في الثلاثينيات من القرن المنصرم، قام ليونارد كيلر، أحد مخترعي جهاز كشف الكذب الحديث بتسويق «كاشف الكذب السحري»، كأداة للاستخدام خلال جلسات التحقيق. وسرعان ما ذاع صيت هذه التقنية التي تمنح المحقق رؤية متبصرة حول مدى صدق رواية المشتبه به.
لكن منذ ذلك الحين، أثبتت الاستخدامات العملية على مدى العقود بأن جهاز كشف الكذب ليس سحريا، بالفعل، لا في طريقة عمله ولا في دقة نتائجه.
يستخدم جهاز كشف الكذب مجموعة من مؤشرات القياس الفسيولوجية، مثل ضغط الدم ونبض القلب ودرجة حرارة الجلد، ليحدد ما إذا كان الشخص يكذب خلال سلسلة من الأسئلة.
ويتم بعد ذلك تحليل البيانات المنبثقة عن الاختبار لتحديد ما إذا الشخص المستجوب قد أظهر أية علامات للتوتر والحصر النفسي، والتي يمكن ان تكون مؤشراً للخداع.
لكن على مدار القرن المنصرم، تبين ان جهاز كشف الكذب يعاني من مشكلة مزدوجة: فالشخص الذي يستطيع ان يبقى هادئاً تحت الضغط النفسي يمكن ان يخدع جهاز كشف الكذب، ومن ناحية أخرى فإن الشخص الذي لا يستطيع التعامل مع حالات الإجهاد النفسي ربما يفشل في اجتياز اختبار الكذب، حتى ولو كان صادقاً.
ونظراً لازدياد المخاوف من تهديد الإرهاب منذ هجمات 11 سبتمبر، قررت الحكومة الأميركية أنه لا بد من العمل لإيجاد طريقة بديلة أفضل وأكثر موثوقية للكشف عن الكذب.
ويبدو ان تكنولوجيا التصوير بأمواج الرنين المغناطيسي قد برزت لتملأ ذلك الفراغ الذي أوجده تراجع الثقة في دقة، بل حتى ومصداقية نتائج اختبارات كشف الكذب التقليدية في وقت أصبح فيه من المهم أكثر من أي وقت مضى معرفة العدو من الصديق.
ولقد شهد استخدام تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي (إم آر آي) انتشاراً متزايداً منذ تطوير نموذجها الأولي من قبل العالم ريموند داماديان وزملائه في 1967، لتكون بداية ثورة حقيقية في الدراسات التشريحية.
حيث قدمت للعلماء نافذة غير مسبوقة للإطلال على باطن الجسم البشري بدون إجراء ولا شق جراحي واحد. لكن بفضل بعض الأبحاث الحديثة، يبدو واضحاً أن تقنية التصوير بالرنين المغنطيسي يمكن أن تقوم بوظائف غير سريرية أيضاً ـ باستخدامها كجهاز لكشف الكذب.
يستخدم جهاز «إم آر آي» نطاقاً مغناطيسياً للنظر من خلال الأنسجة والعظم ورؤية الجسم البشري من الداخل. لكن من أجل استخدام الرنين المغناطيسي لكشف الكذب، لا بد من استخدام جهاز رنين مغنطيسي وظيفي أو «إف ـ إم آر آي»، حيث يتم وصله ببرنامج حاسوبي خاص لعرض وتحليل الصور التي ينتجها جهاز الرنين.
وفي تلك الصور يتم تظليل الأجزاء المختلفة من الجسم بألوان مختلفة. وكلما ازداد نشاط النظام الحيوي المعني، كلما ازدادت درجة سطوع اللون في تلك المنطقة. وعند الاستخدام للتصوير الدماغي، يقوم جهاز «إف- إم آر آي» بتحليل أنماط تدفق الدم إلى مناطق محددة من الدماغ. وتحتاج الخلايا العصبية في الدماغ إلى الدم لكي تعمل، وهذا يعني ان أي ارتفاع مفاجئ في طلب الدم يشير إلى ازدياد نشاط تلك المنطقة الدماغية.
وانبثقت فكرة استخدام أجهزة الرنين المغنطيسي بغرض الكشف عن الكذب أصلاً من دراسة كانت ترمي إلى معرفة ما إذا كان الأطفال الذي يعانون من متلازمة ضعف التركيز يستطيعون الكذب.
وفي تلك الدراسة قام عالم النفس دانييل لانجليبن من جامعة بنسلفانيا بإجراء مسح بالرنين المغناطيسي لعدد من الأطفال الذين يعانون من تلك المتلازمة، واكتشف بأن الخداع ينشّط مناطق في القشرة الجبهية الأمامية للمخ، وربما كانت تلك أول صور ملتقطة للأكاذيب.
ثم جاءت بعد ذلك عدة دراسات وأبحاث أميركية وأوروبية لتؤكد النتائج التي خرج بها بحث لانلجين. ولا يزال مجال استخدام الرنين المغنطيسي لاكتشاف الكذب في بداياته، لكن بالنظر إلى الاهمتام الكبير والأموال الطائلة التي تضخ فيه، لا شك أنه على وشك أن يحقق قفزات كبيرة في المستقبل القريب.
إعداد ـ علي محمد
