مع عصف الهواتف الذكية بالعالم، أصبح الهاتف التقليدي الذي يكتفي بإرسال وتلقي المكالمات الهاتفية، والرسائل النصية، يبدو كأنه تذكار من الماضي السحيق. ومع ذلك بدأت هذه الهواتف البسيطة تغير وجه الاقتصاد في بعض الدول النامية في شرق إفريقيا، وذلك بفضل خدمات الهاتف النقال، التي بدأت تغزو بعض مناطق العالم.
ومن خلال استخدام تقنية إرسال النصوص، الموجودة ضمن نظام «جي إس إم» الموحد للاتصالات المتنقلة، وهو الجيل الثاني من نظم الاتصالات الرقمية الخلوية، الذي تستخدمه معظم شبكات الاتصال الخلوية، أصبحت هذه الخدمات تتيح للناس الذين لا توجد لديهم حسابات مصرفية، أو بطاقات ائتمان، استخدام هواتفهم النقالة كمحفظة إلكترونية لتخزين النقود، وإرسالها، وتلقيها.
يشار إلى أنه يوجد ما يربو على 5 ,2 مليون شخص في كافة أرجاء العالم، لا يستطيعون الاستفادة من الخدمات المصرفية. لكن مليونا من هؤلاء لديهم هواتف نقالة، ويعتبرون الأموال الهاتفية خيارا جذابا.
وتعمل هذه الوسيلة على النحو التالي: في البداية يقوم الزبون بالدفع نقدا لوكيله المحلي، وعادة ما يوجد الوكيل في أقرب متجر صغير، إذا كان الزبون يقيم في المدينة، ثم يقوم المتجر بتعبئة الحساب الهاتفي للزبون بالمال، وذلك باستخدام شكل آمن من المراسلة عبر الرسائل النصية.
ويمكن نقل هذا المال إلى شخص آخر من خلال إرسال رسالة نصية إلى حساب هاتفه النقال، كما يمكن للأشخاص الذين لا يمتلكون حسابا في الهاتف النقال تلقي دفعات الأموال على شكل كود نصي مشفر، يمكن تحويله إلى وكيلهم المحلي، الذي يستبدله بالمال.
ويعتمد هذا النظام على ما يعرف بـ «منظومة بيانات الخدمة التكميلية غير المنظمة» (يو إس إس دي)، المدمجة في داخل شبكة «جي إس إم» للهواتف الخلوية. وتتيح هذه الخدمة لزبائن الدفع الفوري الحصول على رصيدهم الائتماني في أي وقت، على سبيل المثال.
وللوصول إلى خدمة أموال الهاتف النقال، يتعين على المستخدمين إدخال رقم معين ورمز سري في الهاتف، لذلك يتعين أن تكون أية أموال مخزنة فيه آمنة، حتى لو تعرض الهاتف للضياع، أو السرقة، وذلك لأنه لا يتم فقد النظام بفقدان الهاتف. غير أن ميزة هذا النظام، المانعة للخداع والضعف، تتيح للصوص وسيلة لاختراق الهواتف غير الآمنة.
وأحد رواد تقنية أموال الهواتف النقالة هي منظومة «إم بيسا»، التي تديرها شبكة «سفاريكوم» الكينية للهواتف المتحركة، ويستخدمها الآن أكثر من 8 ملايين شخص في كينيا للدفع مقابل أي شيء، بدءا من الرسوم الدراسية، وانتهاء بفواتير البقال.
وقد انضمت إليها العام الماضي خدمة جديدة لأموال الهواتف النقالة تدعى «زاب»، وتديرها شبكة «زين» الرئيسية المنافسة.
وهناك عشرات الآلاف من الوكلاء المحليين لهذه الخدمة في كينيا، وعادة ما تكون العمولة التي يتقاضونها مقابل نقل الأموال أقل بكثير من عمولة البنوك، وبطاقات الائتمان، والصرافين.
ويعتبر هذا النظام بالنسبة لبعض السكان بمثابة عصب الحياة. وتقول إحدى الأرامل، التي تعيل 4 أطفال، وتقيم في شمال كينيا، انها لو لم تكن تمتلك هاتفا نقالا لتعرضت للفقر الشديد، لكنها أصبحت قادرة الآن على بيع الأسماك، والحصول على لقمة عيشها بفضل الأموال الهاتفية.
وتمثل هذه الأموال فرصة لملايين الأشخاص للادخار بصورة آمنة، للمرة الأولى في حياتهم، ويمكنهم من التخطيط لحياتهم على المدى الطويل. فتخزين الأموال في المنازل يعرضها للسرقة.
وبحسب مصادر البنك المركزي الكيني، فإن دفعات نقدية تقدر قيمتها بنحو 13 مليون دولار، كان يتم نقلها يوميا عبر منظومات أموال الهواتف النقالة في عام 2009.
وهذا يضاهي التحويلات التي كانت تجري عبر البطاقات الائتمانية. ويتوقع البنك أن تحل هذه الوسيلة محل البطاقات الائتمانية خلال العام الحالي.
وتطور مشغلات الشبكات في كل أرجاء إفريقيا، ودول أخرى كأفغانستان والفلبين، خدماتها الخاصة في هذا الشأن. وقد تم تعيين وكلاء لنظام «إم بيسا» في بريطانيا، مما أتاح للمغتربين الكينيين إرسال النقود لعائلاتهم في كينيا. كما تعتزم شركة «سفاريكوم» مد خدمتها عبر الحدود، إلى الولايات المتحدة والدول المجاورة قريبا.
ترجمة ـ عمر حرزالله
