فهي إثبات على قدرة الإنسان على الوصول وقوة

إرادته، خاصة وان بعضها يحتاج إلى وقت طويل ينهك الجسم، وقبل فترة وجيزة كانت سوزان على موعد مع هذا الشعور بعد وصولها لقمة جبل فنسون، حيث قالت: شعور لا يمكن وصفه أبدا، خاصة وان الوصول للقمة يحتاج لبذل مجهود كبير قد يصل لأكثر من 12 ساعة.

ومع وصولنا نأخذ صورنا بسرعة إذا توفرت الإمكانية، لأنه لا يمكننا المكوث طويلا هناك خوفا من إصابة أطرافنا بعضة الصقيع التي قد تفقدنا احدها، فضلا عن حاجة الجسم المتزايدة للأكسجين، ولهذا نبدأ بالنزول سريعا للحصول على الأكسجين المطلوب.

ولكن أجمل ما في هذه اللحظة أنها تثبت لي بأنني أنجزت شيئا وحققت هدفي بتحدي الجبل والوصول لقمته، وفي كل مرة أصل فيها للقمة أتمنى بأن يكون برفقتي زميل عربي ليشاركني روعة الشعور.

تغيير صورة العرب عند الغرب

منذ احترافها التسلق تمكنت سوزان من تسلق مجموعة من الجبال العالية، حيث بدأتها بجبل كلمنغاروا الذي يعتبر الأعلى في أفريقيا، وكذلك جبل «البرس» الواقع ضمن سلسلة جبال القوقاز.

وهو الأعلى في أوروبا، ومون بلان اعلى جبل في سلسلة الألب الواقعة بأوروبا الغربية، وجبل أكونكاغوا، الذي يعتبر اعلى جبال أميركا الجنوبية، بالإضافة الى توبقال أعلى جبال الأطلس في شمال أفريقيا، كما تسلقت أيضا جبل كلمنتار في سلسلة الهملايا، وكان ذلك خلال رحلتها لاستكشاف ايفرست، وانتهت مؤخرا من جبل فنسون.

وهو الأعلى في القارة القطبية الجنوبية والواقع في منطقة انتارتيكا، كما تسلقت أيضا عددا من الجبال الصغيرة وكانت بهدف التمرين، وتطمح لتسلق قمة ايفرست.

واعتادت سوزان على تسلق الجبال مع مجموعات أجنبية، ما مكنها من تغيير الصورة النمطية المرسومة عن العرب لدى الغرب، وحول ذلك قالت: لم يعتد المتسلقون الأجانب على مرافقة العرب، وخاصة النساء.

وبعضهم قال إنهم يصابون بالقلق عندما كانوا يجدون امرأة عربية ضمن قائمة الأسماء، ولكن الحمد لله تمكنت من اكتساب صداقتهم واحترامهم، وفي كل مرة كنت اشعر بأنهم فخورون بإنجازي.

دبي - غسان خروب